نحن أو كثرة منا نستعيذ مما لا يروقنا بالإنكار. ذلك ما ألفناه وما درجنا علي ه. منطلقنا في ذلك افتراض لا عقلاني، مفاده أن واقعنا ينطوي على براءة وعلى مثالية أصليتين، وكل ما"يشوهه"إنما هو باطل يُنسب إليه تعسفا أو هو من صنيع الآخرين ونتاج مؤامراتهم ومكائدهم. مسلك طفولي، ربما عاد إلى أننا لم نتجاوز صدمة لحظة الانتهاك النابليوني حملة القائد العسكري الفرنسي على مصر، تلك التي أخرجتنا على حين بغتة من تاريخ حميم مطمئن بأتراحه وأفراحه رتيب يتوالى عودا على بدء، أحداثه لا تغير مجراه، أو أن وتيرة تغييره وئيدة مديدة تستغرق أجيالا ولا تلحظها العين المجردة، لتزج بنا في تاريخ يمتلك الأغراب زمامه ويملونه علينا إملاءً. ربما كان ذلك أحد منابت نظرية المؤامرة المستشرية بيننا أيّما استشراء. فالذي يكون مادة للتاريخ أو موضوعا له، لا فاعلا فيه، لا يمتلك إلا التنصل من إردة لا يمتلكها بالإنكار تارة وبنسبة الشرور، كل الشرور، إلى الآخرين طورا. غير أن عاهة هذه المقاربة أنها لا تحل مشلكة، كما يدل السجال الدائر هذه الأيام حول الطائفية، تعددا إثنيا ودينيا أو مذهبيا. تلك التي أعاد الوضع العراقي طرحها على نحو دراماتيكي ملحّ. لم تبرح غالبية الآراء التي سخى بها الكثيرون في الآونة الأخيرة أحد المنحييْن الآنف ذكرهما وهما على أية حال متلازمان يترتب أحدهما على الثاني: فالطوائف لا وجود لها، تقول تلك الآراء، مُذابة أصلا في الكيان الوطني الجامع، أو في الأمة العربية أو تلك الإسلامية، وهي ليست أكثر من نعرات مُفتعلة تغذيها أطماع أجنبية، أميركية في المقام الأول ولكن كذلك إيرانية، تتوسل في ذلك خونة وعملاء محلليين، وكفى الله المؤمنين شر القتال. قد تكون دوافع هذا القول نبيلة بناءة، تحرص على وحدة العراق، وأي كيان آخر في وضعه، وتتوجس انقسامه وتفتته، لكن المشكلة أنها لا تتوخى من معالجة غير تلك المتمثلة في"التفكير بالأماني"، فتصدّ بدائه تاريخية، وتنكر واقعا قائما ناجما عن نصاب عثماني استمر قرونا مديدة، وكان له بالغ الأثر في تشكيل هيئة المشرق العربي وبنيته كما نراهما اليوم، ولا يعتقد عاقل أن الثمانين سنة الأخيرة، منذ انهيار الخلافة، قد جبته جباًّ مبرما سريعا. كما أن المقاربة تلك تسبغ على التدخلات الخارجية قدرات خارقة، تكاد تبلغ مبلغ امتهان الذات، إذ تراها قادرة على اجتراح الطوائف من عدمٍ أو من سديم. هذا ناهيك عن أن المنطق هذا يبدو كمن يعيد تلك التدخلات الخارجية إلى شرّ أصلي، يستهدف الأمة العربية كذات أو كجوهر، ولا تهجس بمصالح عيْنيّة. وهكذا، ينسب البعض إلى الولاياتالمتحدة"خطة"افتعال الحرب الأهلية في العراق. بطبيعة الحال، القوة العظمى التي انفردت باستخدام السلاح الذري ضد يابانٍ كان قد انهزم، أي دون مبرر عسكري يسوغ ذلك الإجراء الأقصى، لا تُنزه عن شيء، ولكن هل من مصلحتها أن تتعمّد تغذية نزاع أهلي في العراق، يُكرّس فشلها في ذلك البلد ويزيده فداحة؟ البعد الطائفي ماثل إذاً ويتطلب معالجة عقلانية تتقي مخاطره الكثيرة والمدمرة، ومثل تلك المعالجة لا تتمثل قطعا لا في إنكار وجود ذلك البعد ولا في إعادته إلى نوايا أجنبية، يصدر عنها على طريقة"كُن فيكون"، خصوصا أن مستجدا خطِرا، جدّ خلال السنوات الأخيرة ويبدو أننا نستهين به أو أخفقنا في تبيّنه، هو المتمثل في نزوع النوازع الطائفية، شيئا فشيئا وعلى نحو تدريجي وثابت، إلى التطابق مع الأصوليات، ما يهدد بتحويل المواجهات بينها، في صورة نشوبها، إلى نزاعات دينية. قبل ذلك، كانت الطوائف تتستر خلف إيديولوجيات زمنية حتى لا نقول"علمانية"، وطنية أو عروبية أو حتى أممية، كما تدل تركيبة بعض الأحزاب المشرقية وغلبة بعض الفئات الإثنية والمذهبية على قياداتها أو قواعدها. حتى الحرب اللبنانية، التي كانت، أقله في بعدها الأهلي، ذات بعد طائفي صريح وأفصحت عن انقسامات دينية، لم تكن بالحرب الدينية، أي أن الضالعين فيها أو بعضهم، وإن قاتلوا جهرا باسم انتمائهم الديني، واعتبروه آية تمايزهم عن سواهم وعنصرا محددا لهويتهم، لم يكونوا يستندون إلى إيديولوجية دينية، ولا كانوا ينشدون هدفا"قياميا"، أي إحلال حكم الله، كما يرونه، على الأرض. ذاك أن الانتماء الديني لم يكن يستغرق لديهم كل أوجه الهوية ولا كان يحتكرها، وإن كان سندها المؤسِّس. وربما كان حزب الله، وبروزه المتأخر في المجال اللبناني، أول من منح الانتماء الطائفي تعبيرا دينيا أصوليا. وذلك المنحى لمطابقة الانقسامات الطائفية مع الأصوليات الدينية ربما كان هو الغالب حاليا في العراق، وقد يستشري في سواه من بلدان المنطقة. فتنظيم"القاعدة في بلاد الرافدين"، مع أنه كونيّ الأجندة يسعى إلى مجاهدة"الصليبيين واليهوديين"إلى يوم الدين، انتدب نفسه نصيرا لسنة العراق مدافعا عنهم، وهو لا يتردد في الجهر بعدائه للشيعة، الذين يكفّرهم ويسميهم"روافض"، قولا وفعلا، ويسعى إلى استدراجهم إلى نزاع مفتوح. كما أن التوجهات الأصولية، وإن تدرجت بين الاعتدال وأقصى التطرف، هي الغالبة على التعبيرات السياسية للطائفة الشيعية العراقية. لكل ذلك، وإذا ما تأكد ذلك النزوع إلى تطابق الطوائف، أقله ما كان منه دينيا أو مذهبيا، مع أصولياتها، فإن الأمر قد يبلغ نقطة اللاعودة، وقد ينفجر جحيما لا يبقي ولا يذر، إذ قد تنتقل الصراعات من حيّز التاريخي والسوسيولوجي والبشري، أي السياسي، إلى حيّز المطلقات المتعالية التي يقارع بعضها بعضا ولا تتسع لمساومة. وهكذا، فإن المشكلة الطائفية، وتطوراتها المحتملة هذه إن صحت، شأن جدّي بالغ الجدية، لا تنفع في مقاربته الثرثرات التي تتداولها"نخبنا"بشأنه.