هناك كثير من النقاش عن العلاقة بين الناس والتكنولوجيا. وعلى سبيل المثال، من الشائع القول ان التكنولوجيا ومخترعاتها تغيران في حياة الناس. ماذا لو ذهبنا في الاتجاه الآخر؟ ماذا عن تإثير الناس في العلم والتقنيات؟ مثلاً، لو أخذنا عبارة من نوع "ان اختراع الراديو غيّر حياة الملايين". الارجح انها تغفل أشياء كثيرة. ولعل استعراض تاريخ ظهور الراديو يهز الثقة بتلك العبارة. فالاكتشاف التقني الذي اسس للراديو، لم يكن...الراديو. وجل ما توصل اليه ماركوني هو استخدام موجات الهيرتز التي اكتشفها الألماني هيرتز. وفي البداية، دار النقاش عن ايصال الاشارات الكهرومغناطيسية عبر مسافات شاسعة. وكتب الكثيرون عن امكان ايصال رسائل الناس بالصوت، الى اماكن نائية لا تتوافر فيها اسلاك الهاتف. واول من تبنى ابتكار ماركوني كان المؤسسة العسكرية، التي رأت فيه وسيلة ممتازة لبث رسائل مشفرة. وعلى نحوها سار الكثير من الشركات التي فكرت في ان تلك الموجات هي اداة مثلى للاتصال بين عملائها الموزعين في مدن متعددة، وخصوصاً في الولاياتالمتحدة. ان ما فكر فيه العسكر والشركات هو هاتف يعمل بموجات ماركوني. وتحقق هذا الامر فعلاً. وهكذا ولد جهاز الاتصال اللاسلكي المتنقل، الذي يحمل على ظهر الجندي او في الجيب العسكري. ولكن هواة الاتصال عملوا في اتجاه مغاير واستخدموا الموجات في كثافة لبث الصوت الى مجموعات من الناس. وظهرت نواة جهاز استقبال الموجات، الذي نعرفه باسم الراديو، على يد هؤلاء الهواة. التقط بعض الشركات الخيط من عمل الهواة وفكر في صنع جهاز منزلي يتلقى بث موجات ماركوني، وكذلك في اقامة مؤسسات تبث برامج في صورة مستمرة الى الناس، وهو ما صار يعرف باسم "الاذاعة". وقبل ان يظهر الراديو كأداة تكنولوجية متاحة للناس، احتجت المؤسسة العسكرية والشركات، لان البث يؤثر في موجاتهم. وكتب البعض محتجاً على فكرة الاذاعة واشاروا الى ان البث على مدار الساعة لن يكون شيئاً سوى سيل من "التفاهة العامة". لكن شيئاً لم يوقف المد الجارف، وظهر الراديو بأثر من اختيار الناس وميولهم، وليس من الابتكار التقني. وبالتأمل في تلك القصة، تبدو عبارة "اختراع الراديو..." مجرد اسطورة شائعة! تاريخ مماثل للراديو وسبب تذكر الراديو أن الخلوي يعمل على موجات الراديو. وببعض التأمل نجد شبهاً كبيراً بما يحصل مع "رسائل الخلوي القصيرة". واول الشبه ان لا شيء بارزاً تقنياً يميز الرسائل عن بقية التكنولوجيا التي تدير الهاتف الخلوي. وعلى اساس التكنولوجيا نفسها، شاع "شيء ما"، بفضل مخيلات الشباب وعمل اصابعهم، ورغبتهم في اتصال كتوم وحميم. ويلحظ تشابه في النقد الموجه، فالكثير يرى ان تلك الرسائل يحتوي على الكثير من التفاهة. وادت هذه "التفاهة" الى ثورة في طرق الاتصال بين الافراد. وفي بلد مثل بريطانيا، يصل عدد الرسائل الذي يتبادله المراهقون والشباب يومياً الى 45 مليون رسالة. ويضاف اليه سيول من رسائل الاعلانات والتبليغ. واجازت احدى المحاكم اللندنية، في وقت سابق من هذا العام، ابلاغ الشهود والمحلفين اوقات الحضور الى المحكمة من طريق رسائل الخلوي. ولعل الاستعمال الاكثر طرافة، جاء من السويد حيث تعمل مجموعة دينية في اوسلو على ترجمة الانجيل الى لغة... SMS. وتأمل بأن يزيد ذلك من انتشاره بين الشباب. وتصل نسبة انتشار الخلوي في السويد الى 85 في المئة، وهي من بين الاعلى في العالم. وتتميز لغة الخلوي بان استخدامها المكثف للأحرف والارقام والاشارات يمكن من الكتابة باقل ضربات ممكنة على لوحة المفاتيح. والاساس في كل هذا البحر المتلاطم هو تقنية فرعية وهامشية، قدمت، في معظم الاحيان، كخدمة "صغيرة" مضافة من شركات الخلوي. وما لبثت ان صارت تكنولوجيا شديدة التأثير. اذاعة لرسائل الخلوي؟ هناك إذاً، الاستعمال الفردي للرسائل القصيرة بين الافراد. وهناك الاستخدام الاعلاني الذي يعرفه مستخدمو الخلوي في دول العرب جيداً. وثمة استخدام اعلامي يشق طريقه ببطء، ولكن بثبات. ففي الفترة الماضية، ظهر بعض الشركات التي توصل الاخبار عبر رسائل الخلوي، مثل شركة "انفو تو سيل" Info2cell. والطريف ان اسم الشركة مكتوب على طريقة تلك الرسائل! هل نشهد ولادة ما يشبه ال "اذاعة" و"جهاز الراديو" ارتكازاً الى رسائل SMS. الارجح انه سيكون شيئاً مبتكراً تماماً. فاول ما يتبادر الى الذهن هو ضرورة المحافظة على الطابع الشخصي، وما يصاحبه من سرية وتكتم، من جهة، والشيوع والانتشار من جهة ثانية. وهذا مجرد عينة صغيرة. والمهم ملاحظة ان التكنولوجيا ليست شيئاً يعمل في الفراغ، ولا هي صنو السحر. ويعطينا الخلوي مثالاً لقدرة مخيلات الافراد والجمهور على التأثير في التكنولوجيا ومعطياتها. وهذا مدخل الى نقاش مديد. [email protected]