صحافيتان جريئتان وطموحتان جابتا العالم في حياتهما... ولا تزالان حاضرتين بعد مماتهما بفضل الطوابع التي تحمل صورتيهما. نيلي بلاي التي باتت صحافية بالقوة في آخر القرن التاسع عشر، وتحدّت الجميع لتجوب العالم في اقل من ثمانين يوماً، كما لنقل وقائع الحرب العالمية الاولى من اوروبا. اما مارغريت هيغينز ف"غطّت"الحرب العالمية الثانية مباشرة من الجبهات العسكرية الساخنة مقدمة اخبارها بكل قساوتها، ومرافقة الجنود الاميركيين تحت القصف... صحافية مجهولة نيلي بلاي او اليزابيت جين كوشران ولدت في العام 1864 في مزرعة أهلها الريفية في البلدة التي تحمل عائلتها اسمها. هوت قراءة الصحف والمجلات منذ ان تعلمت القراءة والكتابة في مدرسة القرية المتواضعة، ما جعل موهبتها الصحافية تتفجر فجأة من دون سابق انذار. فهي لم تكن بعد بلغت سن العشرين عندما قرأت مقالاً اثار حفيظتها وسخطها. جلست وراء مكتبها وكتبت فوراً رسالة غاضبة وعنيفة، مغفلة ومن دون امضاء الى رئيس التحرير... الذي ما ان قرأها حتى اعجب بأسلوبها الجريء والقوي. فنشر فوراً اعلاناً في صحيفته يطلب فيه التعرف الى كاتب المقال، من دون ان يدري انها كاتبة. وردت عليه اليزابيت حينها معرّفة عن نفسها. طلب رؤيتها، وما ان باشرا بالحديث معاً حتى كلّفها كتابة مقال صحافي عن دور المرأة في العالم. وتحوّلت اليزابيت سريعاً عضواً ثابتاً في فريق الصحيفة. واستعملت اسماً مستعاراً هو"نيلي بلاي"تيمناً بأغنية شعبية رائجة في تلك الفترة كانت تحمل العنوان عينه. وبعد سنتين فقط، انتقلت نيلي الى نيويورك لمتابعة حياتها المهنية. فالتحقت بفريق عمل صحيفة" ذو وورلد"المشهورة التي يملكها جوزيف بوليتزر، الذي كلفها كتابة تحقيق صحافي عن العلاج الذي يتلقاه المجانين او من يعانون من مشكلات عصبية في المصحات العقلية. لعبت نيلي فوراً دور من فقد عقله، واستطاعت ان تقنع الأطباء في مصح خاص بالنساء بأنها مجنونة. قبلوها كمريضة، وأمضت هناك عشرة ايام تراقب وتكتب بالسر... الى ان استطاعت الخروج من المصح ونشر تحقيقها الذي اكسبها شهرة كبيرة خصوصاً بعدما كشفت المعاملة القاسية التي يتلقاها المرضى من الجهاز الطبي. وصدر بفضلها قانون يحمي المرضى من سوء معاملتهم في المصحات العقلية. مهمتها الثانية كانت السفر حول العالم في اقل من ثمانين يوماً... تماماً كما كتب الكاتب الفرنسي جول فيرن في كتابه الاسطوري الشهير الذي حمل العنوان نفسه. وبدأت رحلتها في الرابع عشر من تشرين الثاني نوفمبر من 1889 مبحرة من نيو جيرسي الى انكلترا، ومنها الى العالم. واستقلت في 72 يوماً فقط القطار والدابة والقارب لتحقيق مأربها. وارست بالتالي نيلي سابقة فريدة سمحت لصحافيات كثيرات من بعدها ان يحذون حذوها عبر المخاطرة بحياتهن من اجل ايصال ما يشعرن به للقراء كما في نقل المشكلات الاجتماعية الحقيقية بكل ابعادها القاسية والمؤذية. فأخرجت زميلاتها حتماً من دائرة المقالات الخفيفة الى التحقيقات الصعبة والقاسية. وحملت نيلي لقب"افضل صحافية تحقيقات في اميركا"... لكنّها على رغم تقدميتها المهنية المميزة، عادت نيلي الى التقاليد الاجتماعية الخانقة التي جعلتها تعتزل مهنة الصحافة ما ان تزوجت من روبرت سيمين في العام 1895. وبقيت عشرة اعوام زوجة فقط الى ان عادت الى الحياة العملية بعدما وجدت نفسها ارملة على رأس مصانع عدة مفلسة كان يملكها الزوج. انكبت على تطوير المعامل وعصرنتها لتنتشلها من الافلاس وتحولها تجارة رابحة. وهي ارست ايضاً قواعد التعامل مع موظفيها، بحيث جعلت من المصانع مشاريع اختبارات اجتماعية: خصصت للموظفين نوادي رياضية وترفيهية وعيادات طبية. وضعت في تصرفهم مكتبات خاصة لتحسين مستواهم العلمي والثقافي. شجعتهم على الدرس وحثتهم على التحضير لنيل شهادات اعلى. عادت نيلي الى حبها الأول للصحافة بالتزامن مع اندلاع الحرب العالمية الأولى. فهي ما كادت تتوجه الى اوروبا بعد اعتزالها المهني في ادارة مصانعها، حتى اضطرت الى البقاء هناك بعد اندلاع الحرب. فبدأت تكتب تحقيقات حية عن الجبهات، متنقلة بين منطقة واخرى من دون خوف او تردد، ما ارسى شهرتها الحتمية في اوائل القرن العشرين... الى ان اجبرها تقدمها في العمر على اعتزال الصحافة نهائياً. شغف بالحرب بفضل قلمها الحاد، وجدت صحافية ثانية طريقها الى الشهرة. مارغريت هيغينز، ولدت في العام 1920 في هونغ كونغ حيث والدها كان يعمل بحاراً. وما لبثت العائلة ان انتقلت الى الولاياتالمتحدة حيث تلقت مارغريت علومها الابتدائية ومن ثم الجامعية في كاليفورنيا. ومنذ سنتها الجامعية الاولى، عملت مارغريت في الصحيفة الجامعية التي شحذت موهبتها وجعلتها تتخصص في الاعلام في جامعة كولومبيا. وما ان تخرجت في العام 1942 حتى بدأت فوراً العمل في صحيفة"نيويورك تريبيون". ارادت مارغريت تغطية تطورات الحرب العالمية الثانية من دون ان تنال الفرصة. فهي انثى... والنساء لا يتوجهن الى الجبهات. وبقيت سنتين تحاول اقناع رئيس تحريرها من دون جدوى، الى ان توصلا اخيراً الى اتفاق يقضي بتوجهها الى لندن. ما ان وصلت الى هناك حتى انتقلت الى فرنسا ومن ثم الى المانيا حيث بدأت تكتب تحقيقات حيّة عن المعارك. فدخلت جنباً الى جنب مع الحلفاء الى المواقع الالمانية التي كان يستسلم فيها النازيون. ثم عملت بعد الحرب على نقل وقائع محاكمات نورمبورغ كما التوتر المتصاعد بين اوروبا الشرقيةوالولاياتالمتحدة. وكوفئت جهود مارغريت بتعيينها مديرة مكتب"نيويورك تريبيون" في برلين في العام 1947. بعد ثلاثة اعوام فقط، انتقلت الى اليابان لتشغل منصب مديرة مكتب الصحيفة نفسها هناك... ومن ثم الى كوريا الجنوبية بعد اندلاع الحرب الكورية وسقوط العاصمة سيول في يد القوات الكورية الجنوبية. في تلك الحرب ايضاً، كادت مهنة مارغريت تقضي ضحية"انثويتها". فرئاسة تحرير الصحيفة ارسلت الى كوريا" كبير مراسليها"ليغطي الحرب من هناك، آمرة مارغريت بالعودة الى الديار. فثار سخطها المجنون لعدم مساواتها بالرجل، وتمكنت من اقناع الجنرال دوغلاس ماك آرثور بمنحها تصريحاً خاصاً لنقل وقائع المعارك من الجبهات المتقدمة. هكذا، وجدت مارغريت نفسها في الخامس عشر من ايلول سبتمبر من 1950 على بعد مئتي ميل من خطوط"العدو"الى جانب الجنود الأميركيين الذين انزلوا لتحضير هجوم على الكوريين. فأرست نهائياً مكانتها كمراسلة حربية مميزة، وبات القراء ينتظرون تحقيقاتها بشغف. فخصصت لها مجلة"لايف ماغازين"مقالاً خاصاً عن حياتها المهنية. كما نشرت كتاباً عن الحرب الكورية في العام 1951، احتل فوراً المرتبة الاولى من المبيعات، وحاز جائزة"بوليتزر"للتحقيقات الدولية، اضافة الى ان الجمعية الصحافية المتحدة اختارتها"صحافية السنة". لم تنم مارغريت على اكاليل غارها، بل توجهت في السنة التالية الى فييتنام حيث لامست خطر الموت في كل لحظة، خصوصاً بعدما اصيبت بانفجار لغم بالمصور روبرت كابرا الذي كان الى جانبها. وانتقلت بعدها الى الاتحاد السوفياتي سابقاً ونشرت كتاباً عن تجربتها هناك، ومن ثم الى الكونغو. وكانت تلحق كل تجربة صحافية بكتاب ينال شهرة واسعة فور نشره. الا ان آخر تحقيق لها في العام 1965 كان قاضياً بالنسبة اليها. فهي قصدت نقل تجربة الجنود الاميركيين في فييتنام حيث اصيبت بمرض استوائي صعب جداً ادى الى نقلها فوراً الى الولاياتالمتحدة، لكنها ما لبثت ان فارقت الحياة في العام 1966. حصدت التكريم في مماتها كما فيحياتها، اذ انها دفنت في مدافن"ارلنتون"الوطنية الى جانب الوف الجنود الذين قضوا دفاعاً عن الوطن.