أحداث العنف التي تشهدها ضواحي المدن الفرنسية المختلفة تعكس ظاهرة انقسام كبيرة في المجتمع الفرنسي. وهذه الظاهرة ليست وليدة اليوم أو الأمس بل إنها تعود الى الماضي عندما قرر الرئيس الراحل جورج بومبيدو اللجوء الى يد عاملة أجنبية قليلة الكلفة على الاقتصاد الفرنسي، فبدأ باستيرادها من دون النظر الى المستقبل. وفرنسا تغيرت وكذلك بنية مجتمعها السياسية، لكن طبقتها السياسية بأكملها من اليمين واليسار فشلت بأخذ هذا التغيير في الاعتبار. وخلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة العام 2002، حيث تمكن زعيم"الجبهة الوطنية الفرنسية"اليمين المتطرف، جان ماري لوبن ان يبقى في السباق حتى الدورة الثانية من المعركة الرئاسية، ونافس الرئيس جاك شيراك على الرئاسة، وكان ذلك بمثابة دق لناقوس الخطر بالنسبة الى الانقسام المتفاقم في المجتمع الفرنسي الذي يشهد يوماً بعد يوم تزايداً في أعداد الجالية المسلمة الفرنسية ذات الأصول الشمال افريقية. وهذا الانقسام قائم بين مسيحيين ومسلمين ويهود. وعندما لجأ بومبيدو الى الجاليات الشمال افريقية، فإنه لم يكن لمستقبل وجودها في فرنسا. وبعد بومبيدو، جاء الرئيس فاليري جيسكار ديستان، وقد أفسح المجال امام انضمام أسر العمال المهاجرين اليهم على الأراضي الفرنسية، بمعزل عن أي سياسات اجتماعية أو اي رؤية لمستقبلها. ثم أتى الرئيس الراحل فرانسوا ميتران الاشتراكي، الرأي كان يفضل زيارة المتاحف والمعارض الفنية على زيارة الضواحي ومعالجة مشكلاتها. وتولى الرئيس الحالي جاك شيراك منصبه العام 1995، وواجه في بداية رئاسته موجة ارهاب اسلامية مرتبطة بالوضع الأمني المتفجر الذي كان قائماً في الجزائر. وقام شيراك بزيارة لضاحية مدينة ليون، بعد مقتل الإسلامي خالد قلقال الذي كان مشتبهاً بتورطه في أعمال التفجير التي استهدفت محطات المترو الباريسي. وكان شيراك جعل من شعار مكافحة الشرخ الاجتماعي محوراً لحملته الاجتماعية، ومن هذا المنطلق فإنه حاول الإصغاء الى أبناء الضواحي، لكنه لم ينجح، لأن المشكلة تراكمت والكل فشل في التصدي لها، الى أن بلغت حد الانفجار الحاصل. والرئيس الفرنسي دعا الى"احترام الجميع والعدل والمساواة في الفرص"، لكن السلطات الفرنسية فشلت في دمج الجيل الثاني والثالث من أبناء المهاجرين الشمال افريقيين، في حين أن اليد العاملة المستوردة من دول أوروبية مسيحية مثل اسبانيا والبرتغال لم تطرح أي مشكلة. وسبب ذلك انقساماً كبيراً بين المسيحيين والمسلمين واليهود. فمسلمو فرنسا يمثلون حوالي خمسة ملايين، والجالية اليهودية الفرنسية وقوامها 700 ألف شخص هي الأكبر عدداً في أوروبا. ولا شك أن هناك عنصرية متفاقمة في المجتمع الفرنسي وهي تولد عنفاً منبوذاً من سكان الضواحي أنفسهم، الذين شكوا من أعمال قام بها مراهقون عددهم محدود، نشروا البلبلة والعنف والذعر. لكن أوضاع الضواحي عموماً تعبر عن خوف الطبقة السياسية والشعب الفرنسيين من الأخذ في الاعتبار للتغيير في طبيعة المجتمع الفرنسي وبنيته. والفشل الذريع الذي يتساوى فيه اليسار واليمين الحاكم، في معالجة موضوع اندماج الجيل الثاني والثالث من أبناء المهاجرين، انفجر الآن في وجه المسؤولين في فرنسا. وكان ملفتاً أن يصرح أحد شبان الضواحي بأنه يتطلع الى يوم يسكن فيه هو، محمد، الى جانب بول أو جان أو سيلفي، وألا يكون مضطراً لملازمة"الغيتو"الذي يقيم فيه ويجعله مبعداً عن باقي المجتمع. والمجتمع الفرنسي يعاني من مشكلة مزمنة تفاقمت، وهي العيش المشترك الذي يهمش محمد ووليد لأنهما مسلمان ومن أصل عربي. وينقل مواطن عن رئيس بلدية احدى المدن الواقعة في جنوبفرنسا، انه يرفض انشاء خط للتراموي في المدينة كي لا يستخدمه سكان الضواحي العرب للوصول الى وسط مدينته. والصحيح أن هناك اجراءات اقتصادية واجتماعية وظروفاً معيشية أفضل مطلوبة بإلحاح لسكان الضواحي، لكن هناك في الوقت ذاته خوفاً وعقلية عنصرية تنبع من مرض المجتمع الفرنسي. وقد فشل السياسيون في معالجة ذلك منذ عقود وأصبح الآن يهدد أمن البلاد.