صور الجثث الطافية فوق الماء في نيو أورلينز ليست الأفظع، بل الروايات عن كيفية ترك الناس يتدبرون امورهم، رغم وفرة الارصاد الجوية التي تابعت الاعصار وتوقعت ما جرى. ما فائدة العلم المتقدم إن كانت النتيجة واحدة في اتشي بأندونيسيا ونيو أورلينز بأميركا؟ نُعلمكم يا سادة بقرب وقوع الاعصار! تتحول السلطات الى وكالات أنباء! فمن كان يملك سيارة ونقوداً غادر الى بر الامان، أما الآخرون فيبقون ويغرقون. كلهم من الفقراء، جلهم من السود. ومن لم يمت أُجلي الى مراكز انعدمت فيها كل الخدمات والتقديمات. لم ينظم حتى توزيع الماء. بقي الناس بلا ماء ولا طعام بالطبع لأيام متتالية عدة. راح كبار السن والأطفال الرضع يموتون أفواجاً. طمرت النفايات البشرية - البراز والبول - أماكن التجميع. سمح للجثث بالخروج ومنع الأحياء من المغادرة:"لا يحق لكم ترك المكان"، قال أفراد الشرطة الذين يحرسون المجّمع من الخارج، مدججين بالسلاح، يطلقون النار عند أول اشتباه. انصرفت الدوريات تحمي الممتلكات، تطارد وتقتل سارق سيارة من هنا وناهب محل مأكولات من هناك! ورغم ذلك، أخلي المئات في نهاية المطاف، وخافت والدة الرئيس بوش من رغبتهم في البقاء في تكساس القريبة."في هذه الظروف البائسة؟"سألها صحافي، فأمعنت:"هم على كل حال كانوا في بؤس شديد"! فليأكلوا بسكوتاً إن لم يكن لديهم خبز! ما زال النقاش دائراً حول أيهما أرجح في تلك الاجابة المنسوبة الى ماري انطوانيت، الغباء أم اللؤم. أما الرجل فكان عند بدء الكارثة يمارس هواياته المتعددة في مزرعته في كراوفورد، على مقربة من لويزيانا المنكوبة. وكذلك كان ديك تشيني، نائبه، في اجازة في منطقة أخرى من مناطق رعاة البقر في قلب إحدى الولايات الريفية، بينما كانت الرقم 3 في السلطة، السيدة السوداء كوندوليزا رايس تتبضع بشغف من متاجر نيويورك الأنيقة. هذه حبة كرز فوق قالب الحلوى كما يقول المثل. أي ليست بيت القصيد. كان لا بد من جبروت الطبيعة حتى تنكشف عورة نظام يحسن التمويه. في الولاياتالمتحدة، يوجد أربعون مليون أميركي تحت خط الفقر، ثمانون في المئة منهم من السود! هؤلاء كانوا خارج الصورة، تماماً كما هم بؤساء مدن الصفيح في العالم الثالث - ومنه بلدان عربية - خارج المشهد، إما لأن الكاميرا لا تذهب الى هناك لعدم الأهمية، وإما لأنه اقيم سور كبير تختفي خلفه مدن الصفيح: لا تخص سوى سكانها ولا يراها من هو خارجها،"فكأنها"غير موجودة! ألسنا في ذلك الاختلاط العجيب بين الواقع والفيلم؟ هنا أيضاً، هنا مجدداً! تماماً كإدعاء إمكان اطلاق حرب"نظيفة"وضحايا"صفر"، ادعاء مسند بتعميم ألعاب الفيديو الحربية للتسلية وتجهيز الطائرات الحربية بتقنية الكاميرا والشاشة والأزرار، كألعاب الفيديو. تماماً كما فعل عمدة نيويورك السابق، السيد جولياني، الذي"نظّف"المدينة من الفقراء والمجرمين وجعلها بحق من أجمل مدن العالم وأكثرها أمناً. إلا أن المدفوعين خارج نيويورك ليسوا كومبارساً في فيلم. وهم ما زالوا موجودين، من لحم ودم، بل ازدادوا بؤساً بالتأكيد. إلا أنهم خارج الصورة، وهذا هو المهم. تنتقم الطبيعة. ترسل كاترينا لتتدخل في السيناريو. هل هذا أغنى بلدان العالم وأقواها؟ يحلم بغزو الفضاء ويخصص موازنات فلكية من أجل ذلك. يحلم بإقامة نظام عالمي ويرسل جنوده لتحقيق رفاه العراق ومن بعده الشرق الأوسط الكبير؟ يردد أنه لا يخشى سوى الإرهاب ولا يحتاط إلا ضده، فكل ما عداه... تمام. يدفع البؤساء مجدداً ثمن انكشاف الحقيقة. قتلتنا المسلسلات الأميركية عن قصة نجاح أميركية اضافية، عن الأثرياء السود، المتعلمين، المتنفذين. ها السوق والليبرالية تحققان المساواة، وكولن باول وكوندوليزا رايس أدلة من بين أخرى. إلا أن القس الاسود المعروف جيسي جاكسون، المناهض للحرب"الشاملة والدائمة"ولاحتلال العراق، قال إن مشاهد نيو أورلينز الحالية تذكر بزمن العبودية وتستحضر مشاهده... المشهد في نيو أورلينز أشد بؤساً وأكثر عنفاً مما رافق اعصار تسونامي أواخر العام الفائت، الذي وقع على أفقر بلدان العالم. جهوزية السلطات وفعاليتها في بلدان جنوب شرق آسيا وجنوبها المنكوبة كانت أعلى من جهوزية وفعالية سلطات الولاياتالمتحدة الأميركية، والتضامن العام في تلك المجتمعات أرفع مما أبداه المجتمع الاميركي! وكما عقب اعصار تسونامي، بدأت المساعدات الدولية تصل من كل صوب، حتى الدول الفقيرة قررت مد يد العون. حين يحدث ذلك، فهو لا يذكر ببنغلادش وانما يستحضر ذكرى زلزال أرمينيا وانكشاف عجز الاتحاد السوفياتي يومها. كل ذلك يدفع الى صدور صحيفة"نيويورك تايمز"بمانشيت يقول:"الولاياتالمتحدة في العيب". هل حقاً النظام الفيديرالي العريق، بل التأسيسي في الولاياتالمتحدة الاميركية، هو مصدر العطب؟ هل يفسر الفضيحة تضارب الصلاحيات الذي أربك الجميع كما يشاع؟ لا شك ان الأمر أفدح من ذلك وأعمق، رغم ان ايراد العنصر الفيديرالي يجب ان يضيء أفكار المدافعين عن إقامة الفيديرالية في العراق وسواه، ليس رغبة في استخدام مبتذل لمأساة نيو أورلينز في غير مكانها، بل تنبيهاً من الخفة في التعاطي مع الأمور، ومنها النظام الفيديرالي المقدم اليوم كوصفة سحرية لكل الأمراض. هل الانشغال بالحرب في العراق مصدر العجز؟ أم هو أحد عوامل كشفها، بفعل المقارنة التي تفرض نفسها، وخصوصاً بفعل، السؤال العظيم الذي يفرض نفسه: لماذا تلك الحرب وما فائدتها؟ أو بصورة أدق، من يستفيد من تلك الحرب وما يمكن ان يتلوها؟ من يستفيد غير الزمرة التي تحكم واشنطن اليوم وتكدّس الارباح بفعل ازدواج صفتها: وزراء ومسؤولين كبار، هم أنفسهم اعضاء في مجالس ادارة الشركات الكبرى العسكرية والمدنية"المتعاقدة"مع حرب واحتلال العراق. ألا يجدر ان تتصدى لتكاليف كارثة كاترينا أنرون وهاليبورتون وغيرهما، في لائحة ليست طويلة في نهاية المطاف؟ كل ما قرره الكونغرس مساعدةً لنيو اورلينز عشرة مليارات دولار، والمساعدات الدولية مليار. تحاكم دورياً تلك الشركات العملاقة لسرقات واحتيالات على عقود العراق، والتي هي نهب كامل بالأصل، تماثل هذه المبالغ. لكنها تستمر في الاثناء في"البزنس"، ويستمر بوش في التأكيد على شرعية حربه الشاملة والدائمة وعلى الأفق الوحيد لها: النصر! هل سيقرر الرئيس بوش انه حان وقت اخراج بن لادن من جحره، ليتدخل في السيناريو الجاري وينقل الانفعال الى مشهد آخر يطوي مشهد كاترينا؟ الى متى يستمر هذا الفيلم الرديء؟