لعل أكثر ما يشوه محاولات الإصلاح في الأقطار العربية هو اعتقاد بعض النخب والحكومات بأن مجرد التفوه بالبدء في الإصلاح قد يكفي لحدوث المأمول، وذلك بغض النظر عن حقيقة هذا الإصلاح ومكنوناته. ولذا فقد انطوت معظم هذه المحاولات على التجاهل المتعمد لبعض الفئات والقوى السياسية واعتبارها غير شريكة في عملية الإصلاح، وهو ما يلقي بشكوك - مشروعة - في جدية هذه المحاولات الإصلاحية ومدى صدقيتها. ولا جدال في أن حاجز عدم الثقة بين مختلف القوى السياسية داخل النظم العربية لعب دوراً كبيراً في تحديد مفردات هذه الانتقائية، وساهم في شكل قوي في تجذرها واستمراريتها على هذا النحو. وهو ما قد يرجع عموماً إلى مأزق العلاقة بين النخب الحاكمة وقوى المعارضة السياسية في العالم العربي، ويعبر عن استمرار هيمنة الفكر الفئوي على حساب المصلحة الوطنية في نظر معظم القوى السياسية العربية. وواقع الأمر، فإنه من الصعب إلقاء اللوم على النخب العربية الحاكمة وحدها في الوصول إلى هذه الحال، بل ان قوى المعارضة ساهمت في زيادة رصيد عدم الثقة والشك لدى النظم الحاكمة، وذلك إما بمنطقها التفكيري أو بمنهجها التعبيري، ولذا فليس مستغرباً أن تأخذ العلاقة بين الطرفين شكل المباراة الصفرية، وصعوبة الوصول الى الحلول الوسطية. وتتضح هذه المفارقة في شكل جلي عند اختبار العلاقة بين القوى الإسلامية - باعتبارها احدى قوى المعارضة السياسية - والنظم العربية والتي غالباً ما اتسمت بالندية والتقليل من شأن الأخر، ما جعل من أي محاولة لجسر الخلافات بينهما أشبه بالمستحيلة. وينطبق هذا القول في شكل أكثر تفصيلاً على محاولات الحزب الوطني الحاكم في مصر تجاهل حركة الاخوان المسلمين واستثنائها من دائرة الحوار الوطني التي دشنها الحزب عشية انتهاء مؤتمره السنوي الأول أواخر ايلول سبتمبر الماضي. فبينما بدأ الحزب حواراً جدياً بدافع الانفتاح الداخلي على بعض قوى المعارضة كحزب التجمع والحزب العربي الناصري، والإعلان عن المضي قدماً في الحوار مع بقية أحزاب المعارضة، رفض الحزب ضم الإخوان الى قائمة المتحاورين، ولو في مرحلة لاحقة، وذلك انطلاقاً من عدم اعترافه بالحركة أصلاً. ويعكس هذا الموقف الكثير من حال القوى السياسية الإسلامية في البلدان العربية التي غالباًَ ما تتعرض للنبذ والتجاهل في المناسبات الوطنية باعتبارها تعمل خارج إطار الشرعية السياسية، تلك التي تتحدد وفقاً لرغبة النخب الحاكمة ورؤيتها. وتفرز الخبرة التاريخية بين الطرفين حقيقة مهمة مفادها فشل النظم العربية في احتواء الظاهرة الإسلامية ككل شكلاً ومضموناً، وعدم قدرتها على استيعاب مشاعر المعبرين عنها، وذلك إما بدافع الخوف من التعاطف الشعبي مع ذويها، وبالتالي زيادة صيتهم ودورهم على حساب ذوي السلطة، كما هي الحال في مصر، وإما للرغبة في وأد أي محاولة قد تنال من الشكل الفئوي للحكم وذلك على غرار ما حدث في الجزائر أوائل تسعينات القرن الماضي. وربما تعود حال الشك وعدم الثقة بين طرفي العلاقة السلطة والقوى الإسلامية وبالتالي استمرار توترها، إلى انتهاج كل منهما أسلوب إما الأبيض أو الأسود فإما الفوز بالسلطة أو خسارتها، وأي مكسب لأحد الطرفين يعني بالأكيد الخسارة للطرف الآخر، أو هكذا فهمت العلاقة النفسية لدى الطرفين. وواقع الأمر فإن كلا الطرفين ساهم بشكل أو بآخر في توتر العلاقة وتأجيج درجة الخلاف مع الطرف الآخر، لتضحي الفوارق الفاصلة أعلى من القواسم المشتركة، وفي حين كان الاستعمار سبباً رئيساً في توحيد جهود الحركات الإسلامية مع بقية الاتجاهات في المجتمع، فتغلبت النزعة القومية على نظيرتها الأحادية، أصبح شكل المجتمع المرغوب في إقامته بعد الاستقلال هو عنصر الاختلاف الرئيس بين تلك الحركات من جهة وبين من اعتلوا كراسي السلطة بعد الاستقلال من جهة أخرى، وهو اختلاف ليس في الرؤية فقط ولكن في المنهج أيضاً. وتعود أزمة الثقة بين الطرفين الى حزمتين من العوامل، الأولى منها منهجية تتعلق بطبيعة النظم التي حكمت الدول العربية غداة الاستقلال ورصيد تجاربها مع القوى الإسلامية، والأخرى فكرية تتعلق بطبيعة الحركات الإسلامية ذاتها ونظرتها الكلية الى المجتمع، وبالتالي منطق تعاملها مع الآخر السياسي. ويأتي في مقدم العوامل المنهجية تلك الرؤية الفئوية التي سيطرت على تفكير النخب العربية وأدت بها إلى إغلاق دائرة النفوذ السياسي على فئة بعينها، مع وجود صعوبة للحراك المجتمعي قد ينتج منها أي تبدل في المناصب أو تغير للشخصيات. وثانياً أسلوب القمع والقهر الذي اتبعته غالبية النظم العربية في التعامل مع الحركات الإسلامية بداية من الحقبة الناصرية وانتهاء بالحال الجزائرية. وثالثاً تلكؤ النخب العربية في العبور بشعوبها نحو ترسيخ مبادئ الديموقراطية والشفافية وما ينطوي عليه ذلك من حفظ الحق في التعبير والاختيار، وذلك تحججاً بتحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية، فلا حققت هذا ولا طالت ذاك، وهو ما ولد شعوراً بالغبن وفقدان الأمل في الإصلاح لدى مختلف الشرائح ومنها - بالطبع - الحركات الإسلامية. أما آخر هذه العوامل فهو فشل الأيديولوجيات المتهالكة التي اتبعتها معظم النظم العربية في احتواء مشاعر الأفراد، وانفصالها عن محتواهم الفكري وأنساقهم الثقافية، وفي الوقت نفسه توجس هذه النظم من مجرد الاقتراب من النهج الإسلامي - المعتدل - في نظام الحكم لأسباب أخرى عدة ليس محلها الآن. اما حزمة العوامل التي ساهمت من خلالها الحركات الإسلامية بمختلف أطيافها وألوانها في تعميق أزمة الثقة مع نخبها الحاكمة فيأتي على رأسها النظرة الواحدية لتلك القوى الى ما ينبغي أن يكون عليه شكل نظام الحكم، إذ ترى تلك الحركات أن نظام الحكم الإسلامي بمختلف عناصره هو النموذج الأمثل للحكم، ومن دونه يصبح كل شكل آخر للحكم بمثابة ابتعاد عن الدين وأسسه، وهي النظرة التي أدت إلى خروج العديد من الحركات المتشددة من تحت عباءة الحركات المعتدلة التي يأتي في مقدمها جماعة "الإخوان المسلمون" ذات النهج الإصلاحي المتدرج والمتأني. وثاني هذه العوامل هو اعتناق المنهج العنيف المتشدد لدى بعض الحركات الإسلامية ما شوه كثيراً في صورتها لدى مختلف فئات المجتمع، وهو ما استغلته النخب الحاكمة جيداً لزيادة تشويه هذه الصورة وتضييق الخناق على هذه الحركات، وهي في ذلك لم تفرق بين متشدد ومعتدل فكل ما هو إسلامي في نظرها سواء. وثالثاً عدم وضوح الرؤية السياسية لدى البعض من هذه الحركات، وذلك على النحو الذي قد يُكسبها المزيد من التعاطف المجتمعي، بخاصة بعدما دفع تهور بعضها لوصم الكل بمثالب الجزء. أما رابع هذه العوامل فيتعلق بحال الجمود الفكري الذي أصاب بعض هذه الحركات، ودفعها للتمسك بالنصوص الدينية كما هي، ما ترتب عليه الوقوع في إشكالية العلاقة بين النص والاجتهاد بخاصة في القضايا المتعلقة بكيفية الجمع بين الأصالة والمعاصرة والتراث والتحديث، وهو ما زاد من ضعف الصورة الذهنية الدينية التي قد تعتنقها الفئات الشعبية بما فيها الفئة النخبوية وتشتتها، وهي قضية هيكلية في فكر غالبية تلك الحركات تستوجب الوقوف والتريث. بيد أن النظم العربية تتحمل الجزء الأكبر في فشل احتواء الظاهرة الإسلامية، شأنها في ذلك شأن فشلها في احتواء أي اتجاه فكري مخالف لها في التوجهات والرؤى، وذلك انطلاقاً من الرغبة في بقاء الحال على ما هي عليه، إذ ما زال مفهوم التضحية بالمنصب من أجل الإصلاح بعيداً عن أذهان الكثيرين. في الوقت نفسه تواجه الحركات والقوى الإسلامية - المعتدلة - تحديات جادة زادت حدتها بعد أحداث ايلول سبتمبر التي لم تفرق بين معتدل ومتطرف، ووحدت النظرة الى كل ما هو إسلامي باعتباره منبع رعب وإرهاب للآمنين. ولذا فقد باتت الحركات ذات التوجه الإسلامي التي استطاعت الوصول الى منصة الحكم كما هي الحال في المغرب، أو على الأقل الاقتراب من دائرتها كما هي الحال في الكويت واليمن، في وضع صعب يفرض عليها مرونة أكثر وانفتاحاً أكبر على المستويين الداخلي والخارجي. وكي يصبح للإصلاح العربي المنشود مغزى ومعنى يجب التخلص من عقدة الآخر "الداخلي". * كاتب مصري