الدعوة التي تلقيتها من وزارة التعليم العالي في سلطنة عمان لإحياء عدد من الأمسيات الشعرية في العاصمة مسقط ومدينتي الرستاق وصحار كانت مناسبة حقيقية للتعرف على أول لقاءٍ للشمس في بقعة من بقاع العرب، وفق ما يحلو للعمانيين أن يفاخروا به. ذلك أن القرن الذي تحتله عمان عند الزاوية الشرقيةالجنوبية للجزيرة العربية يتقدم كالطعنة باتجاه الشرق ثم يتمدد غرباً باتجاه طولي ليشكل مع اليمن زنَّار الرمل والصخر والجبال الذي يفصل بين المملكة العربية السعودية وبين المحيط الهادئ. كانت عمان، بالنسبة إلي على الأقل، هي البقعة الأكثر غموضاً من بين دول الخليج الست. وما كنت أعرفه عنها في صباي لم يكن يتعدى تصورات شديدة الإبهام عن الثورة التي اشتعلت في جبال ظفار وتضاريسها القاسية في مطالع السبعينات قبل أن تضيع طلقاتهم البعيدة وأشلاء صرخاتهم الممزقة في هباء النسيان. اضافة بالطبع الى الخناجر المعقوفة والمزركشة التي تتوسط قامات الرجال العمانيين حتى لتبدو وكأنها رديفة أجسادهم منذ بدء الخليقة. لم يكن الشعر وحده إذاً هو الدافع الوحيد لتلبية الدعوة، بل فضول الاصغاء الى نداء الأقاصي والوقوف بالعين المجردة على بوابة المشرق العربي المشرَّعة على العزلة والصمت وأنين الأيام. ومع ان الرحلة نفسها كانت من القصر بما لا يسمح بالتعرف الحقيقي الى معالم تلك البلاد المترامية، والتي يربو طول شواطئها على الألف والسبعمئة كيلومتر، الا انها كانت غنية بالرؤى والمشاهدات التي تضافر على صنعها التاريخ الطاعن في قدمه والجغرافيا الممعنة في تنوعها الهندسي. الأمسيات الشعرية الثلاث التي أقمناها هناك، عز الدين المناصرة من فلسطين وزاهر الغافري من عمان وأنا من لبنان، جرت في ثلاث ولايات مختلفة. أولى الأمسيات أقيمت في قاعة المحاضرات التابعة لكلية التربية في مدينة الرستاق، على بعد مئة كيلومتر شمال مسقط. الحضور الذي ناهز الألف كان أنثوياً بامتياز نظراً لكون الكلية غير مختلطة. وباستثناء عميد الكلية وبعض أساتذتها، لم يكن هناك قبالة المنصة سوى حشد من الفتيات الملفعات بالعباءات السود اللواتي لم تتح لهن إلا نادراً فرصة اللقاء المباشر مع شعراء من خارج السلطنة. كان علينا بالطبع ان نبذل جهوداً غير قليلة لكي نفلح في ازالة الحواجز بين ذائقة ذلك الحشد المعتاد على ايقاع القصيدة الخليلية وبين القصيدة الجديدة التي لا تزال تكافح بمرارة في ذلك الركن القصي من جزيرة العرب لانتزاع حقها في الوجود والانتشار. مدركاً هذه الحقيقة، أسرَّ أحد الأساتذة في آذاننا بضرورة الابتعاد من القصائد الصعبة والمعقدة أو من تلك التي تنافي "الحشمة" وتخدش الحياء. لم نجد تبعاً لذلك بداً من النبش في خرائب المجموعات الأولى والقديمة بحثاً عما يمكن أن يخرجنا من المأزق. عز الدين المناصرة قرأ "جفرا" و"بالأخضر كفناه" وغيرهما من القصائد المغناة، ثم عمد هو نفسه الى الترخيم الصوتي والتلاوة الغنائية التي أسهمت في تضييق الهوة بين طرفي القاعة. أما الشاعر العماني زاهر الغافري فبذل جهداً موازياً في تنغيم قصائده النثرية المكثفة والقصيرة بما يمكنه من تخفيف الأضرار. الوضع نفسه تقريباً تكرر في كلية التربية في ولاية صحار التي كانت بعكس الأولى ذكورية تماماً. ولأن الأمسية تمت في المساء هذه المرة، فقد كان الحشد أقل كثافة والمناخ أكثر ملاءمة وهدوءاً. ليلتنا الثانية قضيناها في فندق صحار الهادئ والفسيح. ذلك الفندق الدائري ذو الجدران السميكة كان في ما مضى واحداً من الحصون المنيعة التي شيدت منذ قرون بهدف الدفاع عن مدينة صحار الساحلية في وجه الغزاة وقراصنة البحر. ونظراً لموقعه المميز وغير البعيد من مدن الامارات العربية المتحدة فقد أصبح محطة مهمة للسياح القادمين من الشمال باتجاه مسقط وصور ونزوى وصلالة وغيرها من الحواضر العمانية المترامية. في الصباح الذي تلا غادرنا الى مسقط قاطعين شريطاً من الخضرة الساحرة المشرَّبة بالأصفر والأحمر والوردي تبعاً لأنواع الأشجار والشتول التي تبدو بهندستها الدقيقة وألوانها المتناغمة وكأنها لوحة مرسومة باليد. وفي الوقت الفاصل بين الأمسية الثالثة والأخيرة في النادي الثقافي آثر الصديق القاص يحيى المنزري، مرافقنا الرقيق والودود خلال أيام الرحلة الخمسة، أن يعرفنا على مسقط. كان لا بد لنا قبل ذلك من أن نزور مدينة الإعلام التي يقبع الشاعر الصديق سيف الرحبي في أحد مبانيها الصغيرة والأنيقة بصفته رئيساً لتحرير مجلة "نزوى". كان سيف بشوشاً وأنيساً كعادته حين نلتقيه في المهرجانات والمحافل الثقافية العربية. قال انه وهو الرحالة الدائم أجَّل سفره الى الامارات لكي يقوم باستقبالنا في "عرينه" العماني. ولأنه يؤثر قراءة الشعر على انشاده فقد اعتذر عن عدم حضور الأمسية الشعرية، مفضلاً أن نكمل السهرة على مائدته في أحد الفنادق. في الوقت الفاصل عن الأمسية ارتأينا ان نجوب أنحاء المدينة التي يندلق شمالها فوق منبسط سهلي واسع، فيما الهضاب المتقابلة تضيِّق الخناق على جنوبها الذي يتمدد طولياً على مسافة عشرات الكيلومترات لينتهي عند مسقط القديمة. وتحت قمرٍ عمانيٍّ مكتمل الاستدارة أمكننا أن نرى التاريخ برمَّته وهو يتخذ شكل القلاع والحصون ويرمق البحر المقابل بعين الحذر والتوجس. الأمسية الأخيرة في النادي الثقافي كانت أفضل الأمسيات الثلاث، لأن حضورها كان يضم حشداً من المهتمين والنخب المثقفة ومتذوقي الشعر. وقد استطعنا هذه المرة ان نتنفس الصعداء وأن نقرأ بارتياح بالغ أفضل ما أنجزناه في تجاربنا الأخيرة. لم يكن بمستطاعنا في اليوم الأخير الذهاب الى صور العمانية التي أصر الأصدقاء العمانيون على أنها أعرق في التاريخ من صور الأخرى، مدينتي في الجنوباللبناني. ذلك ان عاصمة الساحل العماني الشرقي تبعد من مسقط مسافة ثلاثمئة وخمسين كيلومتراً. ولا كان بالمستطاع الوصول الى صلالة الواقعة في أقصى الغرب على بعد ألف كيلومتر ونيف. لذلك أصر سيف الرحبي على أن نشاهد نزوى التي لا يحتاج الوصول اليها الى أكثر من ساعتين اثنتين. على الطريق أمكننا أن نرى الجبل الأخضر ذا التضاريس المسننة والفريدة وهو يعقد عبر قممه التي تناهز الثلاثة آلاف متر حلفاً لا تنفصم عراه مع الشمس والريح والغبار. وأن نرى واحات النخيل التي تؤلف جزراً متناثرة من الخضرة والماء وسط تلك المتاهات الأرضية المثخنة بالعزلة والرمل وشوك الصحراء. أما نزوى نفسها فلم تكن سوى رقعة من النخيل والأبنية الخفيضة الداكنة والملتفة في شكل دائري حول القلعة الهائلة التي بناها الامام سلطان بن مالك اليعربي قبل أربعة قرون. وقد مكنته قلعته تلك من حراسة الداخل العماني والصمود في وجه الزحف البرتغالي القادم من جهة البحر. الأيام الخمسة التي قضيناها في عمان لم تكن كافية في أي وجه للتعرف على تلك البلاد الغنية بالتضاريس. الناس هناك بشوشون وطيبون، لكن قسمات وجوههم تشي بحزن غامض وقلق دائم من المجهول. صحيح انهم يمتلكون عاصمة أنيقة وفسيحة يذكِّر بياض أبنيتها ببياض تونس وطرازها المعماري، لكنهم ما إن يبتعدوا قليلاً خارج العاصمة حتى تبتلعهم رمال الصحراء وتتحول قراهم المتباعدة الى نقاط صغيرة مهددة بالامحاء والتلاشي في فضاء العزلات الشاسع. انهم محشورون في الوسط بين ربع الشمال الخالي وبين محيط فاغر المياه يتمدد كالوحش في أقصى جنوب الأرض. والخناجر المعقوفة التي تزنر أجسادهم في الوسط ربما كانت التعبير الرمزي الأكثر بلاغة عن حاجتهم الى الأمان ورغبتهم في دفع البلاء قليلاً الى الخلف. في عالم كهذا تضيق المسافة بين الحقيقة والمجاز، بين القنوط والمعجزة ويتحول الشعر الى تعويذة أو رقية أو صلاة استسقاء.