لا يمكن لمن يتصفّح كتاب المسرحي المصري الفريد فرج الجديد"شارع عماد الدين... حكايات الفن والنجوم"، إلا أن يقرأه كمرثية لذلك الشارع الذي صنع تاريخ الفن المسرحي والسينمائي في مصر في النصف الأول من القرن العشرين، وشهد تألق نجوم مثل نجيب الريحاني ويوسف وهبي وأم كلثوم ومنيرة المهدية وسيد درويش. كما شهد صولات وجولات لفنانين أوروبيين كبار في مقدمهم الفرنسية سارة برنار التي قدمت على أحد مسارحه"النسر الصغير". والمرثية التي كتبها صاحب"حلاق بغداد"، تعتمد أساساً على خبرته الشخصية الكبيرة، واللغة السردية الوصفية التي يختلط فيها الذاتي بالوثائقي... يتوقف الكاتب كثيراً عند مقارنته بين مصير شوارع شبيهة ب"عماد الدين"في أوروبا والمصير الذي آل إليه شارع الفن في مصر الذي فقد بالإهمال عدداً من دور المسرح والسينما. وعلى رغم هذا، في إمكان الشارع ان يفخر بأنه يمتلك إلى الآن ستة مسارح من أصل خمس عشرة دارا مسرحية وثماني دور عرض سينمائي من بين 11 دار عرض بخلاف اثنتين في تخومه وشوارعه الجانبية لكن هذا العدد يتناقص باستمرار. في الكتاب، ينقل فرج الشارع الذي يسميه"مدرسة الأجيال الفنية"، إلى عتبات أبواب المسؤولين في مصر، ويناشدهم الحفاظ على ما تبقى من ماضيه. ويدعو الكاتب وزارتي السياحة والثقافة الى إعادة الاعتبار للشارع وتطويره عبر حملات شبيهة بتلك التي تشهدها بعض شوارع القاهرة. ويعترف فرج بأنه يريد من ذلك الشارع أن يتحوّل إلى"منتزه ثقافي"، يشبه على حد قول المؤلف،"كوفنت غاردن"في لندن أو"حي الهال"في باريس حيث يقع قصر"بومبيدو"الثقافي. ويشدد فرج على أن هذا التطوير يسهم في إنعاش الاستثمار الثقافي الغائب عن حسابات المسؤولين، معتبراً أن الثقافة والفن هما من أكبر أرصدة مصر الثقافية والسياسية. وإذا كان اسم"عماد الدين"يتصدر عنوان الغلاف، فإن الشارع يحضر كثيراً في الكتاب، بل استغل الكاتب"سحر المكان"كدعاية للتوزيع. فالحديث عن الشارع نفسه لا يستغرق سوى صفحات قليلة من بين 320 صفحة راح المؤلف في معظمها يسجل بعض انطباعاته وآرائه في نماذج وشخصيات فنية مسرحية مرت في الشارع الشهير وصنعت مجده مثل نجيب الريحاني وبديع خيري وبيرم التونسي وسيد درويش الذين يسميهم"الرباعي الذهبي"، ومعهم محمد عبد الوهاب وأم كلثوم ويوسف وهبي وأمينة رزق. ويقدم الكتاب دراسة وافية لأعمالهم مؤكداً ان هذه الأعمال لم تكن بعيدة عن حركة التحديث التي كان يعيشها المجتمع المصري. ولكن ما فات دار النشر الهلال هو أن تلفت نظر قراء الكتاب إلى أن الكتاب في الأصل عبارة عن مقالات نشرها صاحبها في مناسبات مختلفة وجمعت على هذا النحو لتصدر من دون سياق توثيقي يربط بينها وبين العنوان أو يشير على الأقل إلى تواريخ ومناسبات نشرها، كي يتمكن القارئ والباحث من الإفادة من مضمونها الشيق الذي لا يخلو من تأملات نقدية مفيدة.