تحمل مهلة الاسابيع او الاشهر القليلة التي منحتها واشنطن للعراق، بالنسبة الى القضية الفلسطينية، القدر نفسه من الاهمية التي حملها لها موعد 11 ايلول. ولو بذل الفلسطينيون اقصى درجات الجهد ومارسوا اكبر قدر من العقلانية، فلا يتوقع ان يجدوا انفسهم خلال هذه المهلة التي تسبق العاصفة سوى بين خيار الاحتفاظ بما تبقى، وهو قليل، وبين التهميش الكامل لو نشبت الحرب الموعودة. لم يسبق لموعد مهما كانت خطورته ان فعل بقضية فلسطين فعل 11 ايلول. فالتاريخ المذكور لا يسجل فقط في السجل الاسود لتنظيم "القاعدة" باعتباره اعتداء على مدنيين تسبب في انبعاث امبراطورية لن تتردد في حروب وقائية وأضر بالعرب والمسلمين، بل يسجل ايضاً بصفته المتسبب بأكبر ضربة تنزل بالانجازات الضئيلة التي انتزعها الفلسطينيون بالدم والتضحيات، بعدما أتاح اطلاق يد شارون وتقديم اتفاق اوسلو لقمة سائغة. مأساة الفلسطينيين انهم لا ينتهون من فصل وموعد حتى يبدأ فصل وموعد آخر. ففي الفترة المتبقية الفاصلة عن الضربة المتوقعة لصدام، ليس امامهم سوى الترقب ومعايشة الخطر. اذ ان نظرة هادئة الى الوضع الذي وصلت اليه السلطة تثير احباطاً ويأساً، لا يكفي للخروج منهما لقاء بوش ونبيل شعث، سواء كان مصافحة عابرة ام اجتماعاً استغرق عشر دقائق. فواضح ان اولوية قائد الحملة على الارهاب هي العراق، وان سياق التطورات المتعلقة بهذا الملف لا يسمح للسلطة الفلسطينية بترميم رجليها المحطمتين خصوصاً ان "الرؤية" التي اعلنها سيد البيت الابيض قبل ثلاثة اشهر لا تزال مفتقدة الى الاطار والجدول والتفاصيل، الامر الذي يسمح لشارون بالافادة من اللاشكل الذي تعانيه السلطة حالياً بغية الاجهاز على العملية السلمية ووضع رؤاه الاستراتيجية موضع التنفيذ ايضاً. يدرك الفلسطينيون حتماً ان المهلة التي اعطاها بوش للعراق كي يقبل عودة المفتشين بلا شروط، هي ايضاً مهلة لهم ليفكروا بما يمكن ان يفعلوه اثناءها وفيما لو نشبت الحرب وانفتحت معها ابواب جهنم، بحسب مبالغات السيد عمرو موسى. وتبدو استقالة الحكومة الفلسطينية واعلان موعد للانتخابات خطوة جدية تدل الى مدى شعور الفلسطينيين بالخطر وبالحاجة الى تجديد آلياتهم السياسية وإثبات كفايتهم في ادارة شؤونهم. لكن الخطوة تأتي في الوقت الضائع وقد لا تفي بمتطلبات مرحلة بات يعلو فيها صوت الحسم العسكري ضد نظام صدام، وسيرى شارون فيها حتماً فرصة لتتويج تملصه من اي التزام سياسي او اخلاقي تجاه الفلسطينيين. وليس صدفة ان يعلن دفن اتفاق اوسلو بالتوازي مع نزع جنسية احد فلسطينيي ال48. انه واقع سوداوي. نعم. لم يبق معه للفلسطينيين سوى التمسك بوحدتهم الوطنية وبذل الجهد لحصر الاضرار الناجمة عن تحالف شارون - بوش والحد من تهميش قضيتهم الناجم عن انشغال العالم بمصير نظام صدام ومستقبل المنطقة. وهي هذه الوحدة التي يفترض ان تبقيهم على قيد الحياة ليطالبوا الاميركيين بالوعد الذي قطعوه. فخيار السلاح والانتحار فشل مثلما اصطدمت الدعوات الى تمييز المقاومة عن الارهاب وعدم الكيل بمكيالين بالحائط المسدود. فهل سيتمكن الفلسطينيون من التعايش مع واقعهم الأليم وتجاوز مرحلة الخطر ليستطيعوا المطالبة بالوعد على الأقل؟ ام ان اليأس سيدفع شارعهم عند الطلقة الاولى الى تكرار الخطأ وتوزيع حلوى نزلت يومي اجتياح الكويت وضرب برجي التجارة علقماً في حلق قضيتهم؟