تظاهر الارجنتينيون الشهر الماضي احتجاجاً على البؤس الذي لا يزالون يعانون منه في وقت عبّر رئيسهم ادواردو دوالدي عن ارتياحه لقرار صندوق النقد الدولي السماح موقتاً لبلاده بإعادة جدولة بعض ديونها العامة مع الهيئات المتعددة الاطراف. ويترك هذا القرار الباب مفتوحاً أمام هذا البلد الاميركي اللاتيني لاعادة برمجة مديونيته العامة مع صندوق النقد والبنك الدوليين والبنك الاميركي للتنمية والتي تستحق الدفع بين كانون الثاني يناير الجاري وآب اغسطس 2003 والتي تبلغ بمجملها حوالي8850 مليون دولار. وتوقع دوالدي ان تشهد السنة الجديدة زيادة بنسبة تراوح بين اثنين وأربعة في المئة. واذا كان الارجنتينيون يعترفون بحبهم للمبالغة، فان ذلك يبدو انه ينطبق أساساً على رئيسهم. فقبل عام فقط، وتحديداً في العشرين من كانون الاول ديسمبر 2001، كانت بوينس ايرس تشهد ما يشبه الذي تعيشه كاراكاس اليوم. متظاهرون وشرطة تفرقهم، حتى ان الرئيس فرناندو دي لا روا اضطر الى مغادرة القصر الرئاسي "البيت الوردي" بمروحية. نهب المتظاهرون المحلات التجارية وتكهن المحللون بأزمة اجتماعية لن يكون ممكناً وقفها. مات العشرات وجرح المئات واعتقل الآلاف. وشهدت البلاد في غضون اسابيع قليلة تغيير خمسة رؤساء وتعليق دفع أقساط الديون وخفض قيمة العملة البيسو. وفي وقت من الاوقات بدا كأن الشعب سيمسك بزمام الامور، اذ كان الشعار السائد في التظاهرات: "فليرحلوا جميعاً" في اشارة الى السياسيين والقضاة وكل من يمثل السلطة التي يعتبرونها فاسدة. وساد اجماع على ان طبقة المسؤولين في السياسة والحكم والشركات والنقابات فشلت في مهمتها. وخلال العام المنصرم لم تشهد الأمور تحسناً، اذ خسر العامل، مثلاً، اكثر من 50 في المئة من قدرته الشرائية. لكن ذلك لم يحل دون توقع دوالدي، الذي وصل الى الحكم من طريق التعيين في مجلس النواب، في نيسان ابريل الماضي ان التاسع من تموز يوليو الماضي سيكون موعد احتفال الارجنتين بنهاية الركود الاقتصادي المستمر منذ اكثر من ثلاث سنوات. فيما كان المحللون والخبراء الماليون يتوقعون زيادة نسبة التضخم وانخفاض سعر العملة وارتفاع نسبة الفقراء في شكل مرعب وانهيار الاقتصاد تماماً. وحتى الآن لا يبدو ان اياً من هاتين "النبوءتين" تحققت. فبعد عام على بدء الازمة التي دفعت البعض الى الاعتقاد بأنها بداية ثورة عارمة، لا تزال الارجنتين تعيش اجواء الارتياب والغموض الذي يلف مصيرها ومستقبلها، ولم تستعد الامل الذي كانت فقدته ولا الحلم الذي حاكته ولا الواقع الذي تحدث عنه رئيسها في الربيع الماضي. ومن غرائب الامور ان تكون الارجنتين على رأس مصدري الزيوت في العالم وثالث البلدان انتاجاً للحبوب ورابعها في بيع اللحوم نعجة واحدة واكثر من بقرة لكل أرجنتيني في وقت يموت شعبها جوعاً. وخلال اقل من قرن انتقل هذا البلد الاميركي اللاتيني من مرحلة الغنى حيث كانت نسبة السكان الذين يملكون السيارات اعلى من تلك الموجودة في فرنسا وكان ينافس الولاياتالمتحدة في استقبال المهاجرين والمفكرين نظراً الى ارتفاع مستوى الحياة فيه، الى مرحلة الفقر المدقع. ما من احد يعرف مصير اموال الخصخصة التي حصلت عليها الحكومات الارجنتينية التي توالت على الحكم والبالغة نحو اربعة بلايين دولار. اما ما هو معروف فهو كلفة تخصيص شركات النفط والهاتف والكهرباء والطيران التي بلغت قيمتها بليوني دولار والتي يعتقد الخبراء انها اصبحت في حسابات بعض رجال السياسة والحكم. وأصبحت المستندات الموجودة في حوزة لجنة تابعة لمجلس الشيوخ الاميركي تتولى التحقيق في تبييض الاموال في الارجنتين تشغل 26 صندوقاً. ويشير أحد هذه التقارير الى ان المصرف المكزي الأرجنتيني حوّل الى محميات ضريبية ما قيمته 4500 مليون دولار بين عامي 1992 و1999 عبر عمليات دخلت فيها مصارف ارجنتينية واميركية بينها "فيديرال بنك اوف باهاماس" الذي يملكه المصرفي راوول مونيتا الصديق الشخصي للرئيس السابق كارلوس منعم. فيما يؤكد تقرير آخر ان مدعي عام الدولة يملك حساباً سرياً في احدى مصارف نيويورك. وحوكم منعم بتهمة الفساد كما يحاكم الوزير دومنغو كافايو المقيم في الولاياتالمتحدة والذي احتل وزارة الاقتصاد عهوداً عدة، بالاثراء غير المشروع لدى تبديل سندات الخزينة الخاصة بالمديونية العامة. حالات الفساد كثيرة جداً وكل الارجنتينيين يعرفونها. وهم فقدوا ثقتهم بالقيّمين على ادارة بلادهم وبعملتهم على حد سواء. فمنذ انشئ المصرف المركزي عام 1935 تغيرت النقود اربع مرات. كان "البيسو" آنذاك يمثل عملة البلاد الوطنية القوية، فيما تبلغ قيمته اليوم 10 بلايين مرة اقل. مشكلة الارجنتين سياسية اكثر منها اقتصادية. وتلزم هذا البلد اصلاحات في صميم الدولة. اذ ان نظام المشاركة الفيديرالية لم يتغير كما لم يشهد النظام الضرائبي اي عمليات تحديث. فقد كان هذا البلد الاميركي الجنوبي في الأعوام ال15 الماضية اكثر بلدان اميركا اللاتينية "اخلاصاً" في تطبيق توصيات صندوق النقد الدولي، بعدما انهكت قواه ديكتاتورية عسكرية كادت تقضي عليه. اتبع الليبيرالية الجديدة وجرى التداول في اسواقه بالاموال من دون قيد او نظام كما شُرع تحويل الاموال الى الخارج واستيراد البضائع من دون اي قيود. وأصبحت علاقات العمالة اكثر مرونة من دون اخذ الاحتياطات اللازمة في شأن ملايين العمال الذين باتوا عاطلين من العمل من دون اي تعويض. وخصخصت الدولة كل الشركات والخدمات الحكومية ما خلق احتكاراً في الاسعار. وتسبب ذلك كله بالقضاء على الصناعة الوطنية التي لم تعد قادرة من منافسة تلك التي تأتي من بلدان يدها العاملة رخيصة او تقنيتها مرتفعة، فأقفلت المعامل ابوابها وطردت العمال ما اسفر عن ارتفاع البطالة ثم الفقر فالتهميش فالعنف فعدم الاندماج الاجتماعي والعائلي. وتأثرت الارجنتين ايضاً بفقر جيرانها فانخفضت نسبة التصدير منها وارتفعت مديونيتها في شكل كبير وزاد عدد الاغنياء والمحتكرين فيما شهدت نسبة الفقراء ارتفاعاً مذهلاً بلغت نسبته أكثر من 400 في المئة في وقت تسيطر اقلية من المواطنين على أكثر من 160 الف مليون دولار خارج البلاد، علماً ان الانتاج المحلي للارجنتين يبلغ 120 الف مليون دولار فقط. ان نجاح تشيلي في مسيرتها الاصلاحية وما تعاني منه المكسيك والبرازيل وفنزويلا والارجنتين يترك امثولتين. الاولى: ان غنى البلدان لا يكون فقط بثرواتها وطاقاتها الطبيعية بل في تطبيق النظريات السياسية والاقتصادية والادارية في شكل صحيح. والثانية تكمن في اقناع هذه الدول وشعوبها بعدم وجود طريقة نمو اخرى غير تلك التي اتبعتها الدول التي اصبحت غنية اليوم. وحلول مشكلة الفقر عالمية. انها نفسها في كل الحضارات. واهم اسباب الفقر في العالم الثالث واحدة: قمع الدولة للمبادرات الفردية. اليوم يحاول من حوكم بتهمة الفساد العودة الى الحكم عن الحزب البيروني، وربما سيتحول شعار "فليرحلوا جميعاً" الى "فليعودوا جميعاً" في انتخابات 27 نيسان ابريل المقبل، والتي لا تضع استطلاعات الرأي الرئيس السابق كارلوس منعم في مكان سيء فيها. سمعة الحكام الحاليين لا تقل سوءاً عن سابقيهم، فوزير الانتاج الحالي في الارجنتين شتم زملاءه لدى حديثه عن الاطفال الذين يموتون جوعاً، فقال متأثراً انهم "أبناء زانيات". اما رئيس الاوروغواي خورخي باتلي فأخطأ مرة بعد انتهاء مؤتمر صحافي عندما اعتقد ان التسجيل توقف فباح برأيه بتهذيب اكثر، وقال: "ان حكام الارجنتين زمرة لصوص" ما كلفه اعتذاراً شخصياً لرئيس البلاد وشعبه. الازمة الارجنتينية في حاجة الى مسيرة نزاهة وتحديث وتكامل بين ما هو سياسي واقتصادي واجتماعي. فالحياة تستمر اما ايديولوجية الليبيرالية الجديدة التي فُرضت على بلدان اميركا اللاتينية فأثبتت عدم جدواها ويجدر تبديلها بسياسة اخرى تتكامل مع متطلبات المجتمع. دوالدي يبحث اليوم عن 25 الف مليون دولار لانقاذ بلاده بعدما جرب كل انواع السياسات الاقتصادية التي جرّته الى مواجهة حتى مع المحكمة الارجنتينية العليا وكادت تقضي في احدى المراحل على خزينة البلاد وتدفع الارجنتين الى اعلان افلاسها.