ثقافة قمع - 2 ليس للطرف الذي يقع موقع المستقبل المذعن، في علاقته بالطرف المرسل الآمر، في ثقافة القمع، سوى قبول النواهي الهابطة إليه من قمة بنية هرمية، تبدأ من أقلية أو نخبة، أو صفوة سياسية، أو اجتماعية، أو دينية، تحلق حول زعيم أوحد في حالة السياسة، أو بطريرك أكبر العَوْد في حالة المجتمع، أو إمام معصوم أو شبه معصوم في حالة الدين الذي يغدو الإطار المرجعي الأعلى لكل شىء، وذلك في منحى يسقط البعد الرأسي للبنية الهرمية على البعد الأفقي، فيغدو التدرج الرأسي صورة أخرى من التجاور الأفقي الذي هو إياه في علاقات التراتب أو التجاور القسري الذي تتجسد به الثقافة وعلاقاتها المعرفية. وينتج من بنية هذه الثقافة أمران: أولهما دوران كل الدوائر حول المركز الذي تكون درجة القرب منه، أفقياً أو رأسياً، مصدراً للقيمة الموجبة التي تتولد عن الطاعة والتصديق اللذين ينتقلان، رأسياً وأفقياً، من الدوائر الأقرب إلى المركز، إلى ما يليهما، وما يلي ما يليهما. والأمر الثاني: هو العلاقة المرآوية التي يغدو بها الأدنى مرآة للأعلى رأسياً وأفقياً، وذلك على نحو ينعكس على كل المستويات التي تكرر ما يصدر عن المركز الرأسي أو الأفقي. والنتيجة هي غلبة الصوت الواحد الذي يترجع في كل المستويات ويتكرر في كل الدوائر، ولكن عبر علاقات طاردة للأصوات المغايرة أو المخالفة، تقاومها الأجهزة المناعية للبنية القمعية للثقافة بالإزاحة أو النبذ أو الاستئصال الذي يعيد للصوت الواحد القامع أحاديته، وللعلاقة بالمركز خاصيتها المرآوية التي يعكس فيها الأدنى الأعلى، والأبعد الأقرب. والنتيجة هي نوع من المحاكاة التي تتطابق وفعل التقليد، نافرة أو معادية لكل نقيض يؤدي إلى تعددية الأصوات أو تنوعها أو اختلافها. والاتِّباع والسلفية، فضلاً عن الإذعان والمحاكاة المرآوية، صفتان أساسيتان لكل مكونات بنية الثقافة القمعية رأسياً وأفقياً، وذلك في حركة الاتِّباع التي تتداخل ومعاني المحاكاة والتقليد، في امتدادها عبر الأزمنة والأمكنة، أو في حركتها التي تجعل أعينها في قفاها، في المجالات الدينية التي تتبادل والمجالات السياسية أو الاجتماعية المبادئ، فقدم الإسلام لا تثبت إلا على قنطرة التسليم، والشيطان مع الواحد، أو مع من يخالف الجماعة، ولا خروج على ولي الأمر وإن جار، فالمخالفة كالخروج بدعة مرفوضة، في سياق العلاقات التي تتردد فيها نواه أمرية تؤكد ضرورة الإجماع والطاعة والرضا بما هو قائم. والنتيجة الملازمة هي ما تعده الثقافة القمعية بمثابة"الشرع"الذي تستبدل معه المجموعة أو المجموعات الدينية بعذاب السجن للمعارضين في الحياة الدنيا اللعنة الأبدية في جحيمي الدنيا والآخرة، وذلك في المدى الذي يستبدل بالإخاء التربص، والمجادلة بالتي هي أقمع بالمجادلة بالتي هي أحسن. ونواتج هذه البنية في مجالات القراءة للأعمال الإبداعية عديدة، يمكن حصر أهمها فيما يلي: أولاً: القراءة الحرفية التي تعادي مبدأ التأويل، وترد كل رمز إلى أصل واحد جامد، ينفي معنى الرمزية، وينقض تعدد دلالاتها الفنية، فالبنية الثقافية وحيدة الاتجاه تعكس اتجاهها وتوجهها الأحادي على الأعمال الإبداعية، فلا ترى لكل عمل منها إلا معنى واحداً يقوم على إلغاء الرمزية، والتجاهل الكامل للطبيعة التخيلية. ولست في حاجة إلى القول إن الأعمال الإبداعية مجافية - بحكم طبيعة بنيتها القائمة على التعددية والبوليفينية والدرامية - لطبيعة البنية الثقافية ذات البعد القمعي الواحد. ثانيا: الإسراف في التسييس أو التديين بما يؤدي إما إلى تخوين الأعمال الإبداعية المخالفة للثقافة السائدة مدنياً، أو تكفيرها في حال الثقافة الدينية، وذلك من منظور إساءة الظن سلفاً بالأعمال الإبداعية والنظر إليها من منظور الاتهام الاستهلالي بدلاً من تطبيق مبدأ: المتهم بريء حتى تثبت إدانته. ويتبع ذلك المسارعة إلى تكفير ما يشتم منه خروج على القواعد الثابتة التي أكدتها الفرقة الناجية دينياً، وبدل إعمال قاعدة: إذا ورد عليكم قول يحتمل الكفر من تسعة وتسعين وجهاً، والإيمان من وجه واحد، حمل على الإيمان لا الكفر، تصبح القاعدة: إذا ورد عليكم عمل من قائل يحتمل الإيمان من تسعة وتسعين وجهاً، والكفر من وجه واحد، حمل على الكفر، فالشعراء يتّبعهم الغاوون على نحو مطلق، والروايات يكتبها معادون للإسلام في الأغلب الأعم، والمسرح تتصارع فيه عقول في مدى البدعة التي تفضي إلى الضلالة ومن ثم إلى النار، والأفلام معارض لفتنة الشيطان ودنس الغرائز، والرسم كالنحت منهي عنهما لمحاكاة الخالق التي تعني الكفر. ثالثاً: الحساسية الخاصة التي تكاد تكون مرضاً، أو تعبيراً عن كبت متأصل، إزاء حضور المرأة في الأعمال الإبداعية، إذ يقترن مبدأ"المرأة عورة"بمحرمات الجنس الملعون الطارد للمبدعين والمبدعات من جنة الإيمان. ويقترن بهذه الحساسية تحريم التعرض لموضوعات الجنس في الروايات على وجه الخصوص، أو الأعمال الإبداعية على وجه العموم. وبدل الاحتكام إلى وظيفة الجنس ودوره الفني في العمل الإبداعي، والنظرة الرحبة إليه بوصفه طبيعة بشرية لا تدعو إلى الخجل من ذكرها، أو تأثيم الكتابة عنها، يصبح الجنس محرّماً تابو يقترن بلعن الأعمال الإبداعية وتبرير عملية تكفيرها. وينسى هؤلاء"المكفراتية"، أو يتناسون، أننا لو صادرنا الجنس في الأعمال الإبداعية كلها، صادرنا الكثير من ذخائر التراث العربي الإسلامي وإبداعه الأدبي، ابتداء من كتابات الجاحظ وليس انتهاء بكتابات التوحيدي، فضلاً عن كتابات الإمام السيوطي التي لا أجرؤ على ذكر عناوينها. وهي كتابات كانت تتجه إلى الخاصة والعامة، ولم يكن القدماء يؤثمونها أو يتأثمون من تأليفها أو الإشارة إلى بعضها. ولذلك خاطب ابن قتيبة في تقديمة كتابه"عيون الأخبار"القارئ بقوله: "إذا مر بك حديث فيه إفصاح بذكر عورة أو فرج أو وصف فاحشة، فلا يحملنك الخشوع أو التخاشع على أن تعرض بوجهك، فإن أسماء الأعضاء لا تؤثم، وإنما المأثم في شتم الأعراض وقول الزور والكذب وأكل لحوم الناس بالغيب". وما ينطبق على الجنس ينطبق على لوازمه: الخمور والحشيش وغيرهما من الأشباه المحرّم ذكرها في الأعمال الأدبية. رابعاً: انتزاع بعض الجمل من سياقاتها، على طريقة السكوت بعد"ولا تقربوا الصلاة"، وتعميم المعنى المقتطع المبتسر على الرواية كلها، بل إعادة قراءتها في ضوء الجمل المبتسرة بما ينقلها من حال الإيمان إلى حال الكفر. وتنتقل تقنية الاقتطاع والابتسار من العمل الواحد إلى مجموع أعمال المبدع كلها. خامسا: تقترن القراءة الحرفية بالتأويل المغرض الذي يلوي الوقائع الأدبية وينطقها ما لم تقله، تعميماً للاتهام الذي يُحيل الحكم على الجزء إلى حكم على الكل. ولا ينفصل عن ذلك تجاهل كل الشخصيات والمواقف والأحداث التي تتناقض والتأويل المغرض، ومن ثم إقامة تطابق تخييلي في الأغلب الأعم، ما بين أقوال الشخصيات وأفعالها في النص الخيالي وأقوال الكاتب المؤلف وأفعاله في الواقع الفعلي. وكرر النقاد مئات المرات أن الشخصيات المبتدعة في الروايات أو المسرحيات ليست هي المؤلف، وأن اسم رفاعة أو قاسم أو عرفة هي مجرد أسماء لا تدل إلا على أبطال خياليين، في"أولاد حارتنا"الرواية، ولا تطابق بينهم والواقع التاريخي أو الديني، ولا يجب فهم هذه الشخصيات وأفعالها إلا في هذه الحدود، وإلا كنا نقرأ كتاباً من كتب الدين أو التاريخ وليس رواية، التخييل فيها يغلب التحقيق، ومجازيتها تنفي إمكان المقارنة بينها وغيرها خارج صفحات الرواية. سادسا: أن كل قراءة نصية لكل عمل مفرد، تتم في المدى الفاعل لعلاقات بنية الثقافة القمعية، فهي عملية قراءة صغرى، تقع في دائرة بنية كبرى متجاوبة الأبعاد السياسية والاجتماعية والاعتقادية، وذلك على نحو يفرض هيمنة علاقات البنية الكبرى وتجاوباتها التي لا تخلو من آليات القمع نفسها في فعل من تبادل التأثر والتأثير في كل المستويات العلائقية التي تفرض نزوعها التكفيري أو التخويني، أو الإقصائي الاستئصالي. ولم يكن من قبيل المصادفة - والأمر كذلك - أن لا تتباعد القراءات التكفيرية لأولاد حارتنا عن المناخ الاستبدادي السائد سياسياً في قمعه الاختلاف واستئصاله المغايرة من أجل الإبقاء على الصوت الواحد الذي هو صوته. ويؤكد التاريخ وثاقة العلاقة بين التكفير الديني لحريات الفكر والإبداع وشيوع الفساد السياسي، وانتشار السلبيات الممكنة في الدولة التسلطية، وذلك منذ أيام الخليفة المتوكل الذي نصر الحنابلة على المعتزلة، في مسألة اعتقادية ليس لها علاقة بالسياسة إلا من منطق أن الملك بالدين يبقى ويقوى. ولذلك فكلما تصاعد الفساد السياسي في الدولة التسلطية، مقترناً بالأزمات الاقتصادية والتراجع الاجتماعي، والتحالف مع المنتفعين من رجال الدين، شاعت آليات القراءة التكفيرية للأعمال الإبداعية والفكرية. والنتيجة هي الوضع المحاصر للمبدع بين سندان الدولة التسلطية ومطرقة جماعات التكفير، وذلك في عالم تغيب عنه الحرية بكل معانيها ومجالاتها. سابعاً: لا تنطوي كل قراءة تكفيرية للأعمال الإبداعية على لوازم البنية الثقافية القمعية فحسب، بل على لازمة بالغة الدلالة من لوازم هذه البنية، وهي إساءة الظن بالإنسان الذي ينطوي في داخله على جرثومة الضعف التي تتغذى بالنفس اللوامة التي يناوشها الشيطان والغواية من كل جانب- وضعف هذا الإنسان المجبور على الضعف والسقوط يوجب عليه الوصاية الدائمة ومحاصرته بالنواهي التي تبعده عن شراك الخطيئة، ومنها قراءة الأعمال الأدبية أو الفكرية التي قد يغريه كفرها. والنتيجة أنه بدل الثقة في هذا الإنسان الذي كرمه الله واستخلفه في أرضه، ومنحه العقل ليمايز بين الخطأ والصواب، وإلا ما كان هناك معنى للثواب والعقاب. هذا الإنسان الذي كرّمه الله تحقِّر من شأنه الثقافة القمعية، وتراه قاصراً عاجزاً عن التمييز العقلي الذاتي بين الحسن والقبيح في الحياة الدنيا على وجه العموم، وفي دائرة الأعمال الإبداعية والفكرية على وجه الخصوص. ولا سبيل إلى ترك هذا الكائن الضعيف المحاصر بسوء الظن والمنطوي على جرثومة الخطيئة لأن يختار لنفسه من أعمال الإبداع الفني أو الفكري، أو يتلقاها بنفسه، أو يضعها موضع المساءلة العقلية النقدية، فهو غير قادر على ذلك كله، والأصلح له محاصرته بالنواهي التي تبعده عن مهالك الآثام التي يمكن أن تقوده إليها الأعمال المحاصرة، بدورها، بسوء الظن المسبق والاتهامات التكفيرية التي تنسرب في علاقات البنية الثقافية الكبرى. وبالطبع لا يؤمن أصحاب هذا النوع من الوصاية ودعاتها أن الاسلام، وكل دين سماوي، أقوى عند أهله وأرسخ من أن تزعزعه رواية مهماً كانت درجة إلحاد منظورها، على افتراض أن هذا ممكن، أو أنه ممكن جدلاً في حالة"أولاد حارتنا"التي ليست من هذا الصنف فيما يقره العقل- ولا يمكن أن يقع قارئ عاقل، يقظ، منتبهة ملكاته النقدية، في شرك كتاب يضله. ولذلك كان المعتزلة، قديماً، يعتمدون على قدرة العقل النقدي للمسلم الذي لا بد من أن يعمل عقله، على أساس من مبدأ التحسين والتقبيح العقليين، منذ أن يجاوز مرحلة الطفولة. وظل إعمال العقل نوعاً من الفريضة الواجبة على كل مسلم بالغ، ولولا ذلك ما كتب العقاد كتابه الدال"التفكير فريضة إسلامية"، وكما اقترن إعمال العقل بالثقة بالإنسان والإيمان بقدرته الذاتية على الحكم، ارتبط ناتج هذا الإيمان بالاطمئنان إلى عقل القارئ المسلم، وغير المسلم، في تمييز قبيح الأعمال الإبداعية والفكرية من حسنها، أو العكس، بعيدا عن سلطة رجال الدين، أو وصايتهم، أو سعيهم إلى أن يكونوا سلطة توازي في قمعها تسلطية الدولة القمعية. ولذلك نفى الإمام محمد عبده معنى السلطة عن الإسلام، وتذوق الفنون، واحتفل مع المحتفلين بترجمة الإلياذة القائمة على أساطير اليونان سنة 1904، وتحدث عن جمال النحت والتماثيل وأثرها الجمالي - الروحي في النفوس، وقارن بين الشعر والرسم، فجعل الأول رسماً ناطقاً، والثاني شعراً صامتاً.