هشاشة الوضع في جنوبلبنان لا تحتاج الى ايراد ادلة. تيري رود-لارسن يشير الى فراغ لمدة شهرين او اكثر ويعترف ان المفاجآت واردة. جورج بوش يتحدث عن قرار ثان لمجلس الأمن وهاجسه نزع سلاح"حزب الله". الدول المدعوة للمشاركة في ال"يونيفيل"المعززة تتخوف من غموض النصوص وحدود التفويض. اسرائيل تحاول استخلاص العبر ولا تتردد في الحديث عن جولة ثانية محتملة. في السراي الكبير يتنقل الرئيس فؤاد السنيورة بين هذه التعقيدات محاولاً بلورة ارادة وطنية جامعة حول ما يعتبره مصلحة لبنان. يدرك سلفا ان المشهد الاقليمي بالغ التعقيد. الازمة الايرانية - الاميركية تتجه نحو استحقاقات حاسمة. العلاقات اللبنانية - السورية شهدت جولة جديدة من التصعيد. أين مصلحة لبنان في هذا الخضم من التعقيدات والمبارزات؟ لا مصلحة للبنان في جولة جديدة من المواجهة. واضح ان اسرائيل لا تستطيع قتل"حزب الله"مهما وسّعت غاراتها او اجتياحاتها، لكن الواضح ايضاً انها قد تتجه الى قتل لبنان لإغراق"حزب الله"في الركام اللبناني. وبعد انتشار الجيش اللبناني في الجنوب من حق اي لبناني ان يشعر بالقلق من اي جولة جديدة يمكن ان تؤدي الى قصم ظهر الجيش والبلد معا. وهذا يعني ببساطة ان للبنان مصلحة في الاحتماء من النزعة العدوانية الاسرائيلية عن طرق الانضواء تحت المظلة الدولية، حتى وان وجد اجحافاً في بعض بنود قراراتها. وهذا يعني على الصعيد العملي ان تضع المقاومة ملفي الأسرى ومزارع شبعا في عهدة الحكومة وان تمتنع عن اي خطوة يمكن ان تستغلها اسرائيل لاطلاق جولة تدمير جديدة ضد لبنان. للبنان مصلحة فعلية في ان تقوم بينه وبين سورية علاقات تعاون وثيقة ودائمة. الشرط الذي لا مفر منه لقيام علاقات مفيدة ومستقرة هو ان ترتكز هذه العلاقات على ما يفترض ان تنطلق منه أي علاقة ندية بين دولتين مستقلتين. اي المصالح المتبادلة واحترام الحدود الدولية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والابتعاد عن سياسة امتلاك أوراق داخل اراضي الدولة الاخرى. المطلوب بناء علاقات بين دولتين واعتبار كل ما يتعلق بخيارات سورية الداخلية والخارجية شأناً سورياً لا حق للبنان في التدخل فيه ولا مصلحة له في ذلك. وهذا الامر ينطبق على البلدين معا. ان العلاقات التي قامت بين دمشق وبيروت في العقود الثلاثة الماضية لم تعد صالحة او ممكنة ولا بد من اعادة بنائها على قاعدة حسن الجوار وتبادل المصالح بين دولتين مستقلتين تحترم كل واحدة منهما خيارات الاخرى وحقها في صناعة قراراتها وبلورة سياساتها من دون ضغط او تدخل. لا مصلحة للبنان في اي انزلاق الى سياسات المحاور. للبنان مصلحة فعلية في علاقات عربية واسعة خصوصاً مع الدول التي كانت تسارع الى مساعدته في الشدائد وفي طليعتها المملكة العربية السعودية التي رعت اتفاق الطائف ولم تبخل على لبنان بأي دعم ممكن وهو ما اكدته في المحنة الأخيرة. يصدق هذا الكلام ايضاً على العلاقة مع مصر ودول عربية اخرى. للبنان مصلحة في علاقات طبيعية مع ايران لأكثر من سبب. من حقه ان يتطلع الى علاقات تعاون وتبادل معها لكن لا مصلحة للبنان في ان يكون مسرحاً لمبارزة ايرانية - اميركية أو ان يدفع ثمن انفجارات الملف النووي الايراني. للبنان مصلحة في ترسيخ علاقاته بالدول الكبرى. لا مصلحة له في الانضواء في مشاريعها للمنطقة ولا مصلحة له ايضاً في ان تستخدم ارضه لاحباط هذه المشاريع. ويتحتم على لبنان ان يحافظ على رصيده الاوروبي وان يحاول دائما تحسين علاقاته بالقوة العظمى الوحيدة في العالم من دون الوقوع في الاوهام أو التطوع للعب ادوار تفوق قدرته على الاحتمال. ان قدرة لبنان على مواجهة المرحلة الصعبة التي يجتازها مرهونة بقدرة حكومته على توفير اجماع أو شبه اجماع حول تصور موحد لمصالحه الوطنية الحقيقية. وهي تبدأ باستعادة أرضه وبناء دولته التي تدافع عن مصالحه وسيادته وتمنع تحوله كل عقد الى ساحة للمبارزات الاقليمية. لذلك فان السؤال الوحيد الذي يجب ان يطرح في لبنان لدى مناقشة أي ملف هو: أين مصلحة لبنان؟