عُدت أسواق حلب القديمة، التي مارس بعضها نشاطه التجاري منذ حوالي ألف سنة من دون ان تنقطع به سبل العيش والحياة، تحفة نادرة تتيح لقاصديها فرصة الاطلالة السريعة على حقبة مهمة من التاريخ بكل ما فيه من هيبة وسحر في رحلة أسطورية تحت أسقف اعتبرت الأطول في العالم وفوق حجارة مرصوفة داستها ملايين الأقدام من غزاة وفاتحين وزوار وسياح من مختلف بقاع الأرض. وتكشف الأسواق عن ملامحها بيسر وأمان أمام زوارها الأجانب تماماً كما هي قلوب سكانها وبائعيها في دعوة صريحة للسياحة والتسوق، ومع ذلك لا تتبدى طباعها للوهلة الأولى. وما على الزائر الراغب في التسوق إلا ان يترك"شطارة"التجار وسر"الصنعة"الى تعلم فن"المساومة"الذي لم يتناوله كتاب أو قاموس بالشرح. وللتسوق مذاق خاص ونكهة فريدة لدى زوار حلب والسياح الأجانب في شكل خاص لاقتناء معروضات الأسواق القديمة من حلي ومصوغات ذهبية شرقية الهوى والتصميم وألبسة قطنية وحريرية متقنة الصنع وموشاة بخيوط الذهب والفضة، وكذلك الصناعات التقليدية التي برع الحرفيون الحلبيون في صوغها وفق أفضل النماذج وعلى أحسن هيئة. ويلفت اهتمام الأجانب بالمقتنيات الخاصة في مزاولة بعض العادات والمعتقدات الشرقية، فها هو أميل الفرنسي حريص على تعليق حجاب في عنقه كنوع من التعويذات التي تدرأ السحر وحسد العين"أعجبني شكلها وقيل لي انها تقي من بعض المضار والأخطار، وعلى أي حال يمكن أن تكون موضة مستحبة في حال ذيوعها... اشتريت واحدة لصديقتي وأخرى لابنتي الصغيرة وأعتقد انهما ستسران كثيراً لذلك". وارتدى ماسيمو الايطالي سروالاً تقليدياً شروال أثناء زيارته الأسواق في منطقة المدينة القديمة في محاولة للتوحد مع التراث الشعبي و"خصوصاً مع اللباس الذي يعرف بالزي العربي التقليدي الذي يستهويني كثيراً"، فبدا زيّه متنافراً مع لون البلوزة والثياب الخفيفة التي تميز السياح الأجانب عن معظم مرتادي هذه الأسواق. وهمس ماسيمو انه بات يشعر"بالرجولة والفحولة أكثر من ذي قبل"بارتدائه اللباس العربي التقليدي، وانه عازم على استكمال باقي القطع المكملة له من صدرية وعمامة وحذاء خاص. وأضاف ان بعض السياح الطليان الذين زاروا حلب نصحوه بأن يشتري مقويات جنسية"مصنوعة من الاعشاب الطبيعية وهي عبارة عن خلطات محضرة بطريقة خاصة لها مفعول أقوى من حبوب الفياغرا اذ تنشط كامل الجسم وأعراضها الجانبية مأمونة أو تكاد تكون معدومة". تمتزج روائح التوابل والزعتر الحلبي والسماق معششة في زوايا كل حانوت وشارع ضيق، ويستقبل عبق الدريرة المصنوعة من بتلات الورود الزوار ويدعوهم عطرها بصراحة الشرقي الى"التجريب"والاقتناء حتى ان بعض الحلبيين يعتبرونه نداً للعطور الفرنسية بدليل الاقبال اللافت من السياح على شرائه مع البيلون وصابون الغار الحلبي الذي تدخل أوراق الغار في صنعه. وللفستق الحلبي الذي تيمنت الأساطير بفأله الخيّر نصيب من تسوق السياح اذ تشتهر حلب بزراعة أجود أصنافه وتمتاز غلال بساتينها بالوفرة لتحتل مركز الصدارة بين مدن العالم بعدد الأشجار المزروعة فيها والتي تقدر بأكثر من ثمانية ملايين شجرة ولذلك دعي باسمها. تشير كل سوق الى روح العصر التي بنيت فيها وطابع عمارتها المميز لها دون سواها، وقليلاً ما اعتدت الهياكل الاسمنتية على حرمة هذه الاسواق لتظل محافظة على عبق الماضي المغموس في ضبابية مبهمة. وراحت النوافذ العلوية توشح المارين والمتسوقين بأشعة ذهبية تلتصق قواعد مواشيرها بالبلاط والحجارة العتيقة المرصوفة باتزان وتؤدة منذ مئات السنين. واختصت كل سوق ببضاعة معينة عرفت باسمها مثل سوق المناديل والعبي والقماش والعطارين والصابون والجوخ والحبال والنحاسين والدهشة والقاووقجية والبازارجية... وتبعت للأسواق مبان ملحقة تمارس فيها عمليات البيع والشراء وتستعمل كنزل للتجار والأجانب عرفت باسم الخانات مثل خان الجمرك والنحاسين والتتن، اضافة الىالقيساريات الشبيهة بالأسواق من حيث طرازها المعماري المؤلف من طابقين وباحة داخلية تحيط بها الحوانيت لكن وظيفتها اقتصرت على تخصيص ورشات عمل للحرفيين أبناء المهنة الواحدة، وهذا ما يفسر سبب التسمية مثل قيسارية الفرايين والحكاكين والبهرمية. عولمة امبراطورية نواة الأسواق هي ساحة الأغورا التي استقطبت حركات تبادل السلع والبضائع وتقع قرب الجامع الأموي لجهة الغرب وبمحاذاة الشارع المستقيم. وبتطور التجارة بنيت الأسواق في شكل مواز ومتعامد مع الشارع المستقيم بين الأعمدة على هيئة"شوّاية، مقبضها عند باب انطاكية وخطوطها الخمسة المتوازية قرب الجامع الأموي الكبير، وهي مشابهة للشكل الشطرنجي اليوناني"وفق ما أوضح المستشرق الفرنسي جان سوفاجيه في كتابه"الآثار الاسلامية والتاريخية في حلب"وتعرض فيه لحركة الأسواق وتطورها. وظلت الأسواق محافظة على دورها التقليدي في عمليات التجارة حتى بعد رحيل التجار الأجانب عنها بدخول ابراهيم باشا من مصر سنة 1831 ومصادرته البضائع والمحاصيل وفرضه الخدمة الالزامية. وساعدت الاسواق في نشوء طبقة برجوازية باستلام التجار الحلبيين زمام تجارة القومسيون. والمفارقة ان الضربة القاضية لتجارة حلب جاءت على يد الدول الحديثة ذات الحدود الدولية المعترف بها وبرسومها الجمركية وجوازات سفرها التي أنهت زمن الامبراطوريات منذ دخول الاسكندر المقدوني حلب عام 232 قبل الميلاد وحتى انهيار الامبراطورية العثمانية"المريضة"عام 1918، اذ تشكلت عولمة من نوع خاص نشّطت تبادل السلع والمنتجات، على الأقل داخل الامبراطورية الواحدة مترامية الاطراف. والضربة الثانية التي تلقتها تجارة حلب، وبالتالي حركة تبادل البضائع داخل الأسواق القديمة جاءت على يد الاتراك الأب الروحي لتجار حلب بسلخ لواء اسكندرون المرفأ الطبيعي القريب من مدينة حلب فلجأ التجار الحلبيون الى مرفأ بيروت، الذي يبعد أربعة اضعاف المسافة عن اسكندرون، وانكمشت تجارتهم الى داخل الأسواق فقط. ولعب الوقف الاسلامي دوراً مهماً زمن الأيوبيين والمماليك والعثمانيين في بناء الأسواق وملحقاتها للحفاظ على دور حلب التجاري ومكانتها المرموقة بين مدن الشرق، إذ جرت العادة ان يتبرع الميسورون من أبناء العائلات المعروفة بالعقارات والأموال اللازمة لبناء الأسواق والخانات والقيساريات والحمامات على ان توقف لمسجد أو مدرسة اسلامية، أي يصرف ريعها في خدمة أماكن العبادة وتدريس علوم الشرع.