بدأ الرئيس التركماني صابر مراد نيازوف، او "ابو التركمان" بحسب التسمية التي خلعها على نفسه، تنفيذ وعده ب"تعليم الشعب التركماني ... الديموقراطية". اذ اعطى "الزعيم الابدي"، في شكل مفاجئ، تعليمات بإزالة صوره المنتشرة في كل زوايا تركمانستان رافعاً لواء "محاربة عبادة الفرد". ويبدو ان "رياح الحرية" وصلت الى الجمهورية السوفياتية السابقة، التي ظلت معزولة عن التغيرات الجارية حولها منذ انهيار الاتحاد السوفياتي. اذ أفاق سكان العاصمة عشق آباد أمس على مشهد غير مألوف بعدما أزال عمال البلدية آلاف الصور ل"الزعيم المحبوب" في وضعيات مختلفة والتي كانت تغطي المباني والمؤسسات الحكومية. وكان من الطبيعي ان يسود الارتباك للوهلة الاولى بسبب التغيرات غير المتوقعة، حتى تساءل البعض عما اذا كانت ازالة الصور مرتبطة بتطورات سياسية داخلية، خصوصاً ان المسؤولين التزموا الصمت حيال الموقف الغريب. لكن جهات اعلامية رسمية سارعت الى التذكير بأن نيازوف ظهر اول من امس في احتفال رسمي وكان يبدو في صحة جيدة . ولم تلبث الحقيقة ان ظهرت، ف"الثورة الديموقراطية" بحسب تأكيد معارضين تركمان ليست اكثر من "درس جديد من الدروس التي اعتاد ابو التركمان تعليمها لشعبه". وكان نيازوف الذي "انتخب" رئيساً مدى الحياة عام 1999 تعهد في وقت سابق "تعليم التركمان مبادئ الديموقراطية"، وقرر على حين غرة مكافحة "عبادة الفرد" فأعطى أوامره بإزالة صوره من شوارع العاصمة. وليس هذا اول دروس "الزعيم الحكيم". اذ كان قبل شهرين امر في شكل مفاجئ ايضاً كل الرجال بحلق شواربهم وتقصير لحاهم. وظن البعض في وقتها ان الفرار موجه ضد الجماعات الاسلامية، لكن الرئيس اوضح انه يسعى الى "تحسين صورة الشعب التركماني" في عيون الغرب! وحذر معارضون تركمان امس من المسارعة في التصفيق للخطوات الديموقراطية للرئيس، وذكّر احدهم في حديث الى "الحياة" أن التحركات الجديدة ل"تركمانباشي" تأتي بعد تصاعد الانتقادات الاوروبية ضد نظامه بسبب انتهاكات حقوق الانسان. واللافت ان القرار الجديد جاء قبل اسبوع من وصول بعثة اوروبية لدرس اوضاع حقوق الانسان في تركمانستان. كما يأتي بعد ايام قليلة على قرار آخر اصدره نيازوف وألغى بموجبه نظام تأشيرات الخروج لمن يرغب في مغادرة البلاد، وهو مطلب كانت المعارضة تسعى اليه منذ سنوات لكنه تحقق بفضل ضغوط مارستها اخيراً الادارة الاميركية التي لوحت باحتمال فرض عقوبات على عشق آباد وفق قانون "جاكسون" لاجبار السوفيات على فتح ابواب الهجرة امام اليهود في الثمانينات. واذا كان البعض في تركمانستان يحتفل بمظاهر الديموقراطية الممنوحة بقرار من الرئيس، فإن آخرين يحذرون من الافراط في التفاؤل، اذ ان قرار ازالة الصور الورقية المنتشرة على جدران المباني لم يطاول مئات التماثيل التي نصبت في مختلف الساحات العامة وعلى مداخل المدن. وفي هذا الاطار تكفي الاشارة الى العدد الكبير من التماثيل الفضية والذهبية التي بقيت في اماكنها وبينها تمثال للرئيس صنع من الذهب الخالص وصمم ليدور مع قرص الشمس ليذكر التركمان دائماً بأسطورة "الزعيم الذي لا يغيب".