ليدار للاستثمار تختتم مشاركتها في مكة بيلدكس 2026 بإقبال لافت على مشروع دار مكة    إيران: تدمير عدة "طائرات معادية" خلال مهمة إنقاذ طيار أمريكي    السعودية تدين أعمال الشغب والاعتداءات على مقر السفارة الإماراتية ومقر إقامة رئيس بعثتها في دمشق    بلدية بيشة تنفّذ أكثر من 3,300 جولة رقابية خلال الربع الأول لتعزيز الامتثال ورفع جودة الحياة    الشارع اليمني يندد باعتداءات إيران على الخليج    تصعيد أمريكي شامل وانقسام إيراني حاد    السعودية تسجل إنجازًا تاريخيًّا بإطلاق القمر الصناعي "شمس" ضمن مهمة "آرتميس 2" التاريخية    إصابة فلسطيني واعتقال ثلاثة آخرين من قوات الاحتلال بالضفة الغربية    مرونة الاقتصاد الوطني وأسعار النفط تحافظان على جاذبية المناخ الاستثماري وتجاوز التوترات    من قلب العواصف.. وُلدت قوة المملكة    نائب أمير الشرقية يطّلع على تقرير "أمناء للتنمية الحضرية"    هدوء الذهب مع إغلاق «الجمعة العظيمة» والأسعار تتجه إلى 5000 دولار    المملكة تدين استهداف «الدعم السريع» لمستشفى الجبلين في السودان    القيادة تهنئ رئيس السنغال بذكرى يوم الاستقلال لبلاده    توافد عدد كبير من المعزين في وفاة معالي الدكتور رضا عبيد    خادم الحرمين يأمر بترقية وتعيين 218 قاضياً في وزارة العدل    «العوامية» تلبس الأخضر.. إبداع يحوّل النفايات الزراعية لتحف فنية    أمانة الباحة.. مستشعرات ذكية للطوارئ    ناصر بن جلوي يشيد بالإنجازات الدولية لجامعة جازان    90 دولة تستعرض ثقافتها بالجامعة الإسلامية    إمام المسجد النبوي: الدعاء يُحقق الحاجات ويرفع الدرجات    خطيب المسجد الحرام: احذروا حبائل الشيطان    «أمانة مكة» تحصد جائزة رفع الوعي لدى المعتمرين    «طبية مكة» تطلق عيادة متخصصة للموجات فوق الصوتية    ارتفاع زيارات مراكز تجمع «مكة الصحي»    مستشفى ولادة بريدة يحصل على «GMP»    فرص للاستثمارات التعليمية البريطانية في المملكة    جولات ميدانية لمكافحة التستر    تكريم أكاديمية التعلم    «زاتكا»: 748 حالة تهريب ممنوعات بالمنافذ    120 ألف يورو غرامة تجاوز السرعة في فنلندا    إحالة 23815 مخالفاً لبعثاتهم الدبلوماسية.. ضبط 14.2 ألف مخالف وترحيل 6 آلاف    رئيسة وزراء جمهورية إيطاليا تغادر جدة    23,8 ألف وجبة غذائية للأكثر احتياجاً في غزة.. وصول الطائرة السعودية ال 83 إلى العريش لإغاثة الفلسطينيين    انطلاق المؤتمر الدولي للفنون والتصاميم 10 الجاري    أكد أنها تعزز ارتباط الأجيال بكتاب الله.. سفير المملكة لدى تنزانيا: «الجائزة الدولية» تجسد دعم السعودية لحفظة القرآن بالعالم    مهرجان أفلام السعودية ينطلق في يونيو المقبل    رئيسة وزراء إيطاليا تصل إلى جدة    نيوم يعبر الفيحاء بصعوبة    الهلال يُحقق لقب كأس النخبة للكرة الطائرة 2026    «إرشاد الحافلات» يستقطب الكفاءات لموسم الحج    أبو مكة يقود القادسية للتتويج بالدوري السعودي الإلكتروني للمحترفين    قبل المدرب.. من نحن؟    استعرضا العلاقات الثنائية وناقشا تداعيات التصعيد العسكري.. ولي العهد ورئيسة وزراء إيطاليا يبحثان المستجدات الإقليمية    حيلة بسيطة لخفض ضغط الدم    ساوثهامبتون يهزم أرسنال ويقصيه من كأس الاتحاد الإنجليزي    برشلونة يقهر أتلتيكو مدريد في معقله ويوسع الفارق مع ريال مدريد إلى 7 نقاط    6375 يتلقون خدمات الرعاية في التأهيل الشامل    علامات التوحد عند البالغين    مهرجان الفنون التقليدية يعزز الهوية الوطنية    تعادل مثير يحكم مواجهة الهلال والتعاون.. وصراع الصدارة يشتعل في دوري روشن    جهود حكومية لتعزيز تربية النحل بعسير    مدارس الهيئة الملكية بالجبيل تحقق المركز الثاني في تحدي الروبوت الوطني    رئيسة وزراء جمهورية إيطاليا تغادر جدة    المدينة المنورة تستضيف المؤتمر الدولي الثالث للفنون والتصاميم    خطبة الجمعة من المسجد الحرام    إمارة نجران تنظم ورشة عمل لاستراتيجيتها    رئيس مركز قوز الجعافرة يكرّم الزميل منصور الجعفري    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



سنة إبسن : أسطورة المسرح العالمي
نشر في الحياة يوم 02 - 03 - 2010

هذه السنة تمر مئة سنة على رحيل المسرحي هنريك إبسن المتوفى عام 1906، بهذه المناسبة أعلنت النروج هذا العام عام إبسن. ستصدر كتب جديدة وتعرض أفلام ومسرحيات وتقام مهرجانات وتنظم ندوات في النروج وفي أماكن من العالم من مصر وإيران وصولاً إلى الصين وسنغافورة. إحدى مسرحياته ستعرض عند الأهرامات المصرية في الجيزة.
صاغت مسرحيات إبسن الرؤية الأخلاقية والاجتماعية للكثير من الناس وساهمت في خلخلة القناعات الراسخة والسلوكيات المتوارثة في ما يتعلق بعلاقة الأفراد بالمجتمع وعلاقتهم بعضهم ببعض. كان إبسن هدم الرؤية الرومانسية الساذجة وصفى الواقعية الاجتماعية وصعد بالمسرح إلى ذروة شاهقة من السمو والأبهة. وفي وجدان الكثيرين ما برحت تتردد أصداء كلمات أبطاله في"عدو الشعب"وپ"بيت الدمية"وپ"أعمدة المجتمع"وپ"الأشباح"وپ"بيير جينت"وسواها. لا يمكن التفوه بكلمة المسرح من دون التفكير فوراً بهنريك إبسن. إنه أسطورة المسرح العالمي. لقد استطاع أن يعيد ترميم أساليب الكتابة المسرحية لدى أسلافه وبخاصة في بناء المسرحية المتقنة الصنع من حيث الاحتفاظ بعنصري التشويق والمفاجأة وغيرهما من العناصر التي تشد المشاهد الى ما يحدث على خشبة المسرح.
واستطاع إبسن بالفعل أن يستفيد من الميراث المسرحي الدرامي كله منذ سوفوكليس في القرن الخامس قبل الميلاد وهو ابتكر لنفسه أسلوباً درامياً متميزاً حيث تتوالى الأحداث من الماضي لتبدأ في العودة إلى الحاضر وتنسج النهاية المأسوية لأبطال المسرحية.
اتسمت نظرة إبسن الى الحياة بالعمق والشمول وعُرف مسرحه بدقة المعمار والكثافة والسرد الشاعري الدقيق. وإذا كانت مسرحياته نادراً ما تأخذ الشكل التراجيدي، إلا إنها عموماً تغوص في القاع المأسوي للشخصيات.
كتب إبسن أولى مسرحياته"كاتالينا"عام 1850 وجاءت في ميلودراما حافلة بالإمكانات التي لم يرها معاصروه. وفي عام 1851 عمل إبسن مساعداً في مسرح بيرجين ثم سافر إلى الدنمارك وألمانيا لدراسة التكنيك المسرحي. وفي عام 1854 كتب مسرحية"السيدة إنجر من ستوارت"، وتجري أحداثها في العصور الوسطى في النروج. وفي عام 1855 كتب مسرحية تتناول موضوعاً من العصور الوسطى بطريقة رومانسية شاعرية مملوءة بالحديث عن أمجاد النروج السابقة وقد حققت قدراً من النجاح.
في عام 1862 أفلس مسرح بيرجين وأصبح إبسن مديراً فنياً للمسرح النروجي في مدينة أوسلو، وفي العام نفسه قدم له المسرح مسرحية شعرية ساخرة تظهر الجانب الآخر من فنه. قوبلت المسرحية ببعض العداء ولكنها نجحت في لفت الأنظار إلى إبسن. وفي العام نفسه حصل إبسن على منحة مكنته من زيارة إيطاليا وألمانيا. وبعد ظهور مسرحيته"براند"عام 1860 تلقى معاشاً ثابتاً من الدولة أمن له مستقبله.
ورغم أن إبسن قضى بقية أيامه في الخارج، إلا أنه لم يفقد اهتمامه أبداً بالسياسة النروجية ولم ينس للحظة واحدة أنه نروجي. كان يعيش في روما حين كتب مسرحيته"براند"، تلك المسرحية التي نرى فيها للمرة الأولى قوته المميزة وجديته وبحثه عن الدوافع الكامنة وراء الأفعال. وفيها يتضح أيضاً منهجه الذي يظهر في مسرحياته المقبلة ويقوم على الإيحاء بطبيعة الحقيقة ضمنياً وبطريقة غير مباشرة عن طريق أسئلة لا يجيب عنها. أما مسرحية"بيرغنت"فهي بمثابة دراسة كلية للشخصية النروجية وتتسم بالمرح والبهجة.
لم يكتب إبسن مسرحيات شعرية بعد"بيرغنت". وفي عام 1869 انتهى من كتابة"فورة الشباب"وهي مسرحية ساخرة تدور حول موضوع طالما عالجه بلا كلل، هو الزيف والخداع. وفي العام نفسه بدأ عمله الكبير في مسرحية"ملك الجليل"وانتهى من كتابتها في 1873. وهي تتناول الصراع بين المسيحية والوثنية في الأيام الأولى للمسيحية في أوروبا في عصر الإمبراطور جوليان.
ولعل أهم ما يتميز به إبسن بين معاصريه هو انعطافه الواضح نحو الواقعية، ذلك الانعطاف الذي أعطى الشكل المسرحي الذي ورثه عن أسلافه وعياً بالمضامين الاجتماعية الجديدة التي صبها أبسن في هذا القالب. لقد تحول المسرح على يدي إبسن من مكان لتزجية الوقت ومشاهدة القصص المثالية والعاطفية إلى مكان يعرض قضايا واقعية وخطيرة يعانيها المجتمع الأوروبي. وهو طرق أيضاً قضايا فكرية إنسانية خالدة ستظل تشغل الإنسان عبر العصور مثل الفارق بين الواقع والحقيقة أو الصراع بين الواقع والمثال، وقضية النفاق الاجتماعي وغيرها من القضايا التي تثيرها أعمال إبسن المسرحية في عمومها.
وكتب إبسن مجموعة من المسرحيات التي أثارت ضجة لطبيعة سلوك أبطالها مثل"براند"على اسم بطلها الذي رسم حياته على مثالية جائرة وأدارها على مبدأ:"اما أن تحصل على كل شيء أو لا شيء". وخسر براند كل شيء. خسر مجتمعه وأسرته ونفسه. وحتى لا يتهم ابسن بموقف معين، فقد استن سنة تجعل كل مسرحية تالية تخالف تلك التي سبقتها فجاءت شخصية بطل مسرحية"بيرغنت"مناقضة تماماً لشخصية براند وهو يمثل نموذجاً اجتماعياً مناقضاً تقريباً.
ولكن أهم مسرحيات ابسن التي حددت ملامح وجهه الواقعي وأعطته تميزاً فنياً وفكرياً هي تلك المسرحيات التي كتبها في الفترة ما بين 1877 - 1890 وهي مسرحيات:"أعمدة المجتمع"وپ"بيت الدمية"وپ"الأشباح"وپ"عدو الشعب".
وپ"البطة البرية"وپ"هيدا جابلر". وكانت كل مسرحية من هذه المسرحيات عبارة عن قنبلة موقوتة تُفجّر في المجتمع قضية أو تثير معركة. فقد أثارت مسرحية"بيت الدمية"1879 حفيظة الرجل الأوروبي في ذلك الوقت ورمى المشاهدون الممثلين بالطماطم الفاسد أثناء أحد العروض، لأن المسرحية تعرضت - ربما للمرة الأولى - بصورة جادة لمكانة المرأة في المجتمع الأوروبي، ومزق إبسن القناع عن حياة زوجية عاشت فيها الزوجة كلعبة في البيت أكثر منها شريكة لزوجها وذلك عندما تكتشف"نورا"خديعتها في زوجها وتجد أن ما كانت تعتبره سعادة كان وهماً. وقد أثارت هذه المسرحية جدلاً كبيراً واستغلتها الحركات النسائية المتطرفة في العصر الحديث أسوأ استغلال في تفسير المسرحية بعيداً من مقاصد ابسن الحقيقية، ولا تزال المسرحية تثير جدلاً بين النقاد المحدثين.
وعلى العكس من"بيت الدمية"جاءت مسرحية"الأشباح"1887 لتصور قصة امرأة تصبر على فساد زوجها حفاظاً على سمعة العائلة والمركز الاجتماعي وتضحي بسعادتها الشخصية في سبيل ذلك، وعندما يموت الزوج تتبرع بأمواله لبناء ملجأ للأيتام تخليداً لذكراه أمام الناس وإبعاداً لأمواله من يدها في حقيقة الأمر. وقد أثارت هذه المسرحية ضجة كبيرة ضد إبسن ومنعت من العرض في عدد من البلدان الأوروبية، وذلك لتعرضها الصريح لقضية الأمراض الاجتماعية والجنسية التي يعانيها المجتمع الأوروبي، وتعتبر هذه المسرحية خير مثال على أثر المذهب الطبيعي ونظرياته في مسرح إبسن.
أما في مسرحيتي"عدو الشعب"1882 وپ"البطة البرية"1884، فإن إبسن يمزق الأقنعة عن وجه النفاق والسعي المتطرف في المثالية والعواقب الوخيمة التي تجرها أساليب قصيري النظر الذين يريدون إصلاح ما أفسدوه في هذه الدنيا بأيديهم. ففي"عدو الشعب"يكتشف الدكتور استوكمان المشرف الطبي على حمامات البلدية الصحية - التي اكتسبت منها المدينة ثروتها وشهرتها - أن هذه الحمامات قد تلوثت ولم تعد تصلح للاستعمال، فيقترح عليه - أخوه - رئيس البلدية ألاّ يذيع هذا الخبر على الناس وأن تعالج المشكلة داخلياً. لكن الدكتور استوكمان يصر على نشر اكتشافه وإشاعة الخبر في المجتمع لحد القول"إن هؤلاء الذين يريدون أن يعيش المجتمع في أكذوبة، يجب سحقهم كما تسحق الحشرات". وأمام هذا العناد والتعسف في معالجة الحقيقة المرّة يؤلب رجال البلدية الناس عليه فيرمونه بالحجارة ويوصمونه بعدو الشعب، فلا يملك إلا أن يقول:"إن أقوى رجل في العالم هو ذلك الذي يقف دائماً وحيداً". وهكذا تحولت المواجهة بينه وبين الشعب بدلاً من أن تكون لأجل الشعب بسبب سوء معالجته للطريقة التي يكشف بها الحقيقة.
وفي مسرحية"البطة البرية"تقود المثالية العمياء جريجرز إلى تدمير حياة هلمر صديق صباه، وذلك حين يعود جريجرز بعد غياب طويل ليكتشف أن السعادة العائلية التي يعيش فيها هلمر قائمة على وهم. فزوجة هلمر - التي يعتقد هلمر أنها طاهرة الذيل - كانت على علاقة غير مشروعة بإيرل والد جريجرز أثناء خدمتها له، وأن ابنتهما الوحيدة هي في الحقيقة ابنة إيرل، لأن الأخير قام بتزويجها لهلمر الشاب الفقير وهي حامل وأن والد هلمر نفسه، إكدال، الذي كان في يوم ما شريكاً لإيرل في مصانع الخشب ويعمل الآن ذليلاً في مكتب إيرل بعد أن ألبسه الأخير تهمة أدخلته السجن يعيش الآن على المرتب الذي يدفعه له إيرل وليس من إيراد ابنه وأن المهنة التي يمارسها هلمر وهي مهنة التصوير كانت بإعانة وتوجيه من إيرل نفسه، وقد أدى هذا بهلمر الى أن يعيش في وهم كبير، هو الاعتقاد أنه سيقوم باختراع كبير في عالم التصوير.
تنهار هذه الأحلام حين يواجه جريجرز صديقه هلمر بهذه الحقائق، معتقداً أنه يخدمه فيكتشف هلمر أنه يعيش في بيت من الأوهام وأن لا شيء في بيته ينتمي إليه، حتى ابنته التي تنتحر من هول المفاجأة فتحترق أحلام الأسرة السعيدة.
وقد عبرت شخصية الطبيب رلنج الذي عارض طريقة جريجرز في معالجة قضية تلك الأسرة التعسة حين قال له:"انزع من الإنسان أحلامه وأوهامه ستجد نفسك قد نزعت منه سعادته!". وهكذا هدم جريجرز بأسلوبه الأعرج من حيث أراد أن يصلح فخسر كل شيء. وتعتبر هذه المسرحية عمل ابسن الرائد في المسرحية الرمزية.
هكذا نجد أن دعوة إبسن الاجتماعية في معظم أعماله دعوة إلى الاعتدال والوسطية ورفض التطرف في كل شيء، كما أنها دعوة الى الكشف عن أقنعة الزيف الاجتماعي ونبذ النفاق على حساب المبادئ الأساسية التي تضر بالفرد والمجتمع. ويقترح إبسن في الوقت نفسه الإبقاء على أحلام الإنسان وأوهامه.
اليوم يتذكره العالم اذ يتذكر مسرحياته. ما زالت مسرحيات إبسن تعرض على مسارح العالم في لغات كثيرة. وما زال اسطورة المسرح العالمي.
"هنريك وأميلي" : مغامرات عاطفية
في أوسلو يصدر كتاب بعد الآخر في مقاربات متنوعة لإبسن. وأصدر إيفو فيغيريدو كتاباً يقارب إبسن بصفته كائناً إنسياً بعيداً من الوهج الكبير الذي يحيط به ككاتب. يقول الكاتب في كتابه المعنون"هنريك إبسن، الإنسان"ان علينا أن ننظر إلى هنريك إبسن بصفته أكثر إنساناً وأقل أسطورة. الأسطورة تتمتع بقداسة. إما أن نعامله كذلك فلا نقترب منه ونمسه أو أن نعيده إلى إنسانيته وننزع عنه الغلاف الأسطوري ونراه كشخص يحب ويكره ويغضب ويحتد ويحسد ويشرب ويسكر ويعاشر النساء. إبسن مزيج من الأسطورة والإنسان: في إبداعه ولكن في حياته أيضاً. سلوكه العائلي. علاقته بزوجته سوزانا التي عاش معها العمر كله. ولكن من خلفها كانت له علاقات عاطفية مع عدد لا يحصى من النساء.
ألف فريدريك مسرحية بعنوان"هنريك وأميلي"عن العلاقة التي جمعت الكاتب بفتاة صغيرة تدعى إميلي. كان إبسن أنكر هذه العلاقة في الظاهر ولكنه كان غارقاً في حبها. هو يقول عن صيف عام 1889، الصيف الذي التقى فيه بإميلي انه أجمل صيف في كل حياته.
رسائل إبسن تقول أشياء تخالف ما كان يصرح به. كانت إميلي في الثامنة عشرة من عمرها حين التقت إبسن في افتتاح مسرحه في تيرول. كان الكاتب تجاوز الستين. بالنسبة الى إميلي ارتبط قدرها به حتى وفاتها عام 1955.
بقيت تعيش على اسمه وتنهل من ذكريات العيش معه. كانت لوليتا العصر آنذاك. ولكنها ماتت فقيرة كمعلمة للبيانو وباعت رسائله إليها لأنها كانت بحاجة إلى المال ولكي يعرف العالم قصتها مع إبسن.
مسرحية فريدريك تحيط بإبسن كإنسان من لحم ودم تغلبه نوازعه وشهواته وعواطفه وتجعله يخر ساجداً أمام فتاة صغيرة في عمر حفيدته.
ولكن إميلي لم تكن سوى واحدة من نساء كثيرات دخلن حياة المبدع وعشن معه في الحياة لا على خشبة المسرح. ومع هذا، فالكاتب الذي أقام كل تلك العلاقات وتكتم عليها بقي مخلصاً للعلاقة الأسرية ومحافظاً على متانة الوحدة العائلية كأي بطل في مسرحياته.
كانت زوجته، سوزانا، مخلصة له، حريصة على عالمه وكتابته. كانت، بمعنى ما، المرأة التي صنعته ووفرت له الفرصة لكي يتحول إلى العبقري الذي يعرفه العالم. ساندته وشدت من أزره في كل المحطات ولا سيما في سنوات منفاه في إيطاليا. الحال أنه في تلك الفترة وحسب تفجرت طاقته الإبداعية وكتب الكثير. هي نفسها كانت فنانة ترسم وتنحت وكانت تفهم ماذا يعني التألم والنزوع إلى الجمال والعاطفة والعشق.
كانت علاقة سوزانا به علاقة صداقة ووفاء. ولكن إبسن كان يبحث عن المغامرة. عن العذاب في الحب. عن العواطف الجياشة. ويبدو أن ما كان يكتبه على الورق كان جزءاً مما كان يشتاق إليه. أبطاله المعذبون، الهائمون، المنقسمون بين الشوق والرضوخ هم شظايا من شخصيته. لم تكن النساء مادة يحاول الكاتب أن يراكمها كي تشكل شخصيات لمسرحياته، بل كن كائنات حية يرتبط معها الكاتب بعلاقة حميمية وعاصفة. كانت تلك علاقة إنسان مع إنسان. علاقة تنهض من القلب لا من حسابات الكتابة الباردة.
في رسائله يخاطب الكاتب كل إمرأة بپ"أميرتي". والحق أنه كان غارقاً في بحيرة تمتلئ بالأميرات. كن، أكثرهن، حوريات صغيرات في مقتبل العمر. حين سألته"أميرته"هيلين راف عن الدافع الذي حدا به إلى الالتقاء بها، أجاب: أنت شابة وأنا أحتاج إلى الشباب. لم يكن الجنس هو الذي يشد إبسن إلى الفتيات، بل الحيوية واليفاعة والنضارة وروح الشباب. وكان كل هذا تلخيصاً لرؤيته للجمال."أميرات"إبسن صور متعددة للجمال والشباب. كانت إميلي في ريعان الشباب حين التقاها الكاتب. كان يهوى خوض النقاشات معها والخروج إلى النزهات برفقتها. لم تستمر العلاقة طويلاً. رحلت إميلي إلى بلدها الأصلي النمسا. ومن هناك بدأت المراسلات بينهما.
بعد رحيل إميلي بشهر واحد تعرف إبسن إلى الرسامة هيلين راف وكانت في الرابعة والعشرين من العمر. عاش معها في ميونيخ وكان غالباً ما يستضيفها. حين رجع إبسن إلى النروج عام 1891 التقى بهيلدر أندرسن التي تبلغ السابعة والعشرين. كانت علاقتهما عميقة وحافلة واستمرت وقتاً طويلاً، ولهذا غضبت زوجته سوزانا غضباً شديداً من هيلدر فطردتها من البيت. كان إبسن أهداها خاتماً وسرت إشاعة بأنه تزوجها سراً. حين مرض إبسن منعتها سوزانا من زيارته. في عيد ميلاده السبعين جاءت"أميرة"جديدة هي روزا فيتينغهوف لتهنئه فتعلق بها وأحبها. وسرعان ما أخذا يلتقيان ويتبادلان الرسائل.
لكن هذه السيرة الحافلة لم تنهِ زواجه.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.