اللغة وسيلة اتصال بين البشر، وهي اداة للاشارة الى شيء.. وشأنها شأن اي كائن اجتماعي، فهي ترتقي إذا ارتقى المجتمع، وتهبط إذا هبط. يقول ابو العلاء المعري: "فما لي لا اقول ولي لسان/ وقد نطق الزمان بلا لسان". إذا كان الزمان ينطق فالاحرى بالبشر ان ينطقوا، ولكن النطق البشري قد يجر وراءه الصراحة، وهذه الصراحة يمكن ان تجر خلفها متاعب كثيرة، وقديما قال المثل الشعبي "من غربل الناس نخلوه" ونحن ننوي الحديث عن لغة العصر، وربما اغضب هذا العصر.. وربما اغضب رجاله ولكن الامر يستحق المغامرة. وللعلم هذه الكلمة هي مجموعة ملاحظات حاولت تجاهلها ولكنني رأيتها تكبر وتزيد فكان لا بد من التحرك. كنت مسافراً مع زوجتي وشقيقتها الصغرى حين لاحظت ان هذه الشقيقة عصبية المزاج، وتردد كلمة تقول فيها - ايه العوق ده؟ كانت تردد الكلمة كلما صادفتنا مشكلة، وبحثت في ذاكرتي عن معنى كلمة العوأ هكذا تنطقها فلم اعرف المعنى وقلت لها - العوأ ده كلمة عربي؟ قالت: طبعا.. سألتها - ما الذي تعنيه بها قالت: معناها الفوضى والاهمال والغباوة.. معناها شتيمه وازعجني ذلك واردت ان احتج على استعمالها الكلمة ولكنني راجعت نفسي ولم اقل شيئا. ولكن هذه الكلمة لفتت انتباهي بعد ذلك لكلمات تؤكد ان عصرنا قد اخترع كلمات جديدة تعبر عن حاجاته بشكل افضل من كلمات العصور الماضية. وبدأت أتتبع الظاهرة في مجال الشباب. اكتشفت ان هناك كلمات جديدة يستعملها الشباب.. كلمة زونبه مثلا سمعتها للمرة الاولى تتطاير في حديث جرى بين حفنة من الموظفين البيروقراطيين وكانوا يتحدثون عن زونبه وجهها أحد الموظفين لرئيسه المباشر ووصلت اخبارها الى الرئيس الاعلى.. كان الموظفون يضحكون.. ولم اشترك في الضحك لانني لم اعرف ما هي الزونبه وسألت عن معناها، فقيل لي هي مرادف لكلمة المقلب الذي يوجهه المرؤوس لرئيسه.. ثم زادت الكلمات المستخدمة بين الناس.. كلمة اخلع.. وتعني اهرب من الموضوع كله، وكلمة احلق له، وتعني دبر له مقلباً في الخفاء وكلمة "روش" ومعناها صاحب مزاج في مجال النقود.. استحدثت لغة جديدة للاشارة الى النقد.. اصبح الجنيه يسمى قرشاً، أما الخمسة جنيهات فقد اخذت اسماً جديداً هو الشلن أما العشرة جنيهات فصار اسمها بريزه. واستقرت هذه الاسماء حتى قبل تعويم الجنيه، ولا نعرف الاسماء الجديدة التي ستظهر بعد تعويمه. ولما كانت اللغة هي مرآة المجتمع، وهي تظهر ما فيه كما تظهر المرآة صورة الشخص فهذا يعني ان ترتقي اللغة إذا ارتقى المجتمع وتنحط إذا انحط. وتسللت الكلمات الجديدة الخشنة الى الاغاني، وكان عبدالعزيز محمود اول من غنى ما سماه "شبشب الهنا" وكانت الاغنية تقول "يا شبشب الهنا يا ريتني كنت أنا". وهكذا تحول العاشق في اغاني الحب الى نعل يرتديه المعشوق، ومر هذا السقوط من دون ان يستوقف احداً لمناقشته او الاحتجاج عليه. ومر الوقت وسمعنا عن اغنية تقول - السح الدح امبوه.. ادي الواد لأبوه. وكانت لونًا من الوان اللامعقول في الاغاني، ومثالها اغنية "الطشت قال لي يا حلوه يا للى قومي استحمي".. وهكذا تحول العاشق الى شبشب يتمنى ان ترتديه الحبيبة، وتحولت الحبيبة الى عروس حلوه ولكنها تحتاج الى حمام لتنظيفها. قارن بين هذه الاغاني واغنية أم كلثوم التي تقول: أغار من نسمة الجنوب، على محياك يا حبيبي وأحسد الزهر حين يهفو على شفا جدول رطيب أو اغنيتها التي تقول "سكوت وسكون.. وايه حيكون.. ما فيش غير القمر طالع ولا غير النجوم ناظرين"، حتى تنتهي الى قولها "ولا ذنب يتعد علينا.." كانت الاغاني القديمة تشف بالنقاء والبراءة.. ثم اكتسحت جحافل الكلمات الخشنة كل شيء.. وصلت الى الاغاني ووصلت الى اسماء المسرحيات والافلام ووصلت الى الحوار المتبادل بين الافراد في الحياة اليومية.. "الواد بليه ودماغه العاليا".. هذا اسم مسرحية.. من اسماء المسرحيات التي وصلت اليها البهدلة مسرحية "رقصني يا.." ومسرحية "طرائيعو".. ومسرحية "دو ري مي فاصوليا".. واسماء اخرى اشد خشونة وأعجب. وفي مجال الفخر بانجازات الانسان شاعت في مصر مقولة تقول "احنا اللي خرمنا التعريفة" واخرى تقول "احنا اللي دهنا الهوا دوكو". وليس خرم التعريفة بالانجاز الذي يذكر في باب الفخر، كما أن دهان الهواء بالدوكو عمل لا جدوى منه وستسبقنا فيه الصين لا محالة.