40 عاماً بأربعين دولاراً. كل عام بدولار. عبدالرحمن محمد عارف لم يُقتل. بقي اعجوبة في بلد تقتل فيه السلطة كل من يُمسك بزمامها. الرجل كانت بين يديه يوماً مقاليد الأمور. اليوم ليس لديه غير الشمس المحرقة وساعات انتظار الرحمة. في العراق لا لرؤساء متقاعدين. الفكرة نفسها غريبة. الرؤساء يقتلون فقط، أو في أفضل الظروف ينتهون مطاردين من القوات الأميركية، كما هي الحال اليوم. قانون التقاعد المدني انعكاس لحالة تفكير تستبعد تقاعد رئيس الجمهورية. عبدالرحمن محمد عارف بقي الاستثناء الوحيد. ولندرة حاله لم يكن هناك ما يبرر تعديل القانون. بعد مغادرته الوظيفة الرسمية احتسب راتبه كضابط متقاعد، لأنه ليس في قانون التقاعد فئة "رئيس متقاعد". الرئيس السابق رجل يتصف بالهدوء والنزاهة والبساطة واحترام حرية الآخرين ورأيهم. له رصيده الذي يجره من حياة اعتكاف سياسي قادته على مدى سنوات حكم "البعث" السابقة إلى الابتعاد عن الأضواء والكلام، ليهتم بما يشغله مؤذناً في المسجد المجاور لمنزله، يفكر في أمور السماء وقد خيّبت آماله خلافات أهل الأرض. الرجل الذي يجر سنوات عمره الطويلة لا يحتمل الشمس المحرقة التي تعادل معدلات تقارب ال50 درجة مئوية. ارسل نجله قيس لتسلم راتبه التقاعدي. الراتب 40 دولاراً! ظروف الحر وساعات الانتظار الطويلة التي يصطف فيها نخبة ضباط الجيش العراقي الذين كانوا يحركون باشارة من أصابعهم عشرات ألوف الجنود والذين ينتظرون اليوم بكل استكانة طابور دفع الرواتب، أمر فاق قدرة قيس عبدالرحمن عارف، لذا قرر الامتناع عن العودة إلى طوابير الاذلال المرهقة. الراتب التقاعدي سيُرفع إلى 60 دولاراً لكن المبلغ ليس فيه ما يوازي مشقة طوابير الانتظار. صحة الرئيس السابق تدهورت في الآونة الأخيرة على نحو يدعو إلى القلق. الرجل القابع في الظل رفض عروضاً من أحزاب وكتل سياسية رشحته ليكون نجمها السياسي ووسيطاً لتسوية الانشقاق والانقسام اللذين يعاني منهما العراق. عبدالرحمن عارف ظهر على مسرح الأحداث بعد ثورة 14 تموز يوليو 1958 التي كان فيها أحد أبرز أعضاء "الضباط الأحرار" الذين أطاحوا الملكية وانشأوا نظاماً جمهورياً ادخل العراق في صراعات دموية، كان أولها بصراع خاضه عبدالسلام محمد عارف، شقيق عبدالرحمن. وأفضى الصراع على تنظيم عبدالسلام في 8 شباط فبراير 1963 انقلاباً مع البعثيين أطاح عبدالكريم قاسم. ثم اختلف مع البعثيين فقاد حركة في 18 تشرين الثاني نوفمبر 1966 أطاحت حكم البعثيين بعد تسعة أشهر. وعين شقيقه عبدالرحمن رئيساً لأركان الجيش. وظل عبدالرحمن في منصبه إلى أن قتل شقيقه عبدالسلام في حادث طائرة مروحية عام 1966، لينتخبه "مجلس الدفاع الوطني" رئيساً للجمهورية، إلى أن أطاحته ثورة 17 تموز 1968. النظام الجمهوري الذي كان أقامه البعثيون رحل في 9 نيسان ابريل الماضي، ومع رحيله بدأ الحديث عن نظام جديد يغري تسلم منصب الرئاسة فيه كثيرين لم يجرؤوا على مداعبة فكرة من هذا القبيل، في عهد الرئيس صدام حسين. أحدهم، طارق العيكلي، وهو محام، عقد أمس مؤتمراً صحافياً في بغداد، أعلن فيه ترشيح نفسه لرئاسة الجمهورية. وسبقه مرشح آخر هو إبراهيم العيساوي الخبير في الهندسة الكيماوية. المنصب مغرٍ. لعله كذلك لمن ينظر إلى مستقبل قريب يزينه بأحلام كبيرة. أما من ينجو منه فليس أمامه سوى 40 دولاراً… دونها شمس حارقة وساعات انتظار مؤلمة.