لا شك بأن الكويتوالعراق، كبلدين جارين وشعبين شقيقين، عانيا الكثير من النظام العراقي البائد، وخسر البلدان والشعبان أرواح الكثير من الأبرياء الى جانب تدمير البنية التحتية وتخريب للاقتصاد. وبعد تحرير العراق من النظام البائد والدور الذي قامت به الكويت في سبيل تخليص الشعب العراقي من ظلم ذلك النظام وبطشه فإن البلدين الآن يسيران في اتجاه المستقبل الواعد والمشرق لكليهما. وما الزيارات التي يقوم بها المسؤولون في الحكومة العراقية الجديدة للكويت والتقاؤهم بنظرائهم الكويتيين إلا دليل على عودة العلاقات الأخوية بين البلدين، الى جانب التصريحات الايجابية التي تصدر عن المسؤولين الكويتيين والتي يؤكدون فيها رغبة كويتية حقيقية لإعادة بناء الجسور بين البلدين. أما ما تريده الكويت من العراق في المرحلة المقبلة فيمكن تلخيصه بالآتي: أولاً - إعادة الثقة بين الشعبين: لا شك بأن إعادة الثقة بين الشعبين مهمة في سبيل تطوير العلاقة بين الدولتين. فقد عمد النظام العراقي البائد الى خلق حال من عدم الثقة بين الشعبين واستخدم جهازه الإعلامي في النيل من الشعب الكويتي مما خلق أزمة عدم الثقة والكره أحياناً بين الشعبين. ثانياً - إعادة النظر في الخطاب الاعلامي والثقافي العراقي: لقد عانت الكويت من مفردات الخطاب الاعلامي والثقافي العراقي ابتداء من سقوط الملكية وحتى سقوط النظام العراقي البائد. وكان هذا الخطاب ينصب دائماً على فكرة أن الكويت هي جزء اقتطعه الاستعمار وهذا غير صحيح، فالكويت تاريخياً موجودة كحال الدول الأخرى في المنطقة، وهناك اتفاقات موقعة بين الكويتوالعراق حول الحدود. وجاءت الأممالمتحدة ممثلة بمجلس الأمن لتؤكد هذه الحقائق التاريخية. كما ان المناهج الدراسية التي تدرس للطلاب العراقيين كان لها دور في خلق عدم الثقة بين الكويتوالعراق، اذ ان هذه المناهج كانت تنظر الى الكويت نظرة فيها تعالٍ وتجنٍ واستخفاف بدولة جارة وشعب شقيق. لذلك فإن اعادة النظر في هذه المناهج ضرورية لخلق علاقات قوية وراسخة بين الدولتين والشعبين. ثالثاً - ترسيخ الديموقراطية يعزز العلاقات: لا شك بأن ترسيخ الديموقراطية في العراق وقيام مؤسسات ديموقراطية كما هي الحال في الكويت، اذ ان وجود دستور أعده ممثلو الشعب ومجلس أمة منتخب مباشرة من جانب أفراد الشعب، سيعزز العلاقات لأن الدول الديموقراطية علاقاتها تكون ضمن أسس وقواعد يحترمها العالم أجمع بعكس الأنظمة الدكتاتورية التي لا تعترف بالقيم والقواعد والقوانين الدولية. وهذا سبب بلاء الشعب العراقي في ظل النظام السابق وانعكاس ذلك على الكويت وشعبها. رابعاً - التكامل الاقتصادي والتجاري بين البلدين: الكويتوالعراق حباهما الله بنعمه المتعددة، فإذا كان النفط موجوداً في الكويت فإن العراق حباه الله بنعم كثيرة، فإلى جانب النفط، هناك الثروة الزراعية والمعدنية، والأماكن السياحية الجميلة والأنهار، الى جانب الثروة البشرية والموقع الجغرافي المتميز. وكما ان الكويت كانت منذ القدم مركزاً تجارياً مهماً في المنطقة، فإن الكويتوالعراق يستطيعان أن يقدما صورة مثلى للتكامل الاقتصادي والتجاري في المنطقة. وكلنا نعرف عندما كان التجار الكويتيون يجوبون الموانئ المختلفة في العالم ومنها ميناء البصرة الذي كان منتعشاً في فترة ما قبل اكتشاف النفط والاستثمارات الكويتية في المدن العراقية، خصوصاً البصرة وما جاورها، وممكن إعادة هذه العلاقة التجارية المهمة بين البلدين وعلى أسس جديدة وصحيحة. خامساً - محاربة الإرهاب: ابتلي البلدان بآفة الارهاب التي أصبحت عالمية، حيث لا يخلو مكان في العالم لم تمسه يد الارهاب، فالكويت كانت ضحية للارهاب الذي طال أبناء شعبها ومؤسساتها حتى قيادته السياسية، وكذلك العراق كانت ضحية لارهاب النظام الذي بطش وأعدم ولاحق أبناء شعبه حتى في الخارج. فالتعاون بين الكويتوالعراق في مكافحة الارهاب واستئصال بؤرة الارهاب في المنطقة لا شك بأن ذلك سيعود على البلدين بالخير والرفاهية لأن الارهاب هو الفعل المضاد للاستقرار والتنمية. سادساً - تعاون النخب السياسية ودور مؤسسات المجتمع المدني: ان التعاون بين مؤسسات المجتمع المدني وكذلك النخب السياسية في البلدين سيكون له بلا شك دور كبير في تقوية العلاقات بين البلدين، لأن مؤسسات المجتمع المدني والنخب السياسية تستطيع ان تقوم بدور الديبلوماسية الشعبية وهي الموازية للديبلوماسية الرسمية، فاللقاءات بين النخب السياسية في البلدين تعزز وتوضح الكثير من الأمور التي قد يكتنفها الغموض، الى جانب أن لقاءات مؤسسات المجتمع المدني تستطيع أن تناقش الأمور بين الطرفين بكل حرية وصراحة. وقد بدأت النخب السياسية العراقية في زيارة الكويت ولقاء نظرائهم الكويتيين، وما اقامة الندوات واللقاءات إلا دليل على التوجه السليم لكلا الطرفين، وارجو أن تزداد هذه اللقاءات والندوات في المستقبل. سابعاً - المساهمة في إعمار العراق: منذ اللحظة الأولى لسقوط النظام العراقي البائد، كان للكويت دور فعال في المساهمة في إعادة إعمار العراق وتقديم المساعدات الانسانية للشعب العراقي، وهذا نابع من شعور حقيقي تجاه الشعب العراقي ومدى المعاناة التي كان يواجهها في ظل النظام السابق، ولا شك بأن الكويت نظراً لموقعها الجغرافي من العراق تستطيع ان تكون نقطة انطلاق لإعادة إعمار العراق وهذا ما بدأ فعلاً الآن. ثامناً - الوشائج الاجتماعية بين البلدين: ان ما يربط الكويتبالعراق ليس الجوار الجغرافي فقط، بل ان هناك وشائج قربى ومصاهرة بين الشعبين، فهناك عدد من أبناء الكويت مقترن بعراقيات، وكذلك عدد من العراقيين مقترن بكويتيات وهؤلاء يشكلون جسراً اجتماعياً قوياً بين البلدين، ورغم ان النظام السابق استطاع أن يهدم جزءاً من هذا الجسر الاجتماعي الذي يصل بين الشعبين، إلا أن الظروف الحالية تستطيع اعادة ترميم وتقوية هذا الجسر الاجتماعي المهم الذي يربط بين الكويتوالعراق وسيكون هذا الجسر الى جانب الجسور الأخرى الثقافية والعلمية والاقتصادية والسياسية، كلها جسور تربط البلدين وتقربهما ولا تباعدهما. تاسعاً - الاحترام المتبادل: وهذه في رأيي نقطة مهمة ان يكون هناك احترام متبادل بين الكويتوالعراق وأن لا تنظر دولة على أنها أفضل من جارتها بسبب المساحة وعدد السكان أو الثروة الاقتصادية. ولنأخذ العبرة من الدول الأوروبية التي تحكمها علاقات الاحترام المتبادل والمصلحة المشتركة ولا تتصرف بقدر حجمها السكاني أو مساحتها. عاشراً - احترام المواثيق والقوانين الدولية: وهذا عنصر مهم في توثيق العلاقات بين الكويتوالعراق، وما سبب الأزمات السابقة التي كان يثيرها النظام العراقي البائد ضد الكويت إلا عدم احترام النظام السابق المواثيق والاتفاقات الدولية والقرارات التي تحكم العلاقات بين الدول المستقلة كاحترام سيادتها وحدودها وعدم الاعتداء عليها أو التدخل في شؤونها الداخلية. في رأيي ان هذه العناصر مجتمعة تستطيع أن توثق العلاقات بين البلدين الجارين والشعبين الشقيقين الكويتوالعراق، ونتمنى أن يعود الاستقرار الى العراق وينهض ليواكب مسيرة الدول الديموقراطية التي تحترم حقوق الانسان وتشيع الحرية والمساواة بين أفراده. مع تمنياتنا للعراق وشعبه بكل تقدم ورفاه. * كاتب كويتي.