على رغم سعي كيري المتوقع لتهدئة الصراع من خلال تقديم حلول سياسية، على خلاف الحلول الأمنية لبوش، لأنه يرغب في التقارب مع اوروبا التي يقلقها امتناع الولاياتالمتحدة عن التدخل لتهدئة الأوضاع المشتعلة في المنطقة - لا سيما في ظل انتقاده بوش لابتعاده عن الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة وعلى رأسهم اوروبا - يظل كيري خياراً سيئاً هو الآخر. فالتسوية التي سيطرحها الأميركيون ستكون - وكما تؤكد ذلك الخبرة التاريخية - مرحلة انتقالية حتى يلتقط الإسرائيليون انفاسهم، ويستمروا في ابتلاع المزيد من الأراضي الفلسطينية. وهذا ما حدث في اعقاب الحروب الإسرائيلية مع الفلسطينيين، وآخرها الانتفاضة الأولى التي تم إخمادها باتفاقية اوسلو قبل ان تواصل اسرائيل خططها التوسعية ويزور شارون الحرم القدسي. وسيظهر كيري، في حال فوزه، بمظهر الرئيس الأميركي الذي يعطي الفلسطينيين فرصة لم يكونوا يأملون فيها مع المتشدد اليميني الذي سبقه، ما يمنح السلطة الفلسطينية مبرراً لإعطاء بعض "التنازلات" للإدارة الأميركية الجديدة، حتى تستطيع الحصول على تنازلات اسرائيلية مقابلة. بينما في حال استمرار بوش يصعب على السلطة تقديم المزيد من التنازلات، وإن كان ذلك يزيد من احتمال استمرار شلال الدم الفلسطيني لمدة طويلة. ولا شك في ان رغبة كيري في تهدئة الأوضاع في العراق، وإشراك الدول الحلفاء، ومنها الدول العربية، في حفظ امنه، من شأنه ان يدفع كيري في اتجاه ابرام صفقة سياسية يحصل فيها على الأمن في العراق، ويحصل العرب فيها على التهدئة في فلسطين. والولاياتالمتحدة اثبتت انها لا تلتزم تنفيذ تلك الصفقات. والرئيس بوش اعلن عن "خريطة الطريق" قبل اسابيع من خوضه الحرب على العراق لمبادلة العراقبفلسطين. إلا انه لم يضغط على اسرائيل لتنفيذ "خريطة الطريق"، على رغم مساوئها فلسطينياً. وفي ظل الأوضاع الحالية فإن إدارة بوش - على رغم انها الأسوأ في تاريخ الولاياتالمتحدة - تظل الأفضل للفلسطينيين. فبوش اثبت عملياً ان الولاياتالمتحدة لا تصلح وسيطاً لحل الصراع، وهو ما كان ينبغي ان تدركه السلطة الفلسطينية منذ زمن بعيد. واستمرار الصدام بين الفلسطينيين والإسرائيليين ينهك الطرفين، ويدفع اسرائيل للحد من طموحاتها التوسعية الصهيونية من طريق بنائها الجدار العازل. وهو على قدر ما يخترق ويقتطع من الأراضي الفلسطينية، فإنه يؤكد نجاح المقاومة الفلسطينية في إجبار الإسرائيليين على وضع حدود واقعية لأرضهم، لا يتجاوزونها ولو موقتاً. وعلى رغم ان الإدارة الأميركية المقبلة ستكون عاملاً مؤثراً في القضية الفلسطينية، الا ان الفلسطينيين يجب ان يبقوا مالكين لخياراتهم، سواء كانت الإدارة المقبلة جمهورية ام ديموقراطية. وسيكون على السلطة ان ترفض اي مقترحات لإجهاض الانتفاضة، بتحريض من الولاياتالمتحدة، حتى تستمر كعنصر ضاغط على الإسرائيليين في المفاوضات التي ستخوضها مستقبلاً تحت رعاية اميركية. وكي لا تغامر هذه السلطة بمقومات بقائها وسط السخط الفلسطيني المتصاعد. القاهرة - خالد عمر عبدالحليم