اختلف مسؤولون فلسطينيون في تفسير القرار الذي اتخذته السلطة الفلسطينية باقفال فرع الصندوق القومي الفلسطيني في تونس، وفي حين اعتبر بعضهم ان القرار اجرائي يهدف الى تكريس آلية جديدة لصرف الرواتب في إطار التخفيف من الأعباء وترشيد النفقات، رأى آخرون انه خطوة إضافية نحو إنهاء دور منظمة التحرير الفلسطينية في الخارج بما يتيح للرئيس محمود عباس إحكام قبضته على المؤسسات الفلسطينية في الداخل والخارج. واعتبر مراقبون ان الخطوة تهدف إلى جعل مؤسسات السلطة في رام الله"المرجع الوحيد للفلسطينيين أينما كانوا". ويشكل الفرع، الذي كان يديره منير الفرا، واحداً من ست مؤسسات قرر المجلس المركزي للمنظمة، قبل دخول الرئيس الراحل ياسر عرفات والقيادات الفلسطينية إلى مناطق السلطة عام 2004، إبقاءها في الخارج"للمحافظة على المنظمة خشية أن تفشل التسوية". وهذه المؤسسات هي: الدائرة السياسية، ودائرة العائدين، وهيئة أركان الجيش الفلسطيني التي يرأسها أبو المعتصم في تونس، ورئاسة المجلس الوطني وسكرتاريته في عمان، وفرعان للصندوق القومي في كل من تونس والأردن، ومكتب التعبئة والتنظيم لحركة"فتح"الذي يقوده محمد غنيم أبو ماهر. إلا أن مصادر مطلعة أكدت ل"الحياة"أن الصندوق فقد دوره بعدما أحيلت صلاحياته على وزارة المال الفلسطينية وصارت رواتب الكوادر الفلسطينية المقيمة في تونسوعمان تُحوَل منذ سنتين من وزارة المال بواسطة فرع البنك العربي في تونس. وأوضحت أن السيطرة على الشرايين المالية للمنظمة تتيح للرئيس محمود عباس إحكام قبضته على المؤسسات الفلسطينية ليس في مناطق السلطة فحسب وإنما خارجها أيضا أسوة بالصلاحيات المطلقة التي كان يتمتع بها الرئيس الراحل عرفات. وشمل هذا الإجراء الدائرة السياسية"التي باتت تحت رحمة وزارة المال"، على حد تعبير أحد المسؤولين فيها. لكن مصادر فلسطينية أخرى قلَلت من أبعاد الإجراء، مشيرة إلى أن عدد العاملين في مكتب الصندوق في تونس لا يتجاوز ثلاثة موظفين، وأن القرار جاء لتكريس آلية جديدة لصرف الرواتب في إطار التخفيف من الأعباء وترشيد النفقات بعدما اقتصر دور مكتب الصندوق في الفترة الأخيرة على تحويل مصاريف العلاج وبعض الموازنات الصغيرة للدوائر مثل الإيجارات. ولعب الصندوق دورا مركزيا في حياة المنظمة، وكان يديره مطلع التسعينات عضو اللجنة التنفيذية للمنظمة جويد الغصين الذي اختلف مع الرئيس عرفات قبل وفاته، وحل محله نزار أبو غزالة الذي توفي بدوره، ثم أحيلت إدارته لاحقا على مدير مكتب عرفات رمزي خوري الذي انتُدب للإشراف على الصندوق من عمان، وهو الذي وقَع على قرار غلق مكتب الصندوق في تونس. واعتبر مسؤولون فلسطينيون أن الغلق يشكل خطوة إضافية نحو إنهاء دور المنظمة في الخارج بعد ربط السفارات والبعثات الفلسطينية بوزارة الخارجية مقرها في رام الله بدل الدائرة السياسية التي يديرها أمين سر اللجنة المركزية لحركة"فتح"فاروق قدومي أبو اللطف. وترمي الخطوتان، برأي مراقبين، إلى جعل مؤسسات السلطة في رام الله"المرجع الوحيد للفلسطينيين أينما كانوا"، وهو ما تعارضه الأوساط المتشبثة بدور للمنظمة، خصوصا الفلسطينيين المتحدرين من مناطق 1948. وقال السفير في منظمة التحرير جمعة ناجي ل"الحياة"إن الدائرة"باتت اليوم هيكلاً فارغاً بلا دورة دموية". وكان قدومي نفسه انتقد في تصريحات أدلى بها أخيرا ل"الحياة"التدخلات التي قال إن السلطة"تقوم بها من دون وجه حق والتي زادت من إضعاف منظمة التحرير بعدما غيَبتها في الداخل، خصوصا إثر تشكيل مؤسسات شبيهة بها في الأراضي الفلسطينية". كذلك لوحظ أن دور دائرة اللاجئين تراجع في الفترة الأخيرة بسبب وجود رئيسها زكريا الآغا وهو عضو في قيادة"فتح"أيضا في رام الله على رغم أن مقرها الرسمي في تونس، وهي تهتم أساسا بشؤون اللاجئين الذين هجروا من فلسطين خلال النكبة 1948 وبعدها والذين ترفض اسرائيل السماح لهم بالعودة إلى مناطقهم. يُذكر أن عدد الفلسطينيين في تونس الذي كان يُقدر بالآلاف في الثمانينات والتسعينات، بمن فيهم أعضاء جيش التحرير المقيمون في معسكر"وادي الزرقاء"والذين أدمجوا لاحقا في أجهزة الأمن الفلسطينية، تراجع حاليا إلى نحو مئتي فرد بمن فيهم الأسر و470 طالبا.