توج فيلم "الساعات" من إخراج ستيفن دالدري، نيكول كيدمان أفضل ممثلة للعام الحالي من الاكاديمية الاميركية لفنون السينما وعلومها وهي جسدت فيه شخصية الروائية فرجينيا وولف بنظراتها الزائغة وانفها المستعار وملابسها الفضفاضة كطائر حط في غير ارضه. عاشت فرجينيا في اوائل القرن الماضي، كتبت رواياتها بمداد من الالم والعذاب، عرف الفيلم كيف يعرض لقاءات رائعة بين عدد من افضل الفنانين جسدوا شخصيات مضطربة تختزن آلامها في الاعماق لتحجبها عن الظهور على السطح. إذ تألقت ميريل ستريب في شخصية كلاريسا المتفانية في الحب وابدعت جوليان مور شخصية لورا براون الهشة كعروس من طين وقش. اما إد هاريس فقد عايش بطبيعية مذهلة شخصية ريتشارد، الكاتب المريض بالإيدز الذي اعتزل العالم في حجرة عتمة في اعلى بناية، لها مصعد عجيب لا يتسع الا لكلاريسا وحدها. فيلم "الساعات" 114 د عن كتاب لميشيل كنتغهام، لوحة متجانسة لحياة ثلاث نساء، عشن فترات زمانية مختلفة في مواقع متباينة بين انكلترا واميركا، ارتبطن برواية "مسز داللواي"، التي كتبتها فرجينيا وتقرأها لورا بينما تعيشها كلاريسا. صوّر الفيلم بدرجات ألوان الباستيل الهامسة في اضاءة خافتة تحمل المتفرج الى اجواء من الاسى والألم عاشتها النساء الثلاث. الفيلم نسيج رهيف من المشاعر، في نسق من لقطات قريبة حميمة ترصد خلجات النفس، دعمته موسيقى بالغة التعبير عما تخفيه الوجوه النبيلة من اهوال. وواكبه المونتاج في ضبط الايقاع العام، بإحساس فني مرهف يوصل بين الحالات الثلاث، على رغم ان الفيلم لا يعتمد على قالب كلاسيكي للسيناريو، ويتضمن شخصيات تتطور تطوراً محكوماً بحبكة من الاحداث. لحن الحياة يعزف الفيلم لحن الحياة لحرية الحب، من خلال حال فريجينيا التي يحملها زوجها لتعيش على غير رغبتها في ضاحية ريتشموند الهادئة بعيداً من ضغوط الحياة في لندن، الا انها تضج بالهدوء وتختار العودة ليشهد عام 1941 نهايتها المفجعة. وحال لورا براون التي عاشت فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية في لوس انجليس في كنف زوج عطوف وطفل يلتصق بها فتنعكس عليه احباطاتها ما ينبئ بشخصية معتلة. بينما تعيش كلاريسا حال الفناء في شخص الحبيب في مدينة نيويورك في الزمن الحاضر وفي فصل الشتاء، نشاهد في الخلفية كاسحات الثلوج بينما تحمل كلاريسا باقة من الزهور البديعة احتفالاً بتكريم حبيبها موحية بعقم العلاقة على رغم ولعها بأسلوبه وتفانيها في رعايته. تبدأ الأحداث بالانتقال بنعومة بين كل منهن وهي تستعد ليوم خاص، تدعو فرجينيا شقيقتها وأولادها لتناول الشاي بينما تبدو مستغرقة في احداث روايتها ذائبة في شخصياتها، ما يستنكره الخدم ويسخر منه الصغار. وتحتفل لورا بعيد ميلاد زوجها، الذي يحمل باقة زهر الى المنزل ويعد طعام الافطار لابنه ويوصيها الاهتمام بنفسها من أجل جنينها، فتشرع في عمل كعكة، امتناناً منها له، بمعاونة طفلها، الا انها تفشل فيتضاعف احساسها بالخواء وبأنها غير جديرة بأي نجاح. وتعد كلاريسا لحفلة تكريم ريتشارد الذي يتوقع الموت. فيقلقه هاجس ان الجائزة مجرد عطف وليس تقديراً لعمله فيصب ثورة غضبه على كلاريسا ويرفض حضور الحفلة بعد ان نفد رصيده من الشجاعة، يعتري كلاريسا شعور بالتفاهة والمرارة الا انها تتماسك لإنجاح الحفلة. على ضفاف الشخصيات الرئيسة تمر شخصيات ثانوية تلقي اضواء على أعماقها السحيقة وما يترسب فيها من الهواجس والآلام، ما يعجل بتصاعد الاحداث نحو المكاشفة، وتمر صديقة بلورا، تبدو في غاية الانوثة وقمة الاشراق توصيها برعاية كلبها لأنها ستجري جراحة لإزالة ورم على أمل أن يزول عائق الإنجاب، وتعلق على سعادة لورا الظاهرية بأن السعادة لا تكتمل الا بوجود طفل. حينما تجتمع فرجينيا وشقيقتها على الشاي، تبدو غارقة في داخلها فتحبو عليها انجيليكا الصغيرة، تبدو كملاك حقيقي في رداء الملائكة الابيض بجناحين صغيرين وتسألها: "فيم تفكرين يا خالتي؟" تجيبها بأنها تفكر في قتل بطلة روايتها. وفي الحديقة نراهما يرثيان عصفوراً صغيراً، يوسدانه اوراق الشجر ويدثرانه بالزهور. تجسد فرجينيا قمة التوحد معه حينما تستكين بجواره على العشب. المكاشفة تتدفق الاحداث على المحاور الثلاثة صاعدة الى الذروة: تحشو لورا حقيبتها بعقاقير مهدئة، تصحب طفلها قسراً الى مربيته وعندما يستشف الخطر، ينادي أمه بصوت يمزق القلوب، يحاول ان يلحق بها الا انها تندفع بسيارتها من دون اتزان. في غرفة في الفندق تصفّ الزجاجات وتتحرر من ضغط ملابسها لتواصل قراءة "مسز داللواي". تندفع فرجينيا عبر الحديقة، تلهث على الزقاق بين بيوت الضاحية، يلحق بها زوجها على رصيف المحطة في انتظار القطار. في موقف عاصف تكاشفه بأنها هاربة من قيد حريتها باسم حمايتها فيواجهها بحالها المتدهورة حينما كانت تسمع اصواتاً وترى اشباحاً فأدخلها المستشفى بعد تكرار محاولتها الانتحار، فتتهمه بأنه سرق حياتها حتى انها تفضل الموت على الحياة في جنته. تبدو الكاميرا عيناً يقظة تتابع الشخصيات في انطلاقها وانكسارها من موضع علوي، ترصد محاولة لورا الانتحار في الفندق، وايضاً هبوط المصعد بعيداً بكلاريس عقب انقلاب ريتشارد ممهداً للنهاية. وتتصاعد الاحداث عندما يخترق سمع لورا صرخات ابنها فترجع لاصطحابه الى البيت، وفي لفتة عبقرية من ريتشي الصغير يخبرها انه يحبها فتهدأ نفسها. يبدو ريتشارد في قمة ازمته حتى تسيل دموعه، يدعم الاحساس صوت عربة الشرطة ثم تخترق الكادر عربة سوداء فارعة، تنزل منها كلاريسا فتتوجس شراً. يواجه ريتشارد مأساته فيمزق الستائر الثقيلة ويحطم كل ما يحجب النور حينما يتأكد من ان حبها لم يعد كافياً للمقاومة ثم يسقط من النافذة. ينقلها المونتاج الى مفاجأة في الزمن المعاصر- عندما تصل لورا براون والدة ريتشارد وقد تقدم بها العمر لتلتقي المرأة التي عشقها ابنها - في لحظة مكاشفة تخبرها انها نادمة على خطيئتها بهجر اطفالها لكن لا يفيد الندم. وتستكمل دورة الاحداث بمشهد البداية إذ يستدعي تدفق المياه بقوة، اندفاع فرجينيا عبر اشجار الغاب لتغوص في مياه النهر، يلمح زوجها رسالتها على المدفأة، تشكره ان وفر لها السعادة ولكنها اختارت الموت. ويتألق سحر "الساعات" في المقاومة والمواجهة والاختيار.