أريد ان أنبه اولاً الى أن ما احاول القيام به هنا نوع من المطابقة غير الجائزة ربما، بين ما يفترض انه اسطوري وما هو من قبيل الواقع. ففي العصر الحديث، وتحديداً في القرن الثامن عشر وفي منطقة الفرات الاوسط، ظهر حمد آل حمود زعيم اتحاد قبائل الخزاعل الذي تحول في وقت لاحق بعد وفاته الى "اسطورة". والتدقيق في الأسطورة يحيلها بلا لبس الى ضرورات وطنية كانت تتطلب في حينه رسماً نهائياً لمثال يرقى الى مرتبة "الزعيم الوطني" للشيخ المشاعي الزراعي المحارب، بغية تميزه عن نمط آخر من "مشايخ الحكومة" المتواطئين مع المحتلين. والقصص والمأثورات التي تروى عن حمد آل حمود تؤدي هذا الغرض. انها بالاحرى جملة من "التعاليم" الممكنة في مجتمع تطغى عليه الثقافة الشفوية وله ايقاع يخصه في رسم مُثله التي يشغله تعميمها. مما يعزز هذا الاعتقاد كون السيرة المروية لهذا الرجل كانت وما تزال متشعبة، وكثيراً ما تتعداه لترسم بعض الوجوه والنماذج المعاصرة له، مثل المرآة. مع انه من غير المفترض في تلك الظروف حضورها بهذه القوة، سواء عبر تلك التي ارسلت له رسولاً يبلغه بمحنتها بعد ان "اخطأت" مع "حبيبها" الذي تركها، او تلك البارعة في الشِعر - اعلى القيم الثقافية واسماها في مجتمع تتراوح اشكال تعبيره دائماً ما بين النبوءة والشعر. ففي عهده وفي سياق علاقته بحسن الصويح، ظهرت اعظم شاعرة ونموذج للمرأة العراقية ولملامحها المعاصرة، كان اسمها كما اعرف: فدعة، التي لا تشبه الخنساء الا شكلياً رغم مرورها بالتجربة ذاتها. فدور فدعة اغنى بكثير واشمل. وهي بالذات ابعد حضوراً وفاعلية، لأن دورها الشعري يتجاوز فخرها الشخصي الاخوي، الى تكريس القيم ولعب مهمة الترويج "الاعلامية" تثبيتاً لمكانة اخيها حسن الصويح عبر مدحها الرائع له ولخصاله والشعر في حينه كان ابلغ الادوات القابلة للحفظ والانتشار حتى بالمقارنة بما كان عليه الحال ايام السومريين الذين تمكنوا من تدوين ملامحه في الواح، من دون ان تتخلى عن دورها ضمن الحدث، أو عن قسطها من المسؤولية. لا بل هي تذهب بعيداً في تأكيد استقلاليتها الذاتية، فتفلح اخيراً في حفر اسمها الخاص والمفرد، لا بل تصل الى درجة لا تعود معها تذكر ابداً اسم فدعة الصويح، رغم ان هذا هو اسمها المفترض، ويطلق عليه احياناً اسم: فدعة الخالدية، مع ان حسين الصويح اجدر ان يحمل، هو، اسم قبليته التي نزح منها مع اخته فدعة و"جواميسه" متنقلاً صعوداً من ديرة قبيلة الى ديرة… حتى ارض الخزاعل. سأترك للمختصين في المسرح ان يحكموا كما يشاؤون في خصوص توفر الاركان الضرورية للدراما او للملحمة، كما يعرفونها، وهم ينظرون في هذا الحدث غير العادي. اما ما ارغب في لفت انتباههم اليه فهو البعد المعقد والمزدوج لهذا الحدث الذي تتخذ فيه فدعة دوراً يتجاوز احياناً حتى دور الشخصيتين الاسطوريتين حمد آل حمود، ممثل التجلي الاول للزعامة الوطنية في تاريخ العراق الحديث، وحسن الصويح. فهي بالاضافة الى دورها الاساسي في نسج ورواية العلاقة بين البطلين تعود لتتدخل من موقع المثقف الفاعل في تحديد ورسم جوانب من مصير الخزاعل نفسها بعد ان تفقد ابناءها الثلاثة في معركة جرت بينهم وبين قبيلة زبيد. اذ، وبسبب اشعارها، قامت الخزاعل بشن حربها المضادة وحققت الثأر. وهناك ايضاً شخصية بنت حسن الصويح الشاعرة النابهة ومآثرها التي تنم عن عبقرية تشابه عبقرية ابيها. لماذا اتخذت قضية حسن الصويح موقعاً محورياً في تاريخ حمد آل حمود وامثولته؟ لا شك في أن ثراء العلاقة وتعدد اطرافها ومغزاها لعبت كلها دوراً في غرس هذا الحدث في الوجدان العام لأهل العراق الاسفل والاوسط على مدى القرون الثلاثة المنصرمة. الا ان هذه الواقعة بحد ذاتها تعود لتثير اسئلة من نوع: لماذا تلقى العلاقة بين رجلين كلكامش وانكيدو، مرة اخرى، هذا التكرار والحضور الاستثنائي في سياق اسطورة تشكل الرؤيا الوطنية ومفهوم العراقيين لذواتهم وللعالم؟ هنالك من كان يذهب الى جعل ملحمة كلكامش بمثابة شكل من التعبير الذي يعكس بدايات الانصهار بين القيم الرعوية والقيم الزراعية. ومع ان هذه نظرة تذكرنا دائماً بالتبسيطات التي يلجأ اليها نفر من الماركسيين، الا ان الحدث الحالي يبدو صريحاً من ناحية اشارته الى مثل هذا السياق من الانصهار. فالقصة هنا واضحة: حسن الصويح غادر منطقته في الجنوب نازحاً من الاهوار مع جواميسه وراح يتنقل من ديرة الى ديرة، فيلقى العنت والطرد، ويأتي الصبية ليلقوا على جواميسه الحجارة وينهره الفلاحون لكي يبعد حيواناته عن زروعهم، الى ان يصل الى ديرة حمد آل حمود ويصادف مرور حمد آل حمود شخصياً ليرى جواميس حسن تسرح في حقل معشب، فيسأله من اين هو فيرد عليه. وبحضور جمع من العشيرة، كانوا بصحبة حمد آل حمود، يقول له شيخ الخزاعل: "حين تشبع جواميسك فلا تتركها في الحقل"، ثم يذهب مكملاً طريقه بينما يلتفت حسن الى أخته فدعة ويقول لها: "هنا مستقرنا يا فدعة". فقد ادرك بأنه رأى رجلاً لا يُظلم في حماه احد. بالطبع لن يدعو الناس، هذه المرة، الآلهة كي تأتي لهم بمن يصارع كلكامش ويحد من جبروته وقوته. فحمد آل حمود هو مثال الحكمة والنظر الثاقب، الا ان هذا لا يمنع تكرار استخلاص الحكمة عبر الصراع الذي هو جوهر يظل يشوب دائماً بنية الامثولة العراقية ويميزها. ان امثولة حمد آل حمود تناظر كمظهر متأخر، تلك السير التي ظهرت في مصر والشام وشمال افريقيا، مثل تغريبة بني هلال والزير سالم. الا انها لا تنتمي اليها من حيث البناء ولا المحركات التي ينمو داخلها الحدث. فالاحدوثة او السالفة تأخذ في الحالة العراقية بعداً متشعباً ومتشابكاً مقارنة بالبناء الافقي للسِيَر والتغريبات. يقرر حمد آل حمود اتخاذ حسن الصويح صديقاً له، ،هذا يثير لدى ابناء العشيرة غضباً واستهجاناً. فمن يكون هذا "الدبي" او "المعيدي" حتى يرفع الى مستوى حمد آل حمود ويصبح جليسه وموضع استشارته واحترامه!؟ وللرد على هذا الموقف يقرر حمد آل حمود وحسن الدخول في مباريات علنية وفي اختبارات. نفس المعركة التي شهدها العراقيون من اهل الجنوب قديماً تتكرر وتأتي مقصودة احياناً، أو غير مقصودة، لكنها في كل الاحوال خالية من التدبير المسبق. فالاتفاق بين الخزاعل على عدم ردّ التحية على حسن، ودخوله هو عليهم وامتناعه عن رمي التحية، وامتناعه من ثم عن وضع يديه تحت الابريق الذي جاؤوا يسكبون له منه وهو فارغ، وانزاله للميت بمجرد نظرة الى قدميه الظاهرتين، حين كان يسير صدفة ورأى الجنازة مارّة باعتبار ان الرجل الذي في الشريحة تابوت من القصب حي لم يمت بعد... كل تلك كانت احداثاً لم يجر ترتيبها. وهي تؤكد على التميز والعبقرية التي تصل الى اظهار الخزاعل في وضع ادنى احياناً حتى على مستوى اللغة. فالحديث الذي جرى بين حمد آل حمود وحسن الصويح على الاكل بحضور الخزاعل تطلب مترجماً. فلقد صاح حمد آل حمود فجأة "انشتمنا يالخزاعل"، بينما هم لم يكونوا قد فهموا شيئاً من الحديث الدائر بين الاثنين. وقد قتل حسن الصويح مرة "السعلوة" التي كان لا بد ان يقتلها لكي يغدو بطلاً شاملاً عندما كان يعبر من منطقة الى اخرى وحيداً في الليل وجاء يحمل جثتها ملفوفة ووصل لينام كأنه مصاب او مريض "حلوا النكل تلكون نيشان": هذا ما قالته بنت حسن ووريثة عمتها في الشعر والعبقرية رداً على قلق وتساؤلات اخواتها الثماني، بينما ظلت فدعة تتولى اكمال صورة اخيها فتجعله سيد القيم "اخوي الذي جارته اخواته اخوي الذي خطاره اغاته اخوي اليلف جاراته بعباته" اخوي واخوي… فلا يملك الخزعليون الا ان يرددوا تلك الكلمات الرائعة القصيرة القاطعة المحصنة ضد جبروت الزمن مثل مقاطع من الملحمة الاولى. هكذا يتكرر مفعول الاستجابة امام عظم التحديات وتواترها مما يجعل الشخصية النموذجية في العراق مجبرة على الصعود نحو ذرى الاستثنائية والمنظور الكوني. و على المنوال نفسه ترتسم اليوم ملحمة اخرى ظلت ضائعة ومهملة بنكران، لأسباب لا تعود فقط الى طغيان الرؤى والمفاهيم المستعارة، بل ايضاً بسبب طابع تشكل الحقيقة الوطنية في تاريخ العراق. ان الفارق الزمني بين البداية والاكتمال امر مهم للغاية. فالرحلة الابراهيمية هي الاخرى لم تكتمل الا بعد قرون طويلة، ولست اعتقد طبعاً أن ملحمة كلكامش الاولى قد كتبت من يومها وساعتها اي "أُلّفت" في جلسة واحدة. فهذا غير صحيح، ولا بد ان قروناً مرت قبل ان تكتمل ابعاد ورؤى تلك الملحمة الشهيرة. وحتى امثولة حمد آل حمود المعاصرة التي تذكّر على الاقل بروح ملحمة كلكامش وفصولها الاولى هي تجمع مبدع وعبقري لاحداث وسير مشايخ عديدين سبقوا حمد آل حمدان، بالاخص منهم مشايخ معروفين من المنتفك… اظن ان بقية الملحمة المعاصرة ما تزال تنمو في الوجدان العراقي. والرحلة التي مرّ بها العراقيون في القرون الثلاثة الماضية، وبالاخص ذروتها الحالية، سوف تكمل بقية الفصول الناقصة من رؤية هؤلاء للعالم وللكون ولذواتهم. وثمة بقية من سيرة حمد آل حمود وحسن الصويح، قد تذهب بهما من جديد الى عتبة الخلود، والى قتل خمبابا الوحش، او الى رؤية ما وراء العالم الراهن. فالملاحم تبدأ بالاكتمال بعد ضياع الاحلام… او كبديل عن تبدد الوهم الكبير.