تبدو الجمعيات النسائية في العالم متحمّسة لمحو كل الفوارق بين المرأة والرجل. لكن هذا الطموح المتطرف لم يعد يجد صدى واسعاً في أوساط النساء. فالمرأة، سواء في الغرب أم الشرق ما زالت متشبثة بأنوثتها التي ستظل على الدوام سر خصوصيتها الباذخة. وهذه بيرلا سيرفان تعترف بعد سنوات طويلة من العمل والحياة خارج البيت بأنها اختارت أن تصير امرأة طوال الوقت. فبعد بحث طويل عن الذات، خلصت بيرلا إلى أن الأنوثة هي هوية المرأة العميقة والحقيقية. طبعاً لن يروق مثل هذا الرأي للعديد من النساء، في مرحلة الشباب خصوصاً، فهن يعتقدن مع الفيلسوفة كاترين كليمون بأن الهوية الأنثوية ليست معطى سابقاً بل مجرد اختيار. لذا تجد العديد من الفتيات في الغرب يفخرن بوضعهن الجديد، حيث أصبحت لكل واحدة منهن هويتها الخاصة التي لا تحدد بالانتساب إلى العائلة أو الأب أو الزوج. وبعضهن يصرحن بتلقائية مرحة، بل بفخر أحياناً : أنا عازبة! لكن العديد من النساء يرى أن أنوثة هؤلاء البنات لم تنضج بعد لكي يستشعرن هويتهن الحقيقية بعمق. فهن يفتقدن أحد عناصر الأنوثة الأساسية، وهي الحساسية العالية والمرهفة التي لا تكتسبها المرأة إلا بعد المرور في أهم تجارب حياتها، وهي تجربة الوضع والولادة. ففي أثناء المخاض، تقترب المرأة من الموت الذي يصير أقرب إليها من حبل الوريد. لكنها وهي على مشارفه ترى الحياة تخرج من بين أحشائها. إن الولادة والإحساس بالأمومة الذي يليها، هما التجربتان اللتان تنضج فيها حساسية المرأة العالية بأنوثتها وبخصوصية علاقتها مع العالم. ولعل هذا ما جعل كاتبة مغربية شابة لطيفة باقا تصرح ذات يوم بأنها بعدما أنجبت طفلها الأول لم تعد تعتبر نفسها كاتبة، إنما امرأة تكتب. إن الكثير من الشعارات النسائية تذوب مباشرة بعدما تصير المرأة أماً، لكن يبدو أن هذه الشعارات بدأت تتراجع في الغرب عموماً بتراجع الفكر التقدمي الذي كان يغذيها في فترات سابقة. فهل هذا التحوّل الذي تعرفه علاقة المرأة بأنوثتها جزء من تحولات الفكر والمجتمع مع تعاقب الأجيال؟ قد يكون الأمر كذلك- ولنتابع مسار التحولات عبر تجربة أم وابنتها. الأم هي الكاتبة والروائية الفرنسية مارييلا ريجيني صاحبة الكتاب النسائي الشهير"أنصت لاختلافي". أما الابنة فهي الصحافية ايمانويل بوسك التي حصل مقالها"العنصرية في التلفزيون"على جائزة الفيدرالية الدولية للصحافة. نشأت الأم مرييلا في كنف أسرة تقليدية: أب قوي يفرض سلطته في البيت، وأم رقيقة تتفانى في خدمة أسرتها. وعلى رغم أن مارييلا تعترف بأن والديها كانا يشكلان زواجاً مثالياً وسعيداً، إلا أنها ومنذ بداية شبابها ستصير مناضلة نسوية تخوض المعركة تلو الأخرى ضمن الحركة النسائية. لقد نذرت حياتها امرأة وكاتبة للدفاع عن قضيتها. لكن الابنة ايمانويل ستفتقد الحياة الهانئة البسيطة التي عاشتها أمها. فقد كان عمرها ثلاث سنوات فقط حينما وقع الطلاق بين والديها، لتعيش في كنف أمها طوال العمر. ولعل حاجة ايمانويل الى الرجل كأب، وعدم تمكنها من تلبية هذه الحاجة في مرحلة الطفولة، هو الذي جعلها تتخذ قراراً مفاجئاً في الفترة الأخيرة، تضرب ببداياتها الصحافية الناجحة عرض الحائط ولتسافر إلى إحدى جزر البليار لتعيش حياة هادئة بسيطة برفقة حبيبها الإسباني. إن الحياة إلى جانب الرجل الذي اختارته ولو في جزيرة معزولة هو أهم بالنسبة الى ايمانويل من كل المجد الأدبي الذي ينتظرها في باريس. فهل عادت الجدة إلى الحياة في إهاب حفيدتها؟ هل هي خيانة لقضية الأم ونضالاتها من أجل التحرر الشامل للمرأة؟ أم أنها المصالحة مع الذات ومع الأنثى التي تعيش داخل كل امرأة؟ أم هي سنة الحياة وتحولاتها التي لا ترسو مراكبها على رصيف؟ وفعلاً، فإن سفينة الفكر النسائي أخذت وجهة أخرى. وهناك تصور جديد قيد التشكل الآن"فإذا كانت"النسوانيات"في العقود السابقة يتجاهلن أنوثتهن ويطالبن بالمساواة التامة والشاملة مع الرجل، فإن الفكر النسائي الجديد لم يعد يلغي الأنوثة طلباً للمساواة، إنما أصبح يتشبث بهذه الأنوثة، مدافعاً بها ومؤمناً بأنها أساس التفوق على الرجل. هكذا ترى الباحثة الاجتماعية باسكال ويل Pascal Weil أن التحليل العقلاني والكفاية التقنية والخبرة والمنطق لم تعد هي مفاتيح النجاح في العمل والحياة في عالمنا المعاصر. إن قيماً أخرى بديلة أضحت في الواجهة اليوم، كالحدس والخيال والإحساس والمرونة والحرارة في الأداء. وهي كلها خصائص وقيم أنثوية. لذا فإن باسكال تعتقد بأن المرأة كسبت في العقد الأخير من القرن العشرين أهم معاركها بعدما تمكنت من فرض قيمها على المجتمع وعلى سوق العمل. فهذه الخصائص التي أصبحت أهميتها تزداد يوماً بعد يوم جعلت العديد من النساء يبلغن أرقى درجات المسؤولية في الإدارة والشركات متجاوزات زملاءهن الأكثر خبرة وكفاية على المستوى المهني المحض. ربما هي حرب جديدة بدأت، ليس من أجل إقرار المساواة هذه المرة، إنما من أجل تكريس التفوق، أو لعلها الحرب الأولى ذاتها تشنها المرأة اليوم بحزم أكبر وشعارات أقل. فكيف سيواجه الرجل رياح التأنيث التي بدأت تكتسح المجتمعات مع بداية الألفية الجديدة؟