يميّز علم الاقتصاد بين السلع العامة، والخاصة، سواء كانت بضائع أو خدمات، ويميّز المجتمع بين أسلوب التعامل الأخلاقي مع كلّ منهما. السلع الخاصة هي التي يتنافس في إنتاجها عدد كثير أو قليل من المنتجين، تلبية لطلب عدد كثير أو قليل من المستهلكين الخواص، أي أفراد من المستهلكين النهائيين، أو منشآت إنتاجية تستخدم السلعة كمدخلات لإنتاجها، على أن يخصص المشترون طاقتهم الشرائية للإنفاق بما يكفي لتغطية"التكاليف الخاصة"التي يقتضيها إنتاج تلك السلع. والحافز على هذا الإنفاق هو"المنفعة الخاصة"التي يجنيها المستهلك من استهلاكه أو حيازته لتلك السلع. ويثابر المستهلك الراشد على شراء السلعة، ما دام انتفاعه الحدي بها معادلاً أو زائداً على سعرها الذي يعكس بدوره الكلفة الحدية لإنتاجها. ويكون"الطلب الخاص"على السلعة الخاصة هو المجموع البسيط لطلب المستهلكين الخواص، وفقاً لتلك القاعدة: أي تساوي المنفعة الحدية للمستهلكين المباشرين لتلك السلعة مع التكاليف الحدية للمنتجين المباشرين لها. أما"السلعة العامة"، فهي التي يحتاجها المجتمع ككل، أو تحتاجها هيئات أو تكوينات اجتماعية كبيرة، لكن كلفة إنتاجها أكبر من القدرة الشرائية للأفراد. فلا يكفي الطلب الفردي لحفز أي منتج على إنتاجها. كما يصعب أو يستحيل اجتماع عدد كاف من الأفراد على توحيد قدراتهم الشرائية لتغطية كلفة إنتاجها، ولذلك لا يحصل إنتاجها أو توريدها إلا إذا تكفّل بذلك المجتمع ككل أو إحدى التكوينات الاجتماعية الكبيرة الحكومة المركزية، الحكومة المحلية، المجلس البلدي. وبمجرد إنتاجها، فإن طبيعتها"العامة"تجعل الانتفاع بها متاحاً تلقائياً للجميع، وغير منحصر بالأفراد حتى لو قاموا أو ساهموا بتغطية تكاليف إنتاجها، بل تعمّ منفعتها على المجتمع كاملاً، ما يجعل معظم الناس يستنكفون عن المساهمة الطوعية في تكاليف إنتاجها، مفضلين"الركوب بالمجّان!". والأمثلة على السلع العامة كثيرة، أهمها الخدمات الحكومية، كالإدارة العامة والدفاع الوطني والأمن العام، والتربية والتعليم، والخدمات الصحية، والبنى التحتية والمرافق العامة في أي اقتصاد، كالطرق والاتصالات والطاقة الكهربائية وإسالة المياه والصرف الصحي. لهذا السبب، أنيط إنتاج الخدمات العامة وبناء المرافق العامة والبنى التحتية بمؤسسات الدولة. وحين تطلّبت طبيعتها أن تكون احتكاراً، أنيط هذا الاحتكار بالدولة أو مؤسساتها العامة، حتى تراعى في إدارته وفي تسعير منتجاته المصلحة العامة تحديداً. وحتى في الدول التي أخذت بخصخصة بعض المرافق العامة، وارتأت أن تعهد للقطاع الخاص بإنتاج أو بإدارة بعض تلك المرافق، اقترن ذلك بالحرص الشديد على أن تنشئ الدولة هيئات للتنظيم والرقابة على سلوك القطاع الخاص في ما فوّض إليه من تلك المرافق بحيث يسود جوّ المنافسة في أسواق تلك المرافق، قدر الإمكان، وبحيث تُسعّر الخدمات المنتجة بما يتناسب مع تكاليفها الفعلية، ويمنع نشوء ريع احتكاري ينتفع منه المنتج في القطاع الخاص بلا مبرر. والنشاط الرياضي، ممثلاً على وجه الخصوص بنشاط الأندية الرياضية، هو بكل المقاييس"سلعة عامة"غايتها الارتقاء بالكفاءات والمهارات الرياضية وإشاعة ثقافة الرياضة وروح الفريق بين الشباب وفي المجتمع ككل، ولا يجوز لأي مجتمع أن يسمح بجعلها مصدر ارتزاق أو انتفاع لمصالح شخصية، أو أن يسمح بنشوء ريع احتكاري نتيجة امتياز من شأنه أن يقيّد أو يحصر مجال الانتفاع بها. ومباريات"كأس العالم"كانت منذ نشأتها عبر العقود والألفيات، مصدر المتعة الشعبية للأغنياء والفقراء على السواء. ولم يضعف ذلك من الوضع المادي للأندية الرياضية، بل على العكس، كانت الإذاعة المسموعة والمرئية للمباريات جاذباً كبيراً للشركات العالمية لدفع المبالغ الطائلة، لقاء"رعاية"المباريات والإفادة من المجال الإعلامي والدعائي الذي يتيحه الإقبال الجماهيري على مشاهدتها. فأن تأتي في آخر الزمن إدارة مباريات"كأس العالم"الفيفا وتوجد وضعاً يكرّس الاحتكار ويسيء الاستغلال ويقوم بإقصاء الجماهير، خصوصاً الجماهير الفقيرة في دول العالم الثالث، حاجباً عنها الانتفاع بسلعة عالمية عامة، لهو مؤشر لفساد نسقي وعام في"الفيفا"، دونه في الخطورة الفساد الفردي الذي طاول في الماضي بعض مسؤولي"الفيفا"، فضلاً عن كونه من الممارسات القبيحة التي أعطت العولمة وجهها البشع وسمعتها السيئة. ولا يجاري الممارسات الاحتكارية العالمية لپ"الفيفا"إلا الممارسات الاحتكارية في المنطقة العربية. فالشركة العربية التي اشترت الامتياز الاحتكاري لإذاعة المباريات، تبيع الرخصة الفردية لرؤية المباريات في الأردن مثلاً بثلاثمئة دولار. في حين أن الشركة الإسرائيلية التي اشترت هذا الامتياز في إسرائيل، تبيع هذه الرخصة بما لا يزيد على ستين دولاراً، مع ملاحظة الفارق في متوسط دخل الفرد بين الأردن وإسرائيل، ومع ملاحظة ان البرلمان الاسرائيلي أجبر الشركة على الاكتفاء بهذا الرسم القليل نسبياً. ختاماً، ليس لنا إلا أن نستذكر قوله تعالى:"ظهر الفساد في البرّ والبحر بما كسبت أيدي الناس". صدق الله العظيم. * عضو مجلس الأمناء ومجلس الإدارة في المنظمة العربية لمكافحة الفساد.