يبدو الزلزال العراقي العربي نتيجة منطقية للممارسة السياسية الاقتصادية الاجتماعية السائدة في الحياة العربية، والبحث عن مكمن الخلل يستدعي قراءة متعددة المستويات، باعتبار ما حصل وليد حال مركبة ومعقدة، تداخل فيها وتشابك المحلي بالإقليمي والدولي، فالعراق الذي سقط نتاج نظام أدار السياسة بطريقة لا تنتمي إلى روح العصر وغريبة عن القواعد السياسية المتعارف عليها، حيث تجاهل أولويات العملية السياسية - القواعد - التي ترى أن خوض صراع مع قوى خارجية يتطلب أولاً التحصن بوضع داخلي صلب ومتماسك، وإقامة معادلة إقليمية - دولية مناسبة لإحداث توازن قوى والتخطيط لمواجهة مباشرة مع العدو بأخذ المعطيات الكمية والكيفية على طرفي الصراع بالحسبان ثانياً. كانت المواجهة المباشرة بحاجة إلى مصالحة وطنية تؤسس لوحدة وطنية صلبة، وهذه تستدعي حياة وطنية سليمة تسود فيها العدالة والمساواة وحكم القانون والشفافية. وهذه جميعها كانت مفتقدة في ظل النظام العراقي، لأنه قام مع الوقت ونتيجة للممارسات التمييزية والقرارات الاستثنائية، بتقليص مجتمعه إلى نسبة ضئيلة من المجتمع أسبغ عليها النعمة والخير وحرم الفئات الأوسع منها. لذا جاء تحديده لقواه متسقاً مع إدراكه لما فعلت يداه، فقد كرر الصحاف في بياناته الإعلامية أن المقاومة العراقية يقوم بها الجيش وقوى الحزب والعشائر، ولم يتحدث عن مقاومة عراقية وطنية يقوم بها الشعب، كما عكس بيان الحوافز الذي أعلنته القيادة العراقية وقالت فيه بتقديم جوائز مالية كبيرة لمن يقوم بقتل جندي أميركي - بريطاني، أو أسره، أو إسقاط طائرة أو أسر طيار... إلخ، نظرة النظام إلى شعبه والتي حولت المدافعين العراقيين من مقاومين وطنيين إلى مرتزقة. كان أمام النظام العراقي، منذ العام 1991 أو 1998 على الأقل، فرصة كبيرة لصوغ معادلة محلية وعربية مختلفة، بأن يمد يده لفئات المجتمع وقواه السياسية، ويصلح علاقته معهم عبر الإقرار بحق المواطنين بالمشاركة في اتخاذ القرار السياسي وحق القوى السياسية بالعمل العلني، وادماج الاكراد في النظام السياسي عبر عقد وطني جديد، يمهد لإخراج النظام من قالبه الشمولي - القمعي من جهة، ومن جهة ثانية إصلاح علاقته مع جواره العربي بدءاً بالكويت من طريق إغلاق ملف الأسرى مثلاً، وبقية الدول الخليجية، واستخدام المنهج الوظيفي في خلق مصالح مشتركة مع دول الجوار العربية، يجعل من بقائه مصلحة وطنية لهذه الدول، وانتهاء بجواره الإقليمي تركيا وإيران، ومن جهة ثالثة فتح صفحة جديدة مع الأممالمتحدة ومنظماتها المتخصصة، والانفتاح على العالم. لو أن النظام قام بشق طريق مختلف عما كان يفعله لكان حوَّل العراق إلى قوة مقاومة موحدة، ولأغلق أرض العرب في وجه القوات الغازية، ولحصن نفسه بقرار دولي صلب وحاسم هدفه حماية نظام شعبي ديموقراطي متصالح مع جواره، بينما كانت خططه للمواجهة، نتيجة إدراكه لما ارتكبته يداه بحق فئات واسعة من شعبه قائمة على استبعاد الشيعة - غالبية الشعب - والأكراد من حساباته، ولم يكن بين الدول العربية من يرفض سقوط النظام العراقي، وكان لتحفظها سبب ذاتي: الخوف من السابقة ليس إلا. وكانت الممانعة الدولية مرتبطة بتحفظ دولي على سياسة الإدارة الأميركية التي تريد التحول إلى شرطي العالم والإمساك بالقرار الدولي، وليس الدفاع عن النظام العراقي. أما مكمن الخلل الثاني فتلك السياسة الرعناء التي اعتمدها النظام العراقي والتي هدفت إلى إضعاف المجتمع للسيطرة عليه من طريق تفكيك بناه الوطنية ووحدته الاجتماعية بضرب بناه السياسية أولاً ومؤسسات المجتمع المدني والأهلي ثانياً ثم سحق روح الأفراد ببعث الانتماءات والولاءات ما قبل الوطنية وتكريس انقسام اجتماعي واحتقان طائفي، قبلي - عشائري، وتحويل العراقيين إلى أفراد وجزر معزولة عن بعضها، وهذا رتب ممارسات شعبية متباينة، مرتكزة على هذه الانقسامات، ما جعل للعراقيين مواقف متباينة من العدوان، امتدت من مقاومته إلى الترحيب به، وإن بطرق ملتوية غير صريحة، مروراً بالحياد السلبي وانتظار نتيجة المجابهة للالتحاق بالمنتصر. ولا يمكن فصل دروس الزلزال العراقي عن سياسة النظام وعن استجابة المجتمع ونمط تعاطيه مع هذه السياسة. ولعل أول دروس هذا الزلزال وأهمها ذلك المتمثل بالارتباط الوثيق بين سيادة الحرية - الكرامة ومقاومة العدوان. فقد جاء في سيرة عنترة العبسي، وهو ابن غير شرعي من عبده أن سيده أباه طالبه بالهجوم لتحرير نساء من عبس اختطفهن الغزاة، فأجاب عنترة: العبد لا يحسن الكر، بل يحسن الحلب والدر. ولم يكر إلا بعد أن قال له سيده كر وأنت حر. إن المجتمعات/ الشعوب الحرة، والمواطنين الأحرار وحدهم يستطيعون بما يملكون من حرية وما تعودوا عليه من ممارسة حرة مستقلة، اجتراح المعجزات لأنهم اعتادوا التصرف بحرية وكرامة، لاعتبارات إنسانية مرتبطة بقانون الحرية الذي يحكم سلوك الإنسان ويدفعه للقيام بأعمال كثيرة وكبيرة، وسيادة العدالة والمساواة التي تجعل من المواطن شريكاً وصاحب مصلحة في الدفاع عن الوطن والتضحية من أجل حمايته. أما العبيد الذين سحق القمع والقهر روحهم وكرامتهم وإنسانيتهم فلا ينتجون إلا المذلة والانكسار والاستقالة واللامبالاة. لقد تعودوا على انتهاك كرامتهم وامتهان إنسانيتهم وتجاهل حقوقهم ومصالحهم. وقد سبق للشيخ محمد عبده الربط بين العبودية والقهر والهزيمة فقال في مجال تفسير سرعة انهيار مقاومة جيش عرابي أمام الانكليز عام 1882: "إن تعوّد المواطنين على القهر والعبودية التي مارسها ضدهم المماليك قد كسر روح الكرامة والمقاومة فيهم وقادهم إلى استمراء الذل والخضوع فانهزموا، بينما على عكس ذلك، صمد آباؤهم وأجدادهم في وجه حملة نابليون قبل خمسة وسبعين عاماً، واستمروا في المقاومة حتى هزموا الحملة الفرنسية". وفي إحدى نصائح ماكيافيلي لأميره قال: "إنك تستطيع أن تقهر جيش باريس وتحتلها ولكنك لن تستطيع البقاء فيها. ومن الصعب عليك أن تقهر جيش الآستانة اسطنبول، ولكنك إن قهرته تستطيع احتلال الآستانة والبقاء فيها". لماذا؟ لأن شعب باريس ذا الفكر الواحد والقاعدة الواحدة الذي استقرت فيه الحقوق والعدالة والحرية أقوى من جيش المحتل، ولو كان جيش باريس هو الأضعف من الناحية العسكرية. ولأن شعب الآستانة المظلوم المقهور المتخلف سيستقبل الاحتلال لفترة أطول لأنك ستجلب له العدالة وتخلصه من ظلم حاكمه واستبداده المستند إلى جيشه القوي المرتزق. إنها نصيحة قديمة ولكنها تحتوي على فكرة صحيحة عن الطريقة المناسبة لمنع القوى الخارجية من التدخل في الشؤون الداخلية لأي بلد باستقامة الأمور على أسس صحيحة وعادلة تجعل الشعب والحكم قوة لا تقهر بالتآمر، وإن قهرت بالتفوق العسكري، فإن القهر لن يطول لأن قدرات الشعب الموحدة أقوى من جيش الاحتلال. وهنا يمكن اعتبار استسلام النخبة السياسية والاجتماعية للخيارات السهلة والمباشرة والقبول بمعايير الشرعية التي فرضها النظام باسم عقائد أو وعود اقتصادية - اجتماعية تحررية - على رغم أنه وثب إلى السلطة من دون المرور بقاعدة شرعية - عاملاً مساعداً للأنظمة كي تقوم بإشباع حاجات المجتمع وتنميط المواطنين والتحكم بتصوراتهم وسلوكهم وخياراتهم. لقد كشف الزلزال العراقي - العربي ضخامة الاستسلامية العربية حيث انساقت وراء أوهام رسوخ الاستقلال الوطني، والشرعية الدولية، في حين أن الثابت في التاريخ لا يشير إلا إلى بقاء القوة بأنواعها أساساً لاستمرار الأوضاع وحماية المصالح. وإن استمرار الاستقلال وحماية المصالح تستدعي الاستمرار في مراقبة المتغيرات الإقليمية والدولية وتبدلات توازن القوى والمصالح وتلمس اتجاهها والتحرك المناسب لضبط تفاعلاتها والتصدي لها، لأن في ذلك ضمانة الاستقلال والحرية، وتواصل العمل السياسي - الاقتصادي - الثقافي لصيانة الاستقلال الوطني. كما كشف الزلزال عن هشاشة الاستقلال المعتمد على حماية الجيوش فقط وضرورة الاستناد إلى حال وطنية تجمع الجيش والشعب - الحكم والمجتمع - وهذا غير ممكن من دون عدالة ومساواة وحريات. لقد قبلت مجتمعاتنا العربية، تحت وطأة الضعف والحاجة، خيارات الأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ورشاويها الاجتماعية: التوظيف، المنح الاجتماعية، الدعم الاجتماعي لقدرات الأسر المعيشية الذي لا يرتبط بدورة اقتصادية ناجحة أو انتاج ربحي حقيقي. فالدول التي لا تنتج حاجات مواطنيها من غذاء ودواء وصناعات... إلخ لا تمنح أية صدقية لدعوى تحررها واستقلالها، والفرد الذي لا يشارك في الإنتاج لا يكون شريكاً حقيقياً في القرار السياسي.