غيّر الإخوان المسلمون في مصر خططهم ولم تبدل السلطات أساليبها في التعاطي معهم، فالإخوان عندها لا يزالون جماعة محظورة قانوناً ونشاطهم التنظيمي ممنوع ومخالف للقانون، وحركتهم في الشارع ومحاولاتهم فرض أنفسهم على المسرح السياسي خط أحمر. أما الجماعة فتجد ان الفرصة صارت مؤاتية لها لتطفو على سطح الأحداث وتخرج من كمونها الاختياري سعياً الى تحقيق التمكين في نيل نصيبها من اللعبة السياسية. وقائع الأمس في مصر فاقت كل المحكات المباشرة والمستترة السابقة بين الطرفين: قتيل من"الإخوان"عقب مصادمات في الدقهلية وحضور كثيف لأعضاء الجماعة عبر تظاهرات في القاهرة ومحافظات أخرى بشكل مفاجئ ومن دون إعلان مسبق داخل مساجد بعينها، واعتقالات لعشرات من الإخوان وتوقيف للقيادي البارز عصام العريان الذي ظل طوال الاسابيع الماضية يكيل للحكومة التهم في الفضائيات وينشر آراء الجماعة ووجهات نظرها في الاحداث الداخلية والاقليمية والدولية عبر أثير الإذاعات وشاشات التلفزيونات وأوراق الصحف. ولم يعد خافياً أن"الجماعة"تعتمد تحولاً مهماً في استراتيجيتها بالاحتكام إلى الشارع مستندة الى غطاء دولي فرضته ضغوط خارجية على النظام المصري ومطالب داخلية مستمرة بالإصلاح جعلت ما كان يحدث في الماضي من اجراءات لا يمر بسهولة، ومن الواضح أن أعين الإخوان تتجه صوب الانتخابات البرلمانية المقرر اجراؤها في تشرين الثاني نوفمبر المقبل وأنهم لن يقبلوا ب 17 مقعداً فقط أسوة بالنتيجة التي حققوها في انتخابات العام 2000 وانما يطمحون إلى زيادة نصيبهم إلى رقم أكبر من ذلك بكثير، ولم يعودوا يقبلون بإجراءات تحول من دون تحقيق طموحهم. لعبة الاستحقاق الرئاسي لا تهم"الإخوان"كثيراً، وإنما يمكن استغلالها للضغط على النظام للحصول على مكاسب أو على الأقل ضمان ابقاء اجراءات تحول دون تحقيق آمالهم في زيادة عدد مقاعدهم في البرلمان. أما الحكومة فأظهرت العين الحمراء واعتقلت العشرات من"الإخوان"وأحالتهم على النيابة ولم تحسب ردود الفعل تجاه توقيف العريان طالما انه ضبط اثناء اجتماع تنظيمي في منزله مع رموز من الجماعة وفي حضور ممثلي النيابة العامة. ورغم أن القوى السياسية المعارضة الأخرى تخالف"الإخوان"المبادئ والأفكار والتوجهات غير أنها تحسدهم على كتلتهم الجماهيرية الكبيرة، والحزب الوطني الحاكم لم ينجح حتى الآن في استغلال التناقضات بين"الاخوان"وباقي القوى السياسية ولم يجذب تلك القوى الى ملعبه بل انه أغضبها حين انتهى الى صياغة للتعديل الذي أدخل على المادة 76 من الدستور لم ترضِ الأحزاب التي رأت أنها تضمنت شروطاً تعجيزية لا تسمح إلا للحزب الوطني بترشيح ممثل عنه في الانتخابات الرئاسية. يبدو المراقبون على قناعة بأن الشهور المقبلة على الاستحقاق الرئاسي ثم الانتخابات البرلمانية ستشهد سجالات بين"الاخوان"والحكومة ويعتقدون بأن كلا الطرفين يسعى الى استخدام آليات جديدة ليكسب المعركة بعدما صارت الآليات القديمة غير صالحة للاستخدام. فالحزب الوطني دفع ببعض عناصره إلى التظاهر تأييداً لترشيح الرئيس حسني مبارك لفترة ولاية خامسة والتصدي لتظاهرات"الاخوان"، غير أن خبرة الجماعة في العمل التنظيمي تجلت في الاسابيع الماضية وفي التحول إلى النزول إلى الشوارع بأعداد كثيفة فابتلعت تظاهرات"الاخوان"الحضور الخافت للوطني الذي عليه أن يقطع أشواطاً طويلة حتى يتمكن من وقف النمو السرطاني ل"الإخوان"في المدن المصرية.