الاضطرابات الجيوسياسية تثبت التضخم العالمي عند 4.4%    قطاع كان هامشاً وبات يُحسب    اختتام بطولة الوسطى للوشوو كونغ فو    تكريم "مجموعة فقيه للرعاية الصحية" في ملتقى "ابتكار بلا حدود" تقديرًا لدعمها الابتكار الصحي    وزير الدولة للشؤون الخارجية يستقبل نائب رئيس البرلمان الاتحادي الألماني    قوات أمن الحج تضبط (3) مقيمين لمخالفتهم أنظمة وتعليمات الحج    أمير نجران يتسلم التقرير السنوي للهيئة السعودية للمدن الصناعية ومناطق التقنية "مدن"    أمير منطقة جازان يدشّن الأسبوع العالمي للتحصين    أمير المدينة يستعرض جاهزية الدفاع المدني وحرس الحدود        محافظ خميس مشيط يفتتح معرض «عز وفخر» للفنان سلطان عسيري    قوة دفاع البحرين تؤكد جاهزيتها الكاملة وتدعو إلى الحذر من الأجسام المشبوهة    البرلمان العربي يدين الهجوم الذي استهدف موقعين بالمراكز الحدودية لدولة الكويت    أوكرانيا تعلن إسقاط 124 طائرة مسيّرة روسية خلال هجوم ليلي    ارتفاع صادرات التمور السعودية إلى اليابان 67% مقارنًة ب 2024م    تعليم الطائف يعزز التحول الرقمي عبر"نافذة غرفة حالة التعليم والتدريب"    عراقجي: زيارة باكستان كانت مثمرة للغاية    نائب أمير الشرقية يستقبل الجهات الداعمة لمهرجان ربيع النعيرية 24    أدبي الطائف يستعرض الموروث اللغوي وعلاقته بالمجتمع السعودي    إجماع أوروبي على بطل اسمه الأهلي    توقيع كتاب جديد في ديوانية القلم الذهبي بعنوان راشد المبارك ..ما بين تعددية المواهب وموسوعية الثقافة وشموخ الانتماء    ياقوت من زين السعودية توقع شراكة استراتيجية مع هواوي    ديوان المظالم يعلن عن مجموعة جديدة من الأحكام الإدارية في الملكية الفكرية    رؤية السعودية 2030.. عقد من التحول الوطني وصناعة المستقبل    إطلاق نار خلال عشاء مراسلي البيت الأبيض بحضور الرئيس ترامب وإخلاء القاعة    اتفاقية لتطوير مشروع «أميرال»    بناء وإعادة تأهيل 13 مدرسة باليمن.. برنامج لتمكين الفئات الأشد احتياجاً والمعاقين بغزة    إسرائيل تمنع العودة ل59 قرية حدودية بلبنان    أمير القصيم يستقبل أمين هيئة كبار العلماء ورئيس قطاع الوسطى الصحي    رئيس أوكرانيا يصل إلى جدة    ضبط 1077 حالة تهريب جمركي    ضبط 12 ألف مخالف وترحيل 17 ألفاً    ضبط (12192) مخالفًا لأنظمة الإقامة والعمل وأمن الحدود في مناطق المملكة    الاقتصاد السعودي يمضي بوتيرة نمو متزنة برغم تداعيات التوتر في المنطقة    الأهلي بطلاً ل«النخبة الآسيوية» للمرة الثانية على التوالي    جالينو.. برازيلي يسطر أمجاده مع «قلعة الكؤوس»    في نصف نهائي كأس إنجلترا.. رغبة تشيلسي بمداواة الجراح تصطدم بطموح ليدز    جامعة أم القرى تنظم ندوة «التراث الثقافي.. هوية متجددة وتنمية مستدامة»    حين تُباع الصحافة: من المهنة إلى "اشتراك شهري"    أفلام مصرية تتنافس في موسم عيد الأضحى    «الفنون البصرية» تطلق حملة «ما هو الفن؟»    رئاسة الشؤون الدينية للحرمين تطلق الخطة التشغيلية لموسم الحج    .. تدشين الدورة الكبرى لأحكام المناسك    «طريق مكة».. حين تبدأ رحلة الحج قبل الإقلاع    تخصيص صالات استقبال لحجاج مبادرة "طريق مكة" في مطاري جدة والمدينة    للعام الرابع.. إسطنبول تحتضن "مبادرة طريق مكة" بالترحيب والامتنان    الدوري الإيطالي.. قمة نارية تجمع يوفنتوس وميلان    «كبدك» ومدينة سعود الطبية.. شراكة نوعية    مستشفى الدكتور سليمان الحبيب بالمحمدية يجري عملية تصحيحية ناجحة ل"4" جراحات سابقة غير دقيقة بالعمود الفقري    إهمال البروتين يسبب ضعف العضلات    مختص: التوتر المزمن يؤثر سلباً على القلب    نادي الرياض يتوج بكأس دوري الدرجة الأولى تحت 16 عامًا 2025-2026    المكافأة والنفط والكمين 3 ملفات تشعل أزمة واشنطن وبغداد    8 أشهر من الفراغ السياسي تعمق نفوذ سلطة الظل الحوثية    أمير منطقة جازان يستقبل سفير جمهورية باكستان لدى المملكة    نائب أمير عسير يستقبل قائد حرس الحدود بالمنطقة    وزير الدفاع ونظيره الإيطالي يستعرضان تطوير الشراكة العسكرية    رئيس الاتحاد السويسري يصل إلى جدة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



فصل من كتاب "خالد وعمر" للباحث الالماني كلاوس كلير . بحث نقدي في نصوص تفتقر الى الموضوعية في المصادر الأولى عن التاريخ الاسلامي المبكر
نشر في الحياة يوم 26 - 04 - 2001

} يصدر قريباً عن دار قدمس للنشر والتوزيع دمشق 2001 كتاب الباحث الألماني كلاوس كلير "خالد وعمر - بحث نقدي في المصادر عن التأريخ الاسلامي المبكر". والبحث هو رسالة دكتوراه تقدم بها الكاتب الى جامعة "برلين الحرة" في المانيا عام 1998. وتضم الطبعة العربية، التي ترجمها عن الألمانية محمد جديد وترجم نصوصها الايطالية مناف الضماد، مقدمة كتبها المؤلف خصوصاً للترجمة العربية وثمانية فصول شملت الآتي: تمهيد، تقرير موجز عن المراجع، موجز مسيرة خالد بن الوليد، عرض للعلاقة بين خالد وعمر، مواقف النزاع في العلاقة بين خالد وعمر، مرة أخرى خالد وعمر، من اجل فهم كتابة التاريخ في عصر صدر الاسلام، ومقترحات للتعامل مع نصوص المراجع. وتنشر "الحياة" مقاطع من الفصل السادس بالاتفاق مع الدار.
بعد أن تم الفراغ من التحقيقات المفصّلة في ضروب النزاع الأربعة المختارة يمكن ان يطرح، من جديد، السؤال عن العلاقة بين الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب والصحابي خالد بن الوليد رضي الله عنهما، ولكن هذه المرة، مع تحليل النتائج المستخلصة من التحقيقات في المراجع.
فماذا يتبقى من هذه النتائج الاتهامات بعد تحليل المراجع؟
النقطة الأولى: الانتهازية بحسب ما تقول المراجع التاريخية والتراثية. وهي أن خالداً دخل في الاسلام، واسلامه مشكوك فيه من وجوه عدة.
انتهت المسألة، منذ عام دخوله في الاسلام الثامن للهجرة الى سلسلة كاملة من الأحداث التي وضعت صدقية اسلام خالد على المحك. ففي الحملة غير الموفقة التي انتهت الى موتة، استطاع على الأقل ان ينقذ بقايا الجيش المهيض الجناح. وعند فتح مكة قدم، في قتاله أقرب شركائه من أيام الجاهلية، إن تحطيم صنم العزى يمكن تقييمه بأنه اختبار لتخليه عن الوثنية، أوردوا خصوصاً القضية الخاصة ببني جذيمة برهاناً على مشاعر وثنية دفينة عند خالد، غير ان اعادة تركيب الأحداث تفضي الى ان خالداً انما تصرف وفقاً للتوجيهات. أما التلميحات الى تاريخ سابق فقد وضعتها في كفة الميزان جهة ذات مصلحة، وكذلك الاتهامات المختلفة.
وتتمثل نقطة الانطلاق في روايات متكررة تفيد ان خالداً استدعي الى المدينة ليسوغ سلوكه، فلبس شارات الحرب عن قصد، ليضع بلاءه في الاسلام على المحك. على أن مما يجرد القصة من قيمتها بعض الشيء أنهم يذكرون قصة السهام في العمامة وآثار صدأ الدروع على ثوبه، مراراً، وفي سياق مختلف. واذا قرأ المرء المراجع من وجهة نظر تقويم اخلاص خالد في ايمانه الجديد فسيكون من الممكن اكتشاف سلسلة كاملة من الأدلة التي تشير الى توجهه الداخلي نحو الاسلام: الروايات المتواترة عن اقامته للصلاة، وكلماته في القوات المطبوعة بطابع الدين، والحكاية المؤثرة عن خصلة شعر النبي، التي كان خالد بعد حجة الوداع يحملها أبداً تحت قلنسوته، وأخبار كراماته والظروف التي أحاطت بموته، وليست المسألة هي ان هذه المؤشرات الايجابية يمكن ان تكون لها صدقية أعلى من الروايات المضادة، ومع ذلك فالروايات كلها تتقارب في تقريرها ان خالداً عندما أصبح مسلماً بات راسخ القدم في العقيدة الجديدة. أما ما يؤخذ عليه، فليس سوى وسيلة هجوم في يد خصومه.
النقطة الثانية: نزعة العنف. أما ما وصل في أجزاء من المراجع الثانوية على أنه تعطش خالد للدماء فيضرب بجذوره في سلسلة من الاتهامات التي تعود على عمليات خالد العسكرية، ولكن قلما يذكر في المراجع عدد الضحايا أو أسلوب قتلهم، بل تتعلق المسألة في معظم الأحيان بأن خالداً أوعز بقتل مسلمين وجعل نفسه بذلك مُداناً بإحدى أكبر الجرائم التي يمكن تصورها. على أن قتل اناس من بني جذيمة لا يمكن ايراده ضد خالد الا اذا كان هؤلاء مسلمين، ولا يكون قتل مالك بن نُويرة جريمة الا اذا ثبت اسلام مالك. غير ان التحقيق في المراجع أسفر في الحالتين، عن ان وضع الضحايا كان مشكوكاً فيه على الأقل، وهناك ادلة قوية على ان القتلى فارقوا الحياة في قتالهم المسلمين. ولم يكن من الممكن، في حالة مالك خصوصاً جلاء مسألة ماهية الظروف التي قتل فيها: أتراه قتل من جراء أمر لخالد قابل لإساءة الفهم، أم بحكم بالاعدام بعد استجواب سبقه. وكنت أميل، وأنا أعيد تركيب الأحداث، الى ان مقتله في أثناء القتال هو الأكثر رجحاناً، وبذلك تغدو كل نقاط التقدير الخاصة بالقسوة المفرطة واهية في هذه الحالة. وثمة اتهام آخر بقتل مسلمين، بمناسبة القتال في المصيَّخ، أولاه اصحاب الحوليات قدراً من الاهتمام أقل الى حد بعيد. وفي هذه الحال أيضاً يزعمون ان عمر طالب بمعاقبة خالد، غير ان أبا بكر رد عليه بأن كلا المسلمين يتحملان المسؤولية عن مصيريهما بنفسيهما، إذ لزما جانب ذوي قرابتهما النصارى في وقت الاشتباك، وبذلك ما كان من الممكن ان يعرف انهما مسلمان عند رهط خالد، وبذلك يغدو الاتهام واهياً. على ان الصورة تختلف في ما يتعلق بالروايات عن حرق المرتدين، وعن نهر الدم. فالموت بالنار الذي أسلم اليه المرتدون يذكر مراراً في المراجع، ولكنه لا يذكر دوماً في سياق عمليات خالد. ويبدو هنا ان المسألة كانت تتعلق بإجراءات فردية، لا بعمليات اعدام جماعي. على أن فرض الاعدام حرقاً لم يكن على أية حال فكرة خالد. ولا يمكن ان يكون اتهام خالد بحرق بشر ممكن التصديق. أما ما يتصل بنهر الدم فلم تكن المقطوعة رؤوسهم في هذه المناسبة أليس مسلمين بل أسرى معتقلين لدى المسلمين يزعمون إن خالداً أوعز بالتخلص منهم بالقتل، صادراً في ذلك عن مزاج معين ولا بد للمرء ان يقول في ذلك ان الرواية تفقد قيمتها بأن دفع عجلة الطواحين بدم القتلى من العبارات المكرورة الخاصة بتدوين التاريخ العربي، الأمر الذي يمكن ان نستنتج منه ان هذا القول لا يحظى بالواقعية. وليس بين الروايات عن الشام اتهامات لخالد بسبب قسوة مبالغ فيها، غير ان هذا سيكون له سببه في محض ان الأوساط التي روَّجت لأمثال هذه الروايات خفضت دور خالد في الشام الى حد أدنى بانطلاقها من عزلة المبكر عن القيادة. والاتهام بألوان القسوة المبالغ فيها خليق ان يكون من وجهة النظر هذه اتهاماً يفضي الى نقيض ما يراد منه. ومن الأمور التي لا يتقبلها العقل مسألة لماذا يظل هؤلاء يضعون على لسان عمر، المرة بعد الأخرى، الاتهام الواهي بقتل مسلمين وارتكاب الفظائع.
النقطة الثالثة: الزِّنى. وفي حالتين تجري محاولة تحويل خالد الى زير نساء، وترتبط المحاولة الأولى باتهامه بممارسة الزنى. وتم التحقيق في القضية المتصلة بأرملة مالك على وجه التفصيل على حين لم يجر التعرض لقصة خطبة ابنة مجاعة بن مرارة في نهاية معركة اليمامة إلا من باب المرور العابر. على ان الاتهام بالزنى الذي أعرب عنه عمر بلهجة حادة، وطالب من اجل ذلك برجم خالد لم يكن من الممكن طرحه الا اذا تزوج خالد أرملة المقتول مالك بن نويرة من دون ان ينتظر وقت طهرها. وعقد الزواج بعد انتظار انقضاء الأجل الشرعي لن يكون مستحقاً للوم الا بصورة غير مباشرة، أي بأن يلحق المرء بذلك أن قتل مالك لم يجر الا مقترناً بالنظر الى الظفر بزوجته. وأسفر التحقيق عن ان المسألة لا يمكن أن تكون انتهت الى عقد زواج لخالد من أم تميم، ليلى بنت المنهال. ومن الممكن ان نفترض ان القضية اختلقت لتدعيم الادعاء القائل ان خالداً قتل مالكاً بغير وجه شرعي. أما أم تميم التي تذكر في سياق معركة اليمامة، فيبدو أنها كانت شخصية اخرى، هي ام تميم الثقفية، وهي احدى زوجات خالد الثلاث المؤكدات. أما خطبة ابنة مجاعة بن مرارة فلم تكن تنطوي على شيء يسيء الى السمعة الا من حيث كونها تمت في وقت غير ملائم، اذ يقال ان خالداً فكر بعد المعركة الفادحة مباشرة في عقد زواجه من هذه المرأة ثم انه يجري الحديث في بعض الروايات عن مهر عروس يبعث على الفزع كان خليقاً ان يثير حنق المسلمين فوق ذلك أيضاً. ولا يكمن في القصة بأسرها، على الأرجح، مثقال ذرة من الحقيقة. وعلى كل حال فليس بين نساء خالد واحدة من قبيلة حنيفة، ويجب ان نقرر عموماً ان الصورة التي تفيد أن خالداً كان زير نساء لا يفكر الا في متعته، تنحرف كل الانحراف عما يستطيع المرء ان ينظر اليه على انه مضمون الى حد ما.
النقطة الرابعة: التمتع بالخمر: لا تتمتع الحكاية التي تفيد ان عمر لام خالداً لوماً عنيفاً وشتمه حين علم انه استعمل في الحمام، في آمد، خلاصة تحتوي على الخمر إلا بأدلة واهية. فمكان الحادث وزمانه مشكوك فيهما، كما ان مشاركة خالد فيه مشكوك فيها أيضاً. والمسألة برمتها تحمل فوق ذلك بعد طابع المفارقة التاريخية. وكان الناس في ايام هذا الحادث على كل حال مجمعين على التحريم الشامل، وحتى العقاب في حال المخالفة لم يكن وضعت له لوائح أو قواعد بصورة نهائية. ولذلك تبدو الحالة الخاصة المتمثلة في استعمال الخلاصة الحاوية خمراً، من أجل إزالة الشعر، أقرب الى ان تكون اسهاماً في المبالغة في التدقيق منها الى ان تكون رواية تاريخية. وبالنظر الى سجل المعاصي الطويل الذي اختلق بحق خالد كان في وسع القوم أيضاً ان يلحقوا به هذه الفعلة أيضاً بلا ريب.
النقطة الخامسة: الولع بالأبّهة. يتحدث بعض المؤرخين أيضاً، في سياق زيارة عمر الشام يوم الجابية بأن عدداً من أمراء الجيوش خرجوا راكبين للقائه، وانهم كانوا يلبسون في أثناء ذلك ملابس من النسيج المطرز بالقصب، ومن الحرير، مما حمل عمر على تقريعهم. اذاً وفي هذه الحالة لم يكن خالد وحده هو الذي تناوله غضب الخليفة، اذ يذكر الطبري معه أبا عبيدة بن الجراح ويزيد بن أبي سفيان. وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعرب عن رأيه مع ذلك بصراحة لا لبس فيها، في مسألة ارتداء الثياب الباهظة، وكان من الواجب أن يشعر بالاستنكار المدانون الثلاثة. على أن الرواية التي تنقل من دون اسناد تبدو لي تماماً في صورة الدليل الملفق ضمن مناقشة فقهية.
النقطة السادسة: التبذير. من ضروب الانفاق المفرط لديه التي يمكن ان يستنتج منها دليل على الولع بالتبذير، المهر المقدم الى ابنة مجاعة بن مرارة، والهبة الى ابن الأشعث. ولا شك فيه ان خالداً أحرز، على مدى غزواته، مبالغ طائلة من الغنائم، ومع ذلك فالمناسبتان اللتان استعمل فيهما، من ثروته، مبالغ كبيرة من اجل اغراض لا تقرها الأوساط المتسمة بالتزمت، تتسمان بضعف الدليل، ولا بد من الارتياب في صحتهما ومطابقتهما للواقع. سبق وذكرنا انه لم يكن ثمة ارتباط بابنة مجاعة على الغالب. أما ان يكون رجل ممن يلتمسون المال، مثل ابن الأشعث أتى خالداً فذلك ما لا يمكن تصوره بالنظر الى السياق. على أن الأقرب الى المعقول ان نتصور ذلك اهانة وازدراء لزعيم بني كندة. ففي الحالة الثانية فحسب يجري الحديث عن نقد كبير لخالد من جانب عمر، ويجري ايراد الانفاق على ابن الأشعث مرتبطاً بمصادرة نصف ثروة خالد.
النقطة السابعة: العناد. أخذ على خالد، المرة بعد الأخرى، انه كان يتصرف بعناد، بل كان من ذلك انه كان يتصرف خلافاً للارادة الصريحة الصادرة عن الخليفة. وثمة مثال حسن التوثيق في الروايات حول ثورة الأنصار أيام الحملة على بني تميم. فالكلمة التي تقال على لسان خالد، بهذا الدافع، تظهر بوضوح انه لم يكن ينوي ان يخضع حكمه على الوقائع لتوجيه شامل من قبل الخليفة ببساطة. ولا جدال فيه ان بعضاً من عملياته العسكرية كان يقوم بها من تلقاء نفسه، وربما لم تكن تساير مع تصورات اصحاب السلطة في المدينة. ومن الأمثلة الجلية على ذلك معاهدته مع بني حنيفة التي أقر فيها للمهزومين في شروط صلح مواتية لهم نسبياً - وكانت تقصر كثيراً عما كان يتصور أولو الأمر في المدينة. ومع ذلك يبدو لي ان من الخطأ ان يحمل المرء على محمل الجد ما يجري تقريره في المراجع من تأثير المدينة الذي يصل الى حد التوجيه المركزي الشامل. وذلك ان امراء الجيوش الذين نهضوا بعبء الفتوحات الكبرى لم يكن في وسعهم ان يتصرفوا تبعاً لتوجيهات مفصلة، اذا ان احوال التواصل وحدها لا تسمح بذلك. وعلى هذا سيكون مأخذ العناد مسوغاً على نحو تدريجي الى أقصى الحدود، بأن يقال، مثلاً، إن خالداً، كان يتصرف تبعاً لما يبدو له مناسباً، أكثر مما كان الآخرون يفعلون ذلك.
النقطة الثامنة: الاخلال بالأمانة. وفي اطار من العلاقة الوثيقة مأخذ العناد يذكر اتهامه بالخروج على القواعد المطردة في تقسيم الغنائم، مما حمل عمر، في ما يزعمون، على مصادرة جزء من أموال خالد لمصلحة بيت المال. على ان تحديد وجوب تسليم خمس الغنيمة الى الرسول صلى الله عليه وسلم يبدو ثابتاً وموثوقاً الى حد بعيد. أما ما كان أقل وضوحاً فهو تحديد أوجه التصرف في هذا السهم من الغنائم، وكان ما هو أقل من ذلك وضوحاً بعد، اللوائح الخاصة بتقسيم البقية الباقية. وهنا كان ثمة حقوق مبنية على العادة والعرف، ولا شك في ان القائد كان لديه مجال معين من حرية التصرف اذا ما أراد ان يخصص نصيباً أعلى للشجعان من رجاله. ويذكر في حالات جمة ان خالداً كان يوعز بتوزيع مكافآت خصوصية، الأمر الذي كان يفسح في المجال لاستنتاج وجود طريقة في التصرف تعسفية نسبياً. غير ان هذه لم تكن حرية شخصية كان يسمح بها لنفسه، بل ممارسة شائعة، ولذلك لم يكن من الممكن ان يوجه اليه احد لوماً له ما يسوغه، واقدام عمر على اجراء مقاصة من الثروة لعدد من كبار عماله يشير الى انه كان يفترض ان تفرض لوائح ملزمة شيئاً فشيئاً.
النقطة التاسعة: تقديره نفسه. لا تجزم المراجع بصدد المسألة: هل بعثت في نفس خالد ألوان نجاحة الوافرة الزهو والخيلاء حتى بات يرى نفسه الضامن لانتصارات المسلمين؟ أما انه لقي قدراً كبيراً من التقدير والاعجاب فذلك امر لا ينبغي ان يبعث على العجب بالنظر الى سيرته، وأما ان يقيناً معيناً بالنصر كان ينبعث منه فذلك أمر جدير بأن يصدق أىضاً غير ان المرء لا يسمع في الروايات شيئاً عن الثناء على النفس والكبرياء والزهو بالنفس والتعاظم. ويتميز سلوك خالد بالتواضع والتحفظ خصوصاً اذا ما قيس الى مظهر سائر القادة الناجحين في التاريخ. وعلى هذا يمكن ان يقرر المرء في كل الأحوال التقدير الكبير من جانب المشاركين له، على ان مما له دلالته ان المراجع لا تحفل بقصائد الثناء على انتصاراته المدهشة، بل الأمر أحرى ان يكون على النقيض من ذلك. ولا يفي مضمون المراجع حق الوفاء بالتيقن من النصر الذي كان ينتشر أحياناً: فكانت بعض الانتصارات يدفع ثمنها باهظاً للغاية، وكان المخرج الملائم من المعركة تحف به الشكوك في كثير من الأحيان. وكان ثمة نكسات تتكرر المرة بعد الأخرى، ويكفي ان يفكر المرء في الانسحاب التكتيكي الاضطراري من حمص ومن دمشق قبل موقعة اليرموك.
وثمة مركب خاص من الروايات يعود على عزل عمر لخالد، وذلك ان الرواة يعودون تكراراً الى هذا الموضوع، ففي البداية يلح عمر على أبي بكر عند كل فرصة سانحة، في عزل خالد، ثم يقال ان عزله كان التصرف الرسمي الأول له حين بات خليفة، بل يقال اخيراً انه كان أو تم عزل ثان. وأسفرت تحقيقاتي في المراجع على انه لم يكن، على الأرجح عزل على الاطلاق، في المعنى الحقيقي للكلمة. وهذا خليق ان يعني ظهور اخبار باعداد كبيرة في كل النصوص المتوافرة تفتقر الى أي أساس موضوعي.
وجملة القول إن في وسع المرء أن يقول ان كل الاتهامات تنهار في ذاتها عند النظر الأكثر دقة، وذلك ان الآثام المنسوبة اليه منها ما لم يحدث، ومنها ما كان الحدث المعني فيها ليس بالسلوك الذي يستوجب اللوم. فثلما كان خالد أعظم من أن يسوغ سلوكه بالتحذلق اللفظي، كان عمر أعظم من ان يوجه أمثال هذه الاتهامات المهلهلة بدافع الكراهية. ولذلك أجنح الى التفسير القائل ان كلاً من الإثم والاتهام مختلق، وذلك من خلال مثال: لم يقتل خالد مالكاً ليظفر بزوجه الجميلة، وانما قتل مالكاً في المعركة من اجل استقلال قبيلته. ولم يوجه عمر اتهاماً بسبب قتل مالك ولم يكن هناك زواج من أم تميم، ولم يكن هناك أيضاً اتهام بالزنى، وهذا القول يتضمن لدى الوهلة الأولى، ادعاءً مفاده انه لم تحدث عملية تزوير ذات حجم هائل في كتابة التاريخ العربي، غير اني اعتقد ان في وسع المرء ان يقول إن الإثم والاتهام به مختلقان، من دون ان اتهم المؤرخين العرب في الوقت نفسه بالكذب على اختلاف مشاربهم.....
لا سبيل اذاً الى الحديث عن منافسة أو حسد، فالعوالم التي كان كلاهما يتحرك فيها شديدة التباين، ولم يكن الخليفة مضطراً في أي وقت من الأوقات الى ان يخشى تطاولاً من جانب القائد. وكان خالد، على كل ما فيه من العناد في القرارات المتصلة بالحياة اليومية، يأتلف مع النظام الاسلامي دونما نقد. أما عمر فلا ريب في أنه كان يعرف من جانبه كيف يقدر المأثرة الهائلة التي أنجزتها عبقرية خالد العسكرية للأمة. كان القائد الناجح بالقياس اليه رجلاً لا يستغنى عنه، مثلما كان بالقياس الى سلفه، فلماذا يفترض انه يسيء معاملته؟
بقيت عند ابن منظور رواية رواها ابو الدرداء بعد ان قام بزيارة اخيرة لخالد. أما ان هذه الرواية موثوقة فذلك أمر يلعب دوراً ثانوياً في هذا السياق، وهي تتضمن افادة مطولة لخالد المحتضر حول علاقته بعمر. وهو يتحدث فيها عن أنه كان يحس في بعض الأحيان بالحنق على الخليفة، ولا سيما حين صادر هذا جزءاً من ثروته، غير انه تغلب على هذا الحنق اذ تبين له ان هذا الإجراء لم يكن موجهاً ضده، ثم يتحدث عن ان المنغصات بينه وبين الخليفة لم تنشأ الا عن وضعهما المشترك. وعلى وجه الإجمال فإن مقالة خالد تتضح بالتفهم والتقدير العميق للخليفة. ويبدو ان الحال كانت على نحو مماثل بالنسبة الى عمر. فعلى رغم انه كان يعارض في الحزن الذي يجاوز الحد، فإنه حزن لموت خالد حزناً عميقاً.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.