في حين تذهب بحوث العدد الجديد من الفصلية التراثية العراقية "المورد" الى تأكيد نهج علمي في مراجعة موروث العرب العلمي ضمن ملف خاص، تكاد كلمة رئيس تحرير المجلة محمد البكّاء تطيح ذلك النهج حين جعلت النهوض العلمي العربي مرتبطاً ب"أم المعارك الخالدة" وفعلها التاريخي! ومن البحوث التي ضمها الملف: "علم الحيل عند العرب" الميكانيك وكتبه عضو "المجمع العلمي العراقي" وأمينه العام أحمد مطلوب معرّفاً بما للعرب والمسلمين من دور كبير في صناعة الحيل الميكانيك وأثرها في تقدم علوم الفلك عبر انشاء المراصد، ولاحقاً إسهامها في صنع آلات لرفع المياه وجر الأثقال وصنع الساعات وآلات تعيين كثافة السوائل. وكتب الأمين العام لاتحاد الجغرافيين العرب صبري فارس الهيتي "ابداعات العرب في علم الفلك ورسم الخرائط" منوّهاً بأصالة الفكر العربي في علم الفلك وأبرز علمائه ليتوقف عند صناع الخرائط من العرب وأبرزهم الخوارزمي والأدريسي. ومن رسم صورة للأرض على الخريطة الى رسم المدن على الأرض عند العرب كما في بحث حيدر عبدالرزاق كمونة الذي قرأ "تخطيط المدن عند العرب" مقارناً بين مفهوم العرب في هذا الشأن أكان ذلك قبل الاسلام كما في مدن: الحيرة، البتراء، الحضر، تدمر ومدن اليمن أم بعده وبين مفاهيم معاصرة ل"التخطيط الحضري والاقليمي". وأوضح الأسس التي اتبعها العرب في التخطيط لانشاء المدن وفق العوامل العسكرية والطبيعية والسياسية والادارية والدينية. وتوقف الباحث كمونه عند سمات مشتركة للتخطيط العربي عند بناء المدن العربية في الاسلام وهي: الاهتمام ببناء المسجد الجامع وأسواق المدن وشوارعها والاهتمام بتخطيط المناطق السكنية وبتحصين المدن. وضمن ملف موروث العرب العلمي كتب عزيز العلي العزي عن "علم الحيوان في العراق - القرن السابع الهجري" ابتداء من المصنفات الأولى في علم الحيوان منذ نهاية القرن الثاني ومطلع القرن الثالث الهجريين - مثل "كتاب الحيوان" لأبي عبيدة معمر بن المثنى و"كتاب الوحوش" للأصمعي - وغيرها من المصنفات التي تزامنت معها أو أعقبتها مصنفات مترجمة عن اليونانية والسريانية أبرزها "الحيوان" لأرسطو. وتوقف الباحث عند ثلاثة مصنفين عراقيين من القرن السابع "لا بد من أن يقف عندهم من يبغي الكتابة في تاريخ العلوم ويستعرض ما كتبوه في علم الحيوان" وهم: ياقوت الحموي، عبداللطيف البغدادي وزكريا القزويني. والعدد الجديد من "المورد" التي تصدرها "دار الشؤون الثقافية العامة" في بغداد والذي افتتح بمقال "بغداد المجد والازدهار الحضاري" لرشيد عبدالله الجميلي لا جديد فيه لجهة البحث العلمي أو المعلومة التاريخية مثلما كان سقط في التلفيق السياسي حين ختمه الجميلي: "وقد كان للتراث واستيعاب جوهر وروح الأمة العربية حضور فاعل ومتميز في مفردات النهضة العمرانية التي شهدتها وتشهدها بغداد اليوم ...". كتاب سيبويه ومن البحوث والدراسات نقرأ: "الحكمة في شعر علي الشرقي" وفق ما كتبه ناجي التكريتي حين أبرز ما في شعر الشرقي الذي عرف بأنه من أبرز شعراء العراق في مطلع القرن العشرين. أبرز الجانب التأملي في شعر الشاعر أو ما اعتبره شعر الحكمة. ومراجعة علمية رصينة ومعاصرة، تلك التي توافر عليها بحث نوزاد حسن أحمد: "المستوى الدلالي في كتاب سيبويه" تكاد تكون علامة فارقة في العدد الجديد من "المورد" لجهة اخضاع المنظومة اللغوية في النص الى مراجعة محكمة عبر الدرس اللغوي الحديث وليتكشف أمامنا الجانب الاجتماعي للغة بوصفها ظاهرة انسانية. معجم "ملحمة كلكامش" في مقدمة جهده اللافت يكتب داود سلمان الشويلي ضمن العدد "ان من يقرأ ملحمة كلكامش - وفي أي ترجمة كانت - يجد فيها الكثير من الألفاظ والمسميات التي تستعجم على الفهم. إذ ان قراءتها لا تحتاج الى قراءة اللغة التي وضعت فيها قبل آلاف السنين فحسب، بل تحتاج الى قراءة التاريخ الأدبي والانساني بكل تشعباته لكي يحل ذلك الاعجام". وهكذا يقدم الشويلي جهده ليتكفل بمهمة الاحاطة بالملحمة كعمل انساني فذ. يبدأ الشويلي بتعريف الملحمة والبطولة والوعي الانساني كما تؤكد ذلك نصوص الملحمة متوقفاً عند الملامح الأساسية للبطل الاسطوري ليثبت لاحقاً من الحرف آ الى ن اسماء أمكنة وآلهة وأعلام واناس عاديين وردت في الملحمة، وليبدأ المعجم من آبسو: الماء العذب بحسب الأساطير العراقية القديمة ولينتهي بننورتا إله الحرب والصيد. شعر القاضي الجرجاني ويحقق هاشم طه شلاش "شرح منظومة الأفعال الواوية - اليائية لعبدالله بن محمد الكردي الشافعي البيتوشي، فيما يحقق ويدرس ويجمع سامي علي جبار شعر القاضي الجرجاني أبو الحسن علي بن عبدالعزيز بن الحسين بن علي بن اسماعيل الجرجاني الذي وصفه الثعالبي بأنه "حسنة جرجان وفرد الزمان ونادرة الفلك وانسان حدقة العلم ودرة تاج الأدب وفارس عسكر الشعر يجمع خط ابن مقلة الى نثر الجاحظ ونظم البحتري". وبعد أن يعرّف المحقق بشعر القاضي الجرجاني وآرائه النقدية ووضعه كتاب "الوساطة" النقدي الذي انتصر فيه للمتنبي وللشعراء المحدثين عموماً، يقدم استعراضاً لما قاله المعاصرون في شعر الجرجاني قبل أن يقدم "ما تبقى من شعر القاضي الجرجاني" في نحو 84 قصيدة.