كثيراً ما نسمع في حياتنا اليومية، وبدرجة أقل في الأدبيات السياسية المكتوبة، أصوات مصريين ولبنانيين وعراقيين وسوريين يتحسرون على الماضي. المصريون يحنون الى ما قبل ثورة يوليو 1952، واللبنانيون الى لبنان القديم السابق على الحرب الأهلية في 1975، والعراقيون الى العهد الملكي قبل 1958، والسوريون الى أيام البرلمان القليلة في أواخر الاربعينات ثم أواسط الخمسينات. هؤلاء قد يكونون قلة، لكن ما يصدر عنهم يشكّل أدباً للحنين السياسي العربي نراه ايضاً عند الليبي الذي يتذكر حكم ادريس السنوسي قبل "ثورة الفاتح" القذافية في ايلول سبتمبر 1969، بل عند بعض الجزائريين الذين جعلتهم الحرب الأهلية في بلدهم، والمرفقة بحكم عسكري متواصل، يتحسرون على أيام الاستعمار الفرنسي. وان يكون هناك أدب للحنين العربي أمر مفهوم جداً في ظل الإخفاق الذي عرفته الدول الاستقلالية أو معظمها، بل في ظل الفشل الداوي والمدوّي للأنظمة الراديكالية والثورية ما بين المحيط والخليج. لكن الأمر "المفهوم" ليس بالضرورة ممكناً: ففي هذه الغضون حصلت تحولات فعلية على الأصعدة جميعاً بحيث لم يعد من الممكن اعتبار الماضي حلاً للمستقبل. يكفي القول ان الثورة الديموغرافية التي عرفتها هذه البلدان قلبت المعطيات جميعاً: فالأجيال الجديدة لا تكاد تعرف شيئاً يُعتد به عن ذاك الماضي. ثم ان انتشار الدعوات الديموقراطية والشعبوية، بغض النظر عن صياغتها وطرق استخدامها، جعل من المستحيل تقبّل الأفكار التي راجت في النصف الأول من القرن العشرين عن الاستعمار بوصفه تعميراً وتمديناً، وعن التدرجية في طلب الاستقلال، على النحو الذي دافع عنه الزعيم التونسي الراحل الحبيب بورقيبة. وقد باتت السياسات الوطنية، الى ذلك، مسؤولة عن استيعاب المسائل الكبرى التي طرأت ولم يعد ممكناً تجاهلها. في هذه الخانة يندرج تطعيم "الوحدة" الوطنية بقدر نوعي هائل من "التعدد" الداخلي، وابقاء الجسور مفتوحة بين فكرة "السيادة" واحتمالات تجاوزها الى أشكال أرقى من الحاكمية الكونية. فهذه، على الأقل، من النتائج الايجابية للعولمة التي لن تتمكن النزعة الامبراطورية الراهنة في واشنطن من ان تكبتها الى ما لا نهاية. وهذا جميعاً مما لم يكن مطروحاً في ذاك الماضي الوطني البسيط للنصف الأول من القرن العشرين. وبهذا المعنى السياسي الملزم، تحمل العودة الى الماضي نكهة رجعية قد لا يتبقى منها، في النهاية، غير حنين الى عالم كان اكثر تنوعاً واختلاطاً، فيما كانت مدنه اكثر كوزموبوليتية، وجماعاته اشد تقارباً وتعارفاً وتعايشاً. وهذا، بذاته، ذو دلالات لا يجوز التقليل منها. مع هذا، فالرواية "التقدمية" للتاريخ العربي الحديث لا تقل سوءاً. فهذه انتقلت من تقديس التقدم الى تقديس التتابُع الزمني البحت. فعندها، وتبعاً لنظرة شديدة البساطة والتبسيط، ان التسعينات خير من الثمانينات، فيما الثمانينات خير من السبعينات، وهكذا دواليك. واذا ما بدا "الزمن العربي" "رديئاً"، فإن رداءته تقتصر على الافتقار الى البُعد النضالي الذي لن يلبث ان يستيقظ بعد حدث عابر. فنفتتح، على هذا النحو، "عصراً جديداً للمقاومة" و"عشرين فيتناماً" كلما انتاب واحدَنا عسرُ هضم. فهو، اذاً، تاريخ نضالي أو قل عسكري، مهجوس بالصراع مع الغرب بوصفه معيار التقدم. وتبعاً لهذا الوعي فإن كل ما يستجد ينبغي التعامل معه كأمر واقع ايجابي، إن لم يكن "تقدمياً". والنظرة هذه إنما تغفل عن أمور عدة منها إدراك الفشل الذي منيت به الدول الاستقلالية وحركات التحرر الوطني والدول التي انبثقت منها. ومنها تسطيح العمليات التاريخية بحيث يتم تجاهل التردي على أصعدة الوعي التاريخي وبناء المؤسسات ومستويات التعليم الخ. لصالح بُعد واحد هو الصراع مع الغرب إياه. وفهمٌ كهذا لا يستطيع ان ينجو من تناقضات توقعه في الانتهازية الصريحة. ذاك ان مطالبة "الاستعمار" بالتدخل لوقف بعض الحروب الأهلية رواندا وبوروندي مثلاً تتعارض مع الارتياح المطلق لانتهاء الحقبة الاستعمارية. وهذا ناهيك عن التجاهل الكامل لما رآه حتى كارل ماكس بُعداً إيجابياً للاستعمار الذي ينقل الى المستعمرات علاقات رأسمالية تربطها بالسوق العالمية وتضع حداً لعزلتها البدائية. ما هو أبعد من ذلك كله هيمنة مفهوم ل"الوطنية" كان للبلشفية الروسية دور أساسي في اقتراحه علينا قبل ان يتطوّر ويعمّ مع الحرب الباردة. فبسبب النزاع الروسي مع الفرنسيين والبريطانيين أولاً، ثم مع الاميركيين، أضفي وصف "الوطنية" على كل من يقاوم "الاستعمار" بمعزل عن ادراكه لفكرة "الوطن". فالطوائف والعشائر والاثنيات التي تقاتل الغريب لمجرد انه غريب، غدت "قوى وطنية"، الشيء الذي ينطبق في تاريخنا المحلي على حركات كحركة سلطان الأطرش الدرزية وحركة صالح العلي العلوية في سورية، أو "العصابات" في جنوبلبنان. وبالتدريج وتحت تأثير العلاقة بالسوفيات وطغيان الأدبيات الراديكالية، لم تعد "الوطنية" تنطوي على أي مدلول ايجابي يتصل بإنشاء أفكار ومؤسسات وأحزاب وطنية، عابرة للطوائف والجماعات الصغرى، وطامحة بتكوين مجتمع متجانس ودولة عصرية. هكذا ضمر المعنى الايجابي للوطنية، كما عبرت عنه تجارب "حزب الوفد" في مصر، أو انتاج "الميثاق الوطني" اللبناني، أو التلاقي الدمشقي - الحلبي من خلال حزبي "الوطني" و"الشعب" لإحراز استقلال سورية، أو مدرسة جعفر أبو التمّن العراقية. وقبل هذا وذاك كان مثقفون كالمصري أحمد لطفي السيد قد أعطوا الأولوية في عملهم لمكافحة الاستبداد وبناء المؤسسات بديلاً عن مقارعة سلطة الانتداب البريطاني. لا بل ذهب "أستاذ الجيل" الى تفضيل التعاون مع الانتداب ضد الخديوي على التعاون مع الخديوي ضد الانتداب. وفي المقابل جاءت نشأة اسرائيل وتأزم الصراع معها لتساند المفهوم السلبي للوطنية، اذ لم يعد توطيد الأوطان مطلوباً بل غدا المطلوب إقحامها في الصراع ضد الدولة العبرية. فالوطن، بهذا المعنى، لا يتوطّد الا حين يغطس في ذاك الصراع بما يؤدي، عملياً، الى تفككه وإرجاعه الى ما قبل الوطن. وهكذا عمل هذا التطور، منذ بروزه في 1948، لمصلحة التأويل الذي عززته الحرب الباردة. ولئن شاع هذا المفهوم وعمّ حتى بدا القائلون بالوطنية الايجابية ضرباً من الكائنات المنقرضة، فإن الحرب الأخيرة على العراق فرصة لإعادة النظر ببعض هذه المعاني. فما يبدو مطلوباً اليوم هو، في وقت واحد، امتلاك القدرة على تجاوز الواقع الاحتلالي الأميركي ببعد وطني ايجابي، غير ذاك الذي ساد العقود الخمسة الأخيرة من تاريخنا. وهذا يعني، من جهة، امتلاك نظرة بالغة النقدية ل"حركة التحرر الوطني" و"انجازاتها"، ومن جهة اخرى، امتلاك ادراك واقعي لقدرات وحدود الماضي الذي مضى. فالبائس ان بعض مثقفي أوروبا الوسطى والشرقية وجدوا ان في إمكانهم، بعد سقوط حائط برلين، استئناف الماضي الذي انقطع بقيام الشيوعية. اما في العراق، وبلدان عربية غيره، فلم تترك أنظمة الاستبداد شيئاً يمكن استئنافه، وبالتالي استحال تصحيح التاريخ والتقدم انطلاقاً منه. ما ليس مستحيلاً، على أية حال، هو إدراك أن ذاك الماضي البعيد متقدم على المرحلة التي تلته. وإقرار كهذا سيكون بالغ الأهمية في التخفف من الأعباء الايديولوجية لدى التفكير بالمستقبل.