سيبقى الموضوع اللبناني - السوري لأسابيع وربما لشهور عالقاً في فخ"الجَور والجوار"، عندما تنقلب الجيرة بمعنى"الحماية"الى جَور بمعنى"الظلم"أن صح التعبير، ومن دون الدخول في تفاصيل كثيرة يعرفها كثيرون مطلعون على هذا الملف، فإن مربط الفرس الأساس والمحور الذي لا ينفك يدور حول نفسه، هو أن دمشق طوال حضورها في لبنان وبعده، لم تكن لها استراتيجية واضحة محددة بزمن وأهداف، إذا تحققت تلك الأهداف في إطار الزمن الموضوع، تتخلى دمشق بعدها عن الشؤون اللبنانية وتتركها للبنانيين. مثل هذا التصور لم يكن موجوداً وإذا كان ذلك يعني شيئاً محدداً في السياسة، فهو غياب كامل لنظرة بعيدة، وحضور قوي لنظرة آنية، وهو أمر لا تختص به دمشق وحدها، فكثير أن لم يكن معظم العواصم العربية، تحتضن بامتياز تلك النظرة القصيرة، وهو ما أوقعنا كعرب في كل المشكلات التي نعاني منها. تحديداً في العلاقة بين بيروتودمشق كانت تحكمها تصورات متغيرة، ففي ظل نظام عالمي سابق لإحداث الحادي عشر من سبتمبر، كان الحفاظ على السلم الأهلي اللبناني هدفاً مشتركاً بين دمشق وبين عواصم القرار العالمي، وبعض العواصم العربية، وقتها أطلقت يد دمشق بتفويض خفي لترويض بعض القوى اللبنانية المنفلتة من اجل حفظ السلم الأهلي، من جهة أخرى تهدئة الحدود مع إسرائيل، في تلك الاستراتيجية الثنائية عرف اللاعبون حدود اللعبة وتصرفوا في إطارها. مع تطور الأحداث وجد آخرون أن لبنان يمكن أن تكون"هونغ كونغ"لدمشق كما كانت الأخيرة للصين! وهو أمر لم يكن خافياً على المطلعين، فأصبح التفكير في إدامة الوجود الى وقت غير محدود، مع إطلاق يد المتنفذين الأمنيين الذي أطلق على تجمعهم بعد ذلك تسمية"النظام الأمني اللبناني السوري المشترك"هو الهدف المرسوم لتقوم هذه الشبكة الأمنية بتنفيذ الفكرة"الهونكونغية"، ومن دون النظر إلى أية مدخلات جديدة عالمية وبطريقة فجة صاحبها الكثير من الفساد، ثم استدعي غطاء شعاراتي مناقض، كون لبنان"هانوي"العرب، ومن خلاله تقود الطلائع حرب تحرير واستنزاف، بعيداً عن المسؤولية المباشرة لدمشق، لكن من دون الخروج عن رغباتها. بين هاتين الفكرتين تأرجح التعبير السوري السياسي في بيروت. مع هذا التأرجح خُلقت قوى وتنظيمات ورجال سياسة ورُكبت مصالح مناسبة للمهمة، واستخدمت كل الوسائل المتاحة من ترغيب وتهديد، حتى أصبح المواطن اللبناني لو حدثت حادثة مرور مروعة يتتهم تلقائياً دمشق بأنها وراء الحادث. سقوط العمل السياسي في يد الأمنيين لم ينتج عنه إلا الكوارث، هذا ما حدث في كل العالم، النظام الأمني مفيد أن كان مؤطرا بعمل سياسي، وسياسيين يشكمون نهمه إلى الفساد والتسلط، أما إذا ترك دون قيد، تحول ألي وحش سرعان ما ينقلب على مدربه. هذا ما تم بالضبط في حالة جهاز"السافاك"الإيراني، وما حدث في حالة"السكيورتات"في رومانيا وفي كثير من أنحاء العالم منها ألمانياالشرقية، وهو بالضبط ما حدث في لبنان أيضاً. إضافة الى ذلك فإن الفساد المصاحب للعمل الأمني تفشى وأصبح واضحاً انه صنو العمل المخابراتي السري، ومرادف له. حتى قاد كل ذلك الى الاغتيال السياسي الذي حدث للشخص الخطأ في التوقيت الخطأ، وهو الشهيد رفيق الحريري، وقاد ذلك الفعل ويقود اليوم للدخول في هذا النفق المظلم الذي تدخله دمشق، وأيضاً من دون خطة واضحة للخروج منه، ولا يوجد اعتقاد أن الطرف اللبناني لديه بالمقابل تصور متكامل للخروج من المأزق. ربما كانت القشة التي قصمت ظهر البعير هو قرار التمديد للرئيس اللبناني إميل لحود، وهو قرار سياسي اخرق بمعنى الكلمة، لا بسبب شخصية الرئيس، ولكن بسبب تجاهل وإهمال سياسي مطبق للمتغيرات الجارية في العالم، حيث أن العالم بقيادة الولاياتالمتحدة، بعد الحادي عشر من سبتمبر، قد قرر، حقاً أو باطلاً، بالبدء بالمناداة بإصلاح سياسي على رأسه تداول السلطة، وكان لبنان مختبراً لهذه النظرية في هذه المنطقة يراهن عليه كونه مهيئاً نسبياً لنجاحها، فجاء الإلحاح من دمشق على عكسه تعويقا غير مبرر في التوقيت وفي الإخراج معاً. وتم التمديد في مواجهة رفض لبناني محلي واسع ونفور عالمي. لقد كان القرار وطريقة إخراجه نتيجة هيمنة التفكير الأمني لا السياسي، وعدم وعى بالمتغيرات أو تكهن بان مرحلة التفويض قد انتهت أو كادت، وعكست تفكير دمشق المنقطع عن الأحداث، ثم كرت سبحة الأخطاء المميتة التي كانت أسبابها تتراكم كمياً حتى انقلبت نوعياً. الى درجة راح المعلقون الذين لا يعرفوا لبنان أو حتى سورية من الداخل حق المعرفة، يتنبأون بكوارث لا محالة قادمة ويقرأون النتائج المكتوبة على الجدران. المسرح الذي هيئ له بمجموعة أغلاط قاد الى صدور قرارات مجلس الأمن التي صدرت حتى اليوم تجاه سوريا. فدمشق في مآزق مهما حاولنا أن نوصف المشهد بتوصيف أخف، وعليها فقط يعود جهد الخروج من المأزق. طريق الخروج من النفق ليس باستخدام الأدوات القديمة، مثل اللجوء الى القوى الإقليمية المعادية للولايات المتحدة كإيران مثلاً أو غيرها من القوى المتوسطة، وربما ليس باللجوء الى العرب على أهميه دور المعتدلين منهم للمساعدة. أن أول خطوات الخروج من المأزق الدمشقي الماثل هو خطوات جذرية تتخذ في الداخل الدمشقي لا في أماكن أخرى تتمثل في إطلاق الحريات والبدء ببرنامج إصلاح سياسي طال انتظاره لربيع دمشق، أول خطواته هو كف يد"الأمني"وإعلاء شأن السياسي، ولعل إطلاق عدد من المسجونين السياسيين السوريين عشية عيد الفطر خطوة صغيرة جدا في الطريق الصحيح و الطويل، إلا أن الإعداد المعروفة لسجناء الرأي اكبر كثيراً من ذلك العدد. أما الخطوات الأكثر تأثيرا في تعطيل أي أجراء دولي ضد سورية في المدى المتوسط، فهو سرعة قفل ملف مقتل رفيق الحريري بوضوح وشفافية ودون إبطاء، مهما كان الثمن الشخصي فادحاً، ثم الانطلاق في برنامج إصلاح جذري وحقيقي وشامل أصبحت قطاعات الشعب السوري مهيأة له. الاختباء وراء مقولات أن تقديم أي تنازلات لن يفيد، أو أن هناك مخطط طويل المدى ضد سورية قد اعد سلفاً هو قراءة خاطئة كلياً للمسرح السياسي العالمي، كما أن حشد الشارع، غير الملم بخفايا الأحداث، لمواجه العاصفة القادمة، و الحديث عن العروبة دون محتوى حقيقي، هو السير في الطريق غير الصحيح. لقد أخطأت أميركا في العراق، ولكنه قد تعلمت، ولعل إصرارها على وفاق دولي حول سورية، أحد مؤشرات هذا التعلم. أن وسيلة الأفاقة المطلوبة في سورية هي داخلية بامتياز، قبل أن تكون خارجية، فمن دونها سيبقى النسيج الداخلي السوري معرضاً للاختراق. على المقلب الآخر فإن سياسيي لبنان عليهم أن يعلموا أن الجهد العالمي المبذول وغير المسبوق لنصرة لبنان من على أعلى منبر في العالم ليست دوافعه"سواد أو زرقة عيون اللبنانيين"، بل سببه الرئيسي توقع قيام دولة حديثة ديمقراطية شفافة وتعددية، تعلي من شأن تطبيق القانون ويتساوى فيها المواطنون. لقد صرخ اللبنانيون أبان حربهم الأهلية لمدة خمسة عشر عاماً، فلم يسمع صراخهم أحد، وعودة التركيبة السياسية اللبنانية لتقاسم"الكعكة"سيكون مبرراً كافياً للانصراف الدولي عن لبنان، عندها سيصرخون من جديد ولن يكون هناك من ملبٍّ، وبعدها يجب أن لا يلوم اللبنانيين غير أنفسهم، اذ كان تزلف بعضهم لنظام"الوصاية"جزءاً من أسر لبنان، وسيكون تقاسمهم للسلطة جزءاً من ضياع لبنان. المطلوب من أللبنانيين أن يقيموا دولة حديثة، لا حكماً أساسه تحالف المنتفعين. أنها مفارقة لكنها حقيقة، حيث مفتاح الخروج من المأزق الماثل، هو بيد اللبنانيين و السوريين داخلياً، قبل أي أحد آخر، وبيدهم تحويل الجَور الى جوار نافع. كاتب كويتي.