من الواضح أن إعصار "كاترينا" سيترك بصماته على الساحة النفطية لفترة طويلة. فقد استوعب العالم، قبل الإعصار، الأسعار المرتفعة للنفط من دون ردود فعل قوية أو آثار كبيرة على معدلات التضخم. اما بعد الاعصار، فيتمحور الكلام حول المستوى الذي يجب ان تنخفض اليه الاسعار العالية، والانعكاسات على معدلات النمو والتضخم، في ظل استمرار آثار الازمة في الاشهر المقبلة كما هو متوقع. وذهب بعض الخبراء الى وصف إعصار "كاترينا" بأنه "اول هزة نفطية في عالم العولمة". فبالإضافة الى ما خلّفه الاعصار من قتل ودمار وخلافات سياسية على الساحة الاميركية، ترك ايضاً تأثيره في أسعار النفط. اذ على رغم توقف طاقة انتاجية هائلة في خليج المكسيك وسعة تكريرية كبيرة في لويزيانا ، انخفضت الاسعار الاسبوع الماضي ليستقر سعر النفط الاميركي الخفيف مساء الجمعة عند اقفال التعاملات على 64.08 دولار، وهو أقل ما كان عليه قبل الاعصار. لماذا؟ لقد ادركت الولاياتالمتحدة والدول الصناعية فداحة الخسارة التي لحقت بمفصل مهم من مفاصل الصناعة النفطية الاميركية، بل والعالمية. ومن ثم قرار وكالة الطاقة الدولية بتوفير 60 مليون برميل من النفط الخام والمنتجات البترولية للأسواق الاميركية خلال 30 يوماً، أو ما معدله مليوني برميل يومياً. ان توفير هذه الكمية من النفوط في هذه الفترة القصيرة يفوق ما فُقد خلال هذه الفترة، ومن ثم فإن الهدف ليس تعويض النقص فقط، او طمأنة الاسواق، ولكن ايضاً محاولة "كسر شوكة" الاسعار المرتفعة. لكن على رغم الانخفاض في الاسعار الاسبوع الماضي، من الصعب التكهن بمسارها على المديين القصير والمتوسط. وفي نهاية المطاف هناك بعض الحقائق التي يتوجب مواجهتها ولا يمكن اغفالها. الحقيقة الاولى هي ان العالم يمر اليوم بأزمة نفطية طويلة المدى لا يمكن حلها او التخلص منها بين ليلة وضحاها. اذ كانت المشكلة قائمة قبل"كاترينا"، وتفاقمت بعد الاعصار، وتتمثل في نقص سعة المصافي العالمية. وهي أزمة تتطلب سنوات من التخطيط والتشييد للتعامل معها. وعلى رغم الاجراءات المهمة التي اتخذتها الحكومة الاميركية بعد الاعصار، مثل السماح بإرجاء الصيانة السنوية على المصافي، وغض النظر عن بعض قوانين البيئة كي تستطيع المصافي الانتاج بطاقة اوسع، فإن المشكلة لا تزال قائمة. ومرد ذلك ان غالبية الزيادات والتحسينات في الطاقة الانتاجية للمصافي الاميركية خلال العقدين الماضيين تركزت في مصافي ولايتي تكساس ولويزيانا، ما يعني ان معظم وحدات المعالجة والتكسير للنفط الثقيل يقع في هاتين الولايتين. وستزداد المشكلة تفاقماً في الفترة المقبلة لسببين يتمثل اولهما بأن ما لا يقل عن 900 ألف برميل يومياً من مصافي لويزيانا ستبقى مغلقة لأشهر عدة، ويتمثل الثاني بزيادة متوقعة على طلب النفط مع حلول فصل الشتاء. وعلى رغم انخفاض الاسعار الاسبوع الماضي نتيجة عرض النفط الخام وحتى المنتوجات البترولية من دول وكالة الطاقة في السوق الاميركية، الا ان هذا الحل يبقى موقتاً لأزمة مستعصية تأخر حلها طوال السنوات الماضية، ورفعها اعصار "كاترينا" الى قمة اجندة الطاقة العالمية في المستقبل المنظور من دون وجود حلول عملية كثيرة للتعامل معها في المستقبل المنظور، الا بالسحب من المخزون الاستراتيجي للدول الصناعية. ولكن، هناك حدود للكمية التي يمكن سحبها في فترة زمنية معينة، كما ان ذلك سيستلزم شراء كميات جديدة من النفط والمنتجات لتعويض ما سُحب، ما سيزيد الطلب في المدى المنظور. والحقيقة الثانية ان هناك نسبة كبيرة ومهمة من سعر النفط اليوم مصدرها مضاربات صناديق الاستثمار. ويقدر الخبراء أن قيمة اموال هذه المضاربات تبلغ نحو تريليون الف بليون دولار، وتضيف هذه المبالغ التي اتجهت بشدة نحو النفط والسلع الاساسية الاولية الاخرى في السنوات الماضية 15 الى 20 دولاراً الى سعر البرميل. وهناك اعتقاد سائد لدى المضاربين بأن دول اوبك لن تسمح بانخفاض الاسعار الى اقل من 50 دولاراً. كما ان الحكومة الاميركية، وعلى رغم تعاونها في هذه المرحلة مع بقية اعضاء وكالة الطاقة الدولية للسحب من المخزون الاستراتيجي لتعويض المفقود ووضع حد اعلى للاسعار، الا ان هذه الاجراءات تبقى موقتة، ما سيدفعها الى العودة الى سياساتها الاقتصادية المحافظة في حال انحسار الازمة. والحقيقة الثالثة هي ان الاقتصاد الاميركي استطاع استيعاب الاسعار العالية، وان عملية اعادة إعمار لويزيانا ستتطلب ضخ بلايين الدولارات في الاقتصاد المحلي. الا ان ما يتطلع اليه المحللون والمستثمرون في الفترة المقبلة هو السياسة التي سيتبعها المصرف الفيديرالي الاحتياطي البنك المركزي الاميركي في 20 ايلول سبتمبر الجاري، في ما اذا كان سيستمر في زيادة الفوائد، كما فعل قبل اعصار "كاترينا"، ام سيبقيها على مستواها الحالي. ففي حال استمر في الزيادة، فإن ذلك يعني ارتفاع الفوائد على قروض شراء المساكن الجديدة وتقليص الانفاق على المواد الاستهلاكية، وهذا يمكن ان يؤدي الى انكماش الاقتصاد الاميركي ولربما العالمي، وبالتالي سيؤثر سلباً في الطلب على النفط. ان العامل الاساس الذي سيحدد سعر النفط في المستقبل المنظور هو الطلب، فاذا استمر على معدلاته الحالية سيبقى السعر مرتفعاً، واذا بدأ في الانخفاض، فإن سعر النفط يرتبط بسرعة تحوله والمدى الذي سينخفض اليه.