ربما كان حظ الشاب افضل من حظ الفتاة في تحديد مصيره الدراسي والعلمي بل والحياتي، هذا ما تعتقده كثيرات من طالبات جامعة صنعاء اللواتي تذهب بهن ريح التخصصات وفقاً لما تشاء لا حسب رغباتهن وميولهن. شاهندة 29 عاماً أخفقت على مدى ثماني سنوات في الحصول على بكالوريوس التربية في قسم الرياضيات، إذ كانت تطلعاتها في الأساس ادبية وإنسانية، غير ان قرار الأهل في ان تكون معلمة كان وراء هذا الخيار الذي اصيبت بعقدة نفسية بسببه. شاهندة التي تزوجت وأنجبت، لا تريد ان تدرس ولا تحب الأساتذة الذين في رأيها يتعمدون ترسيبها مهما عملت. وعلى غرارها، كثرة من فتيات اليمن تتجاذبهن طموحات وأمنيات تراوح بين الحصول على شهادة اكاديمية رفيعة او العمل على تحسين ظروف المعيشة او الزواج. بعضهن ينجح بمساعدة وتشجيع الأسر، وبعضهن الآخر يعاني قلة الإمكانات الذاتية والاجتماعية، او يواجه برفض الأهل والعادات والتقاليد الاجتماعية. آلاء 28 عاماً حاصلة على بكالوريوس في العمارة الداخلية، وماجستير في الآثار الإسلامية، وهي متفرغة حالياً لتحضير الدكتوراه في إحدى الجامعات الأردنية. تقول انها لم تختر هذا المجال بل هو الذي اختارها، ما يوضح الحيرة التي يقع فيها غالب الطلاب بعد حصولهم على الشهادة الثانوية. ذلك ان اختيارهم يتحدد بناء على المجموع العام في الثانوية او الظروف المادية وغيرها. وقلة من الطلاب من تختار التخصص او تكون على وعي مسبق به. وترى آلاء ان اختيار التخصص الجامعي يأتي لاحقاً "إذ يكتشف الطالب نفسه خلال السنة الأولى الجامعية فإما ان يستمر او يتحول الى مجال آخر". واعتبرت آلاء متعة اكتشاف مجالها، وتعزز تمسكها به لندرته في اليمن، ولميولها الشخصية. فقد كانت تمارس هواية الرسم منذ طفولتها، ولاقت تشجيع اسرتها منذ البداية. اما سميرة احمد الحبابي 22 عاماً، الفائزة بجائزة رئيس الجمهورية في مجال القرآن الكريم، فتقول إنها حفظت القرآن الكريم كاملاً اثناء فترة دراستها الجامعية، بعد ان وضعت لنفسهاً برنامجاً يومياً لحفظه وتدارس علومه. وتخرجت سميرة من كلية التربية في جامعة صنعاء، قسم القرآن الكريم وعلومه، وهي معيدة في القسم نفسه، ومدرسة في احد مراكز تحفيظ القرآن الكريم في امانة العاصمة. وكانت سميرة تراجع المشايخ الذين كانوا يواجهونها ويرشدونها ويشجعونها، وحصلت على إجازة من احدهم، وكان لوالدها وأسرتها الدور الكبير في توجيهها والالتحاق بهذا المجال. ولم تتوقع سميرة الفوز بالجائزة، وإنما كانت متفائلة لأنها بذلت مجهوداً كبيراً، وكانت المسابقة في مجال تلاوة القرآن وعلومه، اما التفسير فلم تشمله، ولذلك فهي تفكر في التعمق في هذا العلم مستقبلاً، حتى تصبح اكثر علماً فيه. وتحاول سعاد المهدي 20 عاماً تجسيد طموحها إذا توافرت الفرصة، إذ "من الممكن ان أواصل تعليمي للحصول على ماجستير في العلوم السياسية ومن ثم الدكتوراه، ثم اعمل في الجامعة أو أحصل على منصب سياسي يمكنني من التأثير في المجتمع". وترى سعاد ان الظروف تسيّرها "لأن الأمور غير مرتبة". وتعتقد ان هذا الوضع يشمل الشباب العربي، و"الذي يقول انه يعرف ماذا يريد فإما انه يكذب او انه مختلف لأن الوضع لا يسمح بوضوح الرؤية الى هذه الدرجة". وتعترف ايمان المطري 21 عاماً بأن ليس لديها طموح، "لأن كل ما تمنيته سابقاً لم أستطع تحقيقه". تزوجت وفشلت في زواجها، وكانت توفيت والدتها التي كانت تهتم بتعليمها كثيراً، ولم يعد احد يهتم بها او يشجعها على الدراسة. وتدور طموحات منى بارحيم 30 عاماً حول الزواج من رجل أعزب وبناء أسرة. وكانت منى، على ما تقول أيام المراهقة وما بعدها من الفتيات اللواتي ينسجن في مخيلتهن سعادة العزوبية، إذ كانت تعتبر الزواج "سجناً كئيباً وإهانات لا حصر لها". وكانت تطمح تارة للعيش بمفردها وطوراً للاستقلال بمنزل تعيش فيه مع والدها او احد اخوتها حيث تكون قادرة على الاستمرار من دون زواج. ومع مرور السنين بدأت زميلاتها دخول القفص الذهبي بحلوه ومره، ما جعلها تشعر بأنها انسانة غير طبيعية! عدلت عن طموحاتها، ولكن "بعد ان فات الاوان" وبعد ان رفضت جميع من تقدم لها. ولا يتقدم لمنى الآن سوى العاطلين من العمل او الطامعين في مرتبها او متزوجين مراهقين لديهم "دستة" من الاطفال. وتحاول منى ان تؤقلم حياتها على هذه الطريق لأنها من اختارها. وترجع اسماء شجاع الدين 27 عاماً سبب عملها في البداية الى الحاجة المادية واقتصار طموحها على الزواج من رجل صالح ترعاه وتكون زوجة وأماً ناجحة، وتقول ان فكرة العمل لم تكن تخطر ببالها وكانت ترى انها غير صالحة لذلك. ولكن بعدما تخرجت من الجامعة وعملت، اقتنعت نوعاً ما بقدرة المرأة على المشاركة في تنمية المجتمع، "ولكن ليس في كل المجالات وانما بما يسمح به الشرع والعادات والتقاليد". ولا تريد اسماء ان تطغى طموحاتها العملية على بيتها، واذا كان هناك مجال للمقارنة فإنها ستختار بيتها بالتأكيد، ولكن ذلك لا يلغي اهتمامها بمجال عملها والسعي لتطوير نفسها، فهي تفكر منذ فترة في دراسة الماجستير اذا اتاحت لها الظروف ذلك. وتعتبر الدكتورة نجاة صائم خليل، أستاذة علم النفس في جامعة صنعاء "ان الفتاة التي تعيش في بيئة محافظة وملتزمة ويكون لديها طموح في أن تشترك في مسابقة لاختيار ملكات الجمال يكون طموحها غير منطقي ولا يتناسب مع إمكاناتها، في حين أن هناك فتاة تطمح لأن تكون طبيبة في مجال تخصص نادر، فهذه الفتاة يجب أن ترتب خطواتها حتى تصل الى هدفها من خلال الحصول على الشهادة الثانوية بمعدل مناسب ثم التخرج من الجامعة، والحصول على التخصص المطلوب". وتضيف أن الفتاة التي تطمح لتخصص غير موجود في اليمن وترغب في السفر الى الخارج قد تواجه بمعارضة من أهلها. وترى خليل أن الفتاة اليمنية "تتعود منذ نعومة أظافرها على كبح طموحها وخاصة إذا كان هذا الطموح يتجاوز امكاناتها الذاتية والاجتماعية، فهي عادة ما تنشأ على الوظيفة المناسبة للمرأة وهي التدريس بالدرجة الأولى، ومعظم الفتيات يتجهن الى هذا النوع من المهن شعورياً أو لا شعورياً، بل إن بعضهن لديه إمكانات تؤهله لشغل مهن أخرى مثل الطب أو الهندسة، غير أنهن يتراجعن".