وصل المرض القاتل الى المنطقة العربية، فحصد ضحايا بشرية في العراق ومصر، ودخل الأراضي المحتلة حيث أعلنت السلطات الاسرائيلية إعدام مئات آلاف الدواجن. انفلونزا الطيور تنتقل بواسطة الدواجن وطيور الزينة المهرَّبة والأسراب المهاجرة. فأين تكون ضربتها التالية في المنطقة العربية التي تقع على خطوط هجرة الطيور؟ تغنى الشعراء بزقزقة الطيور وجمال ألوان ريشها، وشكلت مادة شيقة لعالم القصص والأساطير، وكرست رسل محبة وسلام. واليوم تتجه أصابع الاتهام اليها بنشر مرض قاتل للإنسان ومدمر للاقتصاد. فهل أصبحت الطيور كذلك، أم أن في الأمر مغالطات قد لا يحتملها العلم؟ عام 1996 ظهر فيروس H5N1 المسبب لأنفلونزا الطيور في الصين، وفي العام التالي انتشر بقوة في هونغ كونغ حيث صاحبته أول إصابة بشرية انتقلت إلى الإنسان من الطيور الداجنة. بعد ذلك ظهر هذا المرض على شكل موجات، أهمها ثلاث: الأولى في النصف الأول من عام 2004 وأصابت ماليزيا وفيتنام وكمبوديا وتايلاند وكوريا الجنوبية واليابان والصين، تبعتها الموجة الثانية في النصف الثاني من تلك السنة مضيفة اندونيسيا إلى قائمة الدول المصابة. عندها قرر بعض العلماء أن السبب في ذلك الانتشار إنما يعود إلى الطيور المهاجرة، مستندين بذلك إلى حركة هجرتها. وربما كانت الطيور البرية المهاجرة هي السبب الرئيس في انتشار انفلونزا الطيور لو أن الأمر اقتصر على هذه الدول. لكن انتشار المرض وصل إلى حدود كازاخستان مع الموجة الثالثة في النصف الأول من عام 2005، وإلى مشارف أوروبا في النصف الثاني منه، ضارباً كازاخستان وروسيا وتركيا ورومانيا واليونان وهنغاريا، متخذاً مساراً من الشرق إلى الغرب لا يتوافق مع طرق هجرة الطيور التي تتحرك عادة من الشمال إلى الجنوب والجنوب الغربي. وإن دل ذلك على شيء فانما على احتمال اتباع الفيروس طرق التجارة بدلاً من طرق الهجرة، وعلى الأخص طرق تهريب الدواجن وطيور الزينة، بعدما فرضت دول الغرب حظراً على استيراد الدواجن وطيور الأقفاص من المناطق الموبوءة. ويعزز هذا الاحتمال أن انتشار الفيروس استمر إلى ما بعد انتهاء مواسم هجرة الطيور وسكونها في مناطق إشتائها بين كانون الأول ديسمبر 2005 وأواخر شباط فبراير 2006. ولعل اكتشاف المرض حديثاً في العراق ومصر واسرائيل وقبرص وإيران ونيجيريا من دون أن يصيب الدول المجاورة لها، بخاصة تلك التي تقع في قلب خط هجرة الطيور الأورو آسيوية الأفريقية كلبنان والسودان وأثيوبيا وتنزانيا والكونغو، يعزز النظرية التي تقول بأن المرض لا ينتقل حصرياً بواسطة الطيور البرية المهاجرة. خصائص مجهولة إذا لم تنقل الطيور المهاجرة المرض، فكيف يمكن أن ينتقل إلى أوروبا عن طريق تهريب الدواجن وطيور الزينة، وهي التي تضم دولاً متشددة في قراراتها ورقابتها لحدودها؟ يفترض الجواب أن نعلم أولاً أن الطيور المهاجرة هي ضحية للفيروس، شأنها شأن الإنسان والدواجن وبعض الحيوانات، وبالتالي فإنها تموت خلال 24 إلى 48 ساعة بعد أن تحضن الفيروس لمدة تراوح بين يوم الحمام ويومين إلى أربعة أيام الدواجن إلى ستة أيام معظم الطيور المائية إلى 10 16 يوماً معظم أنواع البط. إلا أن هنالك أنواعاً من البط والتمّ swan تستطيع أن تقاوم المرض، وبالتالي تصبح حاملة له من غير أن تموت. لذا يمكن التكهن بأن بعض الأنواع البرية من البط والتم المقاومة للمرض والتي عثر عليها في أوروبا، بعد موجات البرد في سيبيريا الموبوءة التي دفعتها في فصل الإشتاء إلى التوجه نحو أوروبا الغربية كما يحصل كل سنة، هي السبب في انتقال الفيروس خلال فصل الشتاء، أي بعد فترة هجرة الطيور. وبناء عليه يمكن القول ان الطيور المهاجرة ربما لعبت دوراً في انتقال المرض من مكان إلى آخر في شرق آسيا، إلا أن تجارة طيور الزينة والدواجن المهربة الممنوعة هي التي أدت إلى توجه الفيروس غرباً وصولاً إلى تخوم أوروبا الغربية. ويدل انتقال الفيروس إلى العديد من الطيور البرية والحيوانات الثديية، إضافة إلى اختلاف فترة حضنه بين الأنواع، على مدى خطورة تحوله إلى فيروس قابل للانتقال بين البشر إذا ما تزاوج مثلاً في جسم إنسان مع جرثومة أنفلونزا بشرية. الخطر في الصيد وعلى رغم كون معظم الطيور المهاجرة غير مصابة أو حاملة للمرض، لا يجب التهاون بأخذ الحيطة والحذر منها. فلو كان بينها نسبة 1 في المئة مصابة فإن الخطر لا شك سيكون متربصاً ومخيفاً. وقد منع معظم الدول صيد الطيور البرية على أراضيها، بخاصة الطيور المائية. لأن إطلاق النار على الطيور العابرة قد يؤدي إلى خوفها وبالتالي إلى نقصان المناعة لديها، الأمر الذي يجعلها عرضة للإصابة بالمرض أو سريعة في التقاط الفيروس. ولو كان بينها طائر مصاب ووقع في مكان لم يتمكن الصياد من التقاطه، فإنه حيث يقع سيترك الفيروس في التربة لمدة نحو سبعة أشهر. وقد يأتي هرّ منزلي متسكع ويأكل الطائر المصاب أو يلمسه، فيصاب بدوره وينقله إلى الإنسان قبل أن يموت. مهما يكن، ينبغي الإطمئنان إلى أن كل الحالات التي أصيب فيها الإنسان بأنفلونزا الطيور حصلت عن طريق احتكاكه المباشر والمتكرر بالطيور الداجنة. وهذا يعني أنه لم تسجل حتى اليوم أية إصابة من طائر بري إلى إنسان. يبقى أن نسجل أن دول الخليج العربية بمنأى نوعاً ما عن المرض، نظراً لامتناعها عن استيراد الدواجن من المناطق الموبوءة، ولقلة أعداد الطيور المهاجرة التي تمر بها، علاوة عن أنها لا تقع مباشرة على خط هجرة الطيور الأورو آسيوية - الأفريقية، كما أن تربتها التي تسطع عليها أشعة الشمس المباشرة في الصيف تقضي على الفيروس، الذي يعرف عنه عدم تحمله حرارة تزيد على 70 درجة مئوية. من جهة أخرى، لا بد من الاشارة الى أن موسم عودة الطيور الى أوراسيا من أفريقيا، حيث ظهر المرض في النيجر ونيجيريا والكاميرون، بدأ ليزيد احتمال انتقال الفيروس الى دول تقع على مسارات الهجرة مثل لبنان وسورية والأردن. ويعزز هذا الأمر الظهور الحديث لهذا المرض في فلسطينالمحتلة وقطاع غزة. أما الدول الواقعة وسط الشمال الأفريقي، شرق المغرب وغرب مصر، فحظها أقل في استضافة المرض عن طريق الطيور المهاجرة. لأنها لا تقع على مسارات هجرة رئيسية، ولأن الطيور المصابة التي يمكن أن تأتي من افريقيا ستنهكها الصحراء الكبرى قبل أن تصل اليها، كما أنهكها البحر المتوسط في هجرة الخريف قبل أن تصل الى هذه الدول وهي في طريقها الى أفريقيا. ينشر بالتزامن مع مجلة"البيئة والتنمية"، عدد نيسان أبريل 2006