على رغم أن دعوات الحوار بين الحضارات والأديان، بدأت حديثاً في العقدين الماضيين، من جانب العرب والمسلمين وأصدقائهم الغربيين، إلا أن السعودية فتحت قناة ذلك الحوار مع أعلى الهرم الديني في الغرب البابا بولس السادس قبل نحو أربعة عقود، شهدت حلقات من الحوار بين العلماء السعوديين المفوضين من الملك فيصل بن عبدالعزيز ونظرائهم الغربيين، بمباركة من الفاتيكان ومشاركته. وتعود قصة الحوار السعودي مع الفاتيكان إلى آذار مارس 1972، عندما لبت المملكة طلب مفكرين أوروبيين لزيارتها ومناقشة علمائها في جوانب متصلة بالشريعة الإسلامية وحقوق الإنسان فيها، فأقيمت في الرياض ندوة حضرتها كوكبة من المفكرين الغربيين. وكان أبرز المشاركين السعوديين، بحسب ما أفادت به مصادر في وزارة العدل السعودية، مشايخ يرأسهم وزير العدل الشيخ محمد الحركان، وبينهم وكيل وزارة العدل الشيخ راشد بن خنين، ووكيل وزارة العدل الشيخ عمر بن مترك، ورئيس الهيئة القضائية العليا في وزارة العدل الشيخ محمد بن جبير رئيس مجلس الشورى السابق، والمدير العام للكليات والمعاهد الدينية في الرياض سابقاً الشيخ عبد العزيز المسند، والأستاذ في كلية الشريعة في مكةالمكرمة الشيخ محمد المبارك، وكبير مستشاري وزارة المعارف في الرياض سابقاً الدكتور منير العجلاني، والمستشار في الديوان الملكي الدكتور معروف الدواليبي. وفي بداية الندوة، التي يمكن وصفها ب"نواة الحوار"الذي استمر بعد ذلك، رحب الحركان بضيوفه الأوروبيين المهتمين بالدراسات الإسلامية وحقوق الإنسان، وأوضح لضيوفه"سماحة الإسلام، ورعايته حقوق الإنسان، وتنصيص القرآن على كرامة الإنسان بغض النظر عن دينه ولونه". وعقب ذلك تتابع الوفدان في طرح الأسئلة بعضهما على بعض، لكن المصادر سجلت الجانب الذي اهتم به الوفد الأوروبي، الذي ينظر إلى السعودية آنذاك بجهل كبير. وبدوا محرجين من مواجهة علماء المملكة بأسئلة يخشون أن يكون رد فعلهم نحوها قاسياً. لكنهم لخصوا المحاور في صراحة مهذبة. وركزوا، بحسب ما وثق الزميل مطيع النونو في كتاب أصدره عام 2005، عن"حوار الحضارات بين المملكة العربية السعودية والفاتيكان في إطار الحوار الاسلامي - المسيحي"، على: أولاً: أن تأكيد السادة العلماء على أن دستورهم وقوانينهم في الشؤون المدنية والجزائية والأحوال الشخصية تعتمد على القرآن الكريم فقط، كما أنزل منذ أربعة عشر قرناً، هو في نظرنا شيء يستحق البحث والملاحظة، لأن الحياة في تطور مع تطور الأزمان، وليس من المصلحة للإسلام، في ما نرى، بناء نظمه على القرآن في جميع ما أشرنا إليه أعلاه من الأحكام. لأن ذلك قد يسيء إلى القرآن نفسه مع تطور الحياة واختلاف الظروف. ثانياً: قضية العقوبات والحدود. ثالثاً: قضية المرأة. رابعاً: قضية التنظيمات النقابية المحظورة. خامساً: السؤال عن السبب في عدم وضع دستور للبلاد، على رغم أن جلالة الملك أعلن عزمه منذ سنة 1962، حينما كان رئيساً لمجلس الوزراء، على وضع دستور، كما جاء في إحدى النشرات الإعلامية التي تضمنت بيانه الوزاري حينذاك، والذي قرأناه في ما بين أيدينا من النشرات الموزعة علينا. سادساً وأخيراً: السؤال عن المحاكم الاستثنائية التي أخذت تسير عليها بعض الدول لحماية أمنها. وهل في المملكة وجود لهذه المحاكم التي يعترض عليها رجال العلم والقانون في العالم؟ ومع أن النقاط التي أثارها الوفد الأوروبي، تم إجراء تطوير واسع على معظمها بعد ذلك، إلا أن الجانب السعودي أجابهم آنذاك بتوضيحات، بددت مخاوفهم التي كانت تشكل هاجساً لهم. مثل كيفية أخذ الأحكام من القرآن على رغم أنه نص تنزّل قبل قرون. وعدد من المحاور التي عكست قلة فهم للإسلام والنظام السعودي. وأعلن رئيس الوفد الأوروبي ماك برايد إعجابه بما سمع من حقائق عن الشريعة الإسلامية وحقوق الإنسان فيها، وقال:"من هنا، ومن هذا البلد الإسلامي، يجب أن تعلن حقوق الإنسان، لا من غيره من البلدان، وإنه يتوجب على العلماء المسلمين أن يعلنوا هذه الحقائق المجهولة عند الرأي العام العالمي، والتي كان الجهل بها سبباً لتشويه سمعة الإسلام والمسلمين والحكم الإسلامي، عن طريق أعداء الإسلام والمسلمين". بل إنه ألح، كما تقول المصادر، على أن تكتب للوفد أجوبة السعوديين لتكون في أيديهم وثيقة مخطوطة يدافعون بها عن الإسلام، ويشرحون بها الحقيقة لكل راغب في المعرفة. ويشير النونو هنا إلى أن الوفد القانوني المسيحي عرض إمكان استئناف الحوار على أن يشمل خفايا الشريعة الإسلامية، وطرق معاملاتها مع مواطنيها في الداخل ومع العالم الخارجي، وبخاصة ما يتصل بحقوق الإنسان، وأن يتاح للوفد العلمي السعودي إمكان عقد لقاءات دينية بين الإسلام والمسيحية في العواصم الأوروبية، ورحب الوفد السعودي بالاقتراح، وتم الاتفاق على أن يقوم الوفد العلمي السعودي بزيارة بعض العواصم الأوروبية الكبرى لهذا الهدف. رسالة من البابا إلى الملك فيصل وفي 24 نيسان أبريل 1974 زار رئيس غرفة أمانة سر الفاتيكان لغير المسيحيين الكاردينال سيرجيو بينيا دولي الرياض، وسلم الملك فيصل بن عبدالعزيز رسالة من البابا بولس السادس، يعبر فيها عن تقدير البابا والمجمع المسكوني لجلالة الملك فيصل، بصفته"صاحب النفوذ الأسمى في العالم العربي والإسلامي، تقديراً مشحوناً بإيمان عميق بتوحيد العالمين الإسلامي والمسيحي اللذين يعبدان إلهاً واحداً". تضمنت رسالة البابا إلى الملك فيصل رغبته في استقبال الوفد العلمي السعودي الذي سيزور بعض العواصم الأوروبية، مع ترحيبه بالزيارة لكونها تصب في"مصلحة الإنسانية أجمع، وإقامة السلام الآمن في الكرة الأرضية". لذلك كانت رسالة البابا بمثابة دعوة رسمية للوفد السعودي ليلتقي البابا. من جانبه، انتخب الملك فيصل مجموعة من علماء يتميزون بمواصفات خاصة، برئاسة وزير العدل الحركان، وانتدبهم إلى عدد من العواصم الأوروبية، للقاء الشخصيات المؤثرة في الهيئات والمجالس، بما فيها مجلس الكنائس، وكان اهتمام البابا بولس السادس بالوفد كبيراً وله اثر بعيد، على أساس أن الوفد السعودي إنما يمثل الملك فيصل بن عبدالعزيز ملك السعودية. وهذا ما عبر عنه البابا في كلمته الترحيبية بأعضاء الوفد، كما عبرت عنه كلمات الوفود الأوروبية الأخرى، من خلال ما تمتع به الملك فيصل من شخصية إسلامية كبيرة وسمعة عطرة لدى قادة دول العالم. حدد الوفد السعودي أهداف رحلته إلى أوروبا، بموجب كتيب صغير تم توزيعه على رجال الإعلام الغربيين، وتضمن أن رحلة السادة علماء الدين السعوديين إلى أوروبا تهدف إلى متابعة ندوة الرياض، الملتئمة في آذار سنة 1972، التي كان محورها البحث عن حقوق الإنسان في علاقاتها بالأديان وبالدين الإسلامي عموماً. إلى جانب الانطلاق من فكرة فحواها أن الأديان تكون عنصراً ضرورياً لحقوق الإنسان، وبالتالي فمن الطبيعي أن تتحد جميع الأديان في سبيل حماية الفرد من كل جور وطغيان مصدره الإنسان. وعُقدت الندوة الأولى في باريس في 23 تشرين الأول أكتوبر 1974، في مركز للمحاضرات الدولية في العاصمة الفرنسية. وتحدث رئيس الوفد السعودي عن مصادر الشريعة الإسلامية ومقاصدها، كمقدمة للتعرف على حقوق الإنسان في الإسلام، وعن مجمل حقوق الإنسان في الشريعة الإسلامية وتطبيقاتها في السعودية، وعن وضع المرأة في الإسلام. وصل الوفد العلمي السعودي، بحسب المصدر السابق نفسه، يوم 24 تشرين الأول إلى روما، وعقدت جلسة أولى يوم الجمعة 25 تشرين الأول أكتوبر في حضور الوفد السعودي وأقطاب رجال الفاتيكان، وكان موضوع الحوار"الثقافة... كوسيلة لتكافل الإنسان ومساهمة المسلمين والنصارى في توطيد السلام وفي احترام حقوق الإنسان". وصباح السبت 26 تشرين الأول 1974 استقبل البابا بولس السادس رئيس الوفد العلمي السعودي وزير العدل الشيخ محمد الحركان ونائبه، وسفير المملكة في إيطاليا الشيخ أحمد عبدالجبار، وكانت خلوة مجاملة وتعارف. ثم دخل البابا قاعة الاستقبال الخاصة وأخذ مكانه على العرش ? رمز سلطته الزمنية والروحية ? فوقف له الحاضرون من أعضاء الوفد السعودي وعدد من الكرادلة، وألقى كلمته الترحيبية باللغة الفرنسية، وترجمها إلى العربية أحد معاونيه المطران أبو مخ وهو سوري الأصل، ومما جاء فيها: "أرحب بكم في منزلكم، أنتم الذين تأتون من هذا الشرق العزيز على قلب كل مؤمن بعظمة الله ورحمته! إننا نشكر لكم زيارتكم التكريمية التقديرية، التي لا يخفى مغزاها الروحي على أحد. إننا نعرف المسؤوليات الرفيعة، الدينية والقضائية والثقافية، التي تنهضون بها في وطنكم مهد الإسلام ومستودع الكثير من القيم الروحية". وأضاف:"إننا هنا، نُؤمّل أن تساعدكم اتصالاتكم بإداراتنا السكرتارية لغير المسيحيين على تحقيق شيء من مقاصدكم، وهذا ما يجعلنا ننوه بفائدة إقامتكم القصيرة على أرض روما، وإلى ذلك فإنها تظهر للعالم أن المسلمين والمسيحيين يتوصلون إلى أن يفهم بعضهم بعضاً فهماً أفضل، وأن يتجاوبوا حباً أكثر. ولا يمكننا إلا أن نغتبط بذلك"! ورد الشيخ محمد الحركان بالقول:"كنا سعداء بالدعوة التي وجهها الفاتيكان إلى وفدنا لإقامة ندوات حول حقوق الإنسان في الإسلام وفي المسيحية، وضاعف سرورنا هذا الاستقبال الحار الذي قابلنا به المسؤولون في الفاتيكان. لقد تفضلتم بتتويج هذا الاستقبال بالجلسة الخاصة التي اختصصتم بها وفدنا، الذي يزور الفاتيكان للمرة الأولى، استجابة لرغبة قداستكم ولرغبة صاحب الجلالة الملك فيصل بن عبدالعزيز. وكم سرتنا إشارة قداستكم إلى التطور الحسن في العلاقات بين العالمين المسيحي والإسلامي إثر مجمع الفاتيكان الثاني. إن مملكتنا تسهر، ما استطاعت، على سلامة العقيدة الإسلامية وقيم الإسلام الخلقية والفقهية. إن تعلقنا بهذه القيم هو الذي حملنا على قبول دعوة الفاتيكان إلى إقامة ندوات مع كبار مسؤوليه حول حقوق الإنسان، كما يحملنا على المساهمة في حماية هذه الحقوق وتعزيزها. ذلك أن الإسلام يعتبر هذه الحقوق جزءاً من معتقداته ومبادئه الإنسانية". وجال الوفد السعودي بعد ذلك في روما، التي تجمع القديم القديم إلى الحديث الحديث، فهي مدينة أثرية ليس لها في العالم شبيه، بكثرة آثارها وتنوعها، وهي إلى ذلك مدينة حديثة، تجد فيها من روائع الفن الجديد والأشكال الهندسية المستحدثة. لكن مهمة الوفد السعودي لم تنته عند ذلك الحدّ، بل استمرت، ففي ما بعد في تشرين الأول 1974 عُقدت ندوة في مجلس الكنائس العالمي في جنيف تلبية لدعوة من مجلس الكنائس. تحدث فيها وزير العدل السعودي عن نظرة الإسلام إلى الإنسان وتطلعه إلى السلام في العالم. كما عاد الوفد العلمي السعودي إلى باريس مجدداً، وعُقدت الندوة الثانية مع رجال القانون المسيحي في فرنسا، وهم أعضاء جمعية الصداقة العربية السعودية - الفرنسية في تشرين الثاني نوفمبر 1974، وتحدث رئيس الوفد السعودي في الندوة عن مجمل حقوق الإنسان في الشريعة الإسلامية وتطبيقاتها في المملكة. أما الندوة الأخيرة للوفد العلمي السعودي، الذي انتقل نشاطه إلى"رابطة العالم الإسلامي"، فعُقدت في ستراسبورغ، وتحديداً في مركز حقوق الإنسان التابع للمجلس الأوروبي، في تشرين الثاني 1974، مختتماً اللقاءات الدينية مع الطائفة الكاثوليكية في العواصم الأوروبية. وتحدث الشيخ محمد الحركان في هذه الندوة الأخيرة عن"حقوق الإنسان ووحدة الأسرة البشرية في الإسلام". وأكد الشيخ الحركان في ندوته أن الإسلام يسير مع المجلس الأوروبي في وحدة أسرته شوطاً أبعد، من أجل وحدة الأسرة البشرية. وأن القاعدة القرآنية قد أنارت للإسلام طريق العمل نحو هذه الوحدة على أساس: أولاً: تحريم العدوان مطلقاً، سواء على حقوق الإنسان أو حقوق الشعوب. ثانياً: الأمر بالتعاون على ما فيه خير الإنسان وتقوى الله. ثالثاً: تحريم التعاون على الظلم والعدوان. وخلال انعقاد الندوة في كاتدرائية ستراسبورغ في مقر المجلس الأوروبي، حان موعد صلاة العصر، بحسب التوقيت المحلي، فطلب المطران إلشنجر راعي الكنيسة من علماء المملكة العربية السعودية تأدية الصلاة داخل هيكل الكنيسة. ووافق الوفد العلمي السعودي، وفُتحت حمامات الكنيسة ليتوضأ أعضاء الوفد. ولا تزال"رابطة العالم الإسلامي"تواصل جهود الوفد العلمي السعودي قبل عقود، وتقيم الندوات، وتشارك في المؤتمرات العالمية، من أجل بناء علاقة مبنية على"التعايش"والاحترام المتبادل بين الأديان.