مع حلول الذكرى العاشرة لانهيار يوغوسلافيا 1991 - 2001 قامت مجلة "سلوبودنا بوسنا" التي تصدر في سراييفو ببادرة جريئة الا وهي الاتصال بعدد من النقاد في جمهوريات يوغوسلافيا السابقة سلوفينيا وكرواتيا والبوسنة وصربيا والجبل الأسود لاختيار أفضل عشرة كتب عرفتها يوغوسلافيا السابقة خلال القرن العشرين. والاستجابة في حد ذاتها الى مثل هذه البادرة كانت تستحق الاشادة، إذ ان الحروب والمآسي التي صاحبت افتراق جمهوريات يوغوسلافيا السابقة عن بعضها بعضاً جعلت من الصعب تصور هذه الاستجابة لما كان مشتركاً في يوغوسلافيا السابقة. وقد استجاب النقاد المعروفين مثل ايفان كوريتش من سراييفو وبوجا كوبروفيتسا من بلغراد وألس دبلياك من لوبليان ومارينكو فورغيتش من بودغوريتسا وراده دراغويفيتش من ربيكا وغيرهم، وبالاستناد الى ذلك جاءت قائمة أحسن عشرة كتب في يوغوسلافيا السابقة خلال القرن العشرين على الشكل التالي كما نشرت في جريدة "داناس" البلغرادية المعروفة عدد 16/6/2001: 1 - "ضريح لبوريس دافيدوفيتش" لدانيلو كيش، 2 - "الدرويش والموت" لميشا سليموفيتش، 3 - "جسر على نهر درينا" لايفو اندريتش، 4 - "وقائع مدينة ترافنيك" لايفو اندريتش، 5 - "عودة فيليب لاتينوفيتش" لميروسلاف كرليجا، 6 - "رواية عن لندن" لميلوش تسريناسكي، 7 - "فلسفة الريف" لرادومير كونسنتانتونوفيتش، 8 - "ربيع ايفان غالب" لفلادان دسينتسا، 9 - "الفناء اللعين" لايفو اندريتش، 10 - "الحديقة والرماد" لدانيلو كيش. ويلاحظ هنا ان أندريتش لم يعد يتصدر قائمة أفضل الكتاب في يوغوسلافيا السابقة، وهو المركز الذي كان يبدو انه يشغله في ظروف سياسية معينة، بل سبقه كاتب صربي قد يرد اسمه هنا للمرة الأولى دانيلو كيش، وكاتب مسلم من البوسنة قد يكون معروفاً أكثر نظراً الى ترجمة روايته "الدرويش والموت" الى العربية ميشا سليموفيتش. وفي الواقع لم يعد خافياً ان اندريتش كان يمثل مشروعاً صربياً سياسياً في يوغوسلافيا السابقة منذ شبابه المبكر وحتى صعوده في السلطة نائب وزير الخارجية في 1938 وبروزه في الرواية التي تثير حوله الآن اشكالات جديدة للمزيد انظر "ماذا بقي من يوغوسلافيا، ماذا بقي من اندريتش؟" في "الحياة" عدد 26/7/2000 ولذلك لم يكن من المستغرب ان يحظى اندريتش بدعم قوي من أوساط سياسية معينة في بلغراد كانت تحميه وتروج له بقوة السلطة في ارجاء يوغوسلافيا السابقة. ومن هنا لم يعد من المستغرب بعد انهيار يوغوسلافيا السابقة وانفكاك الجمهوريات من سيطرة بلغراد ان اعمال اندريتش لم تعد تطبع وتترجم خلال التسعينات كما كانت في السابق. ولكن لدينا هنا استثناء غير مسبوق في المشرق، حيث صدرت في التسعينات ترجمتان جديدتان في العربية لرواية "الفناء اللعين" لاندريتش، التي كانت قد صدرت الترجمة الأولى لها في القاهرة عام 1984! وفي الواقع كانت الترجمة الأولى قد صدرت بعنوان "السجن الملعون" من ترجمة صلاح سليمان وتقديم ثروت أباظة، وذلك في سلسلة الابداع العالمي التي تصدرها الهيئة المصرية العامة للكتاب. وفي 1992 صدرت في دمشق ترجمة أخرى لها بعنوان "الفناء اللعين" عن اتحاد الكتّاب العرب، تلك التي أنجزها عن الصربية أيضاً وليد السباعي من دون ان يشير في مقدمته الى الترجمة الأولى، بينما صدرت في بيروت العام الماضي 2000 الترجمة الثالثة بعنوان "الفناء اللعين" عن دار النضال وأنجزها زهير خوري وقدم لها المستشرق الصربي راده بوجوفيتش من دون أية اشارة الى الترجمتين الأولى والثانية. وفي الحقيقة ان هذا التركيز على اندريتش، الى حد صدور ثلاث ترجمات مختلفة لرواية واحدة، يشير الى خلل كبير سواء في عملية الترجمة نفسها أو في معايير الاختيار. وهكذا لم يعد القارئ العربي يعرف سوى اندريتش بعد تجاهل متواصل لكبار الكتّاب سواء من معاصري أندريتش أو ممن برزوا خلال حياته توفي في 1975. ومن هؤلاء من دون شك القصصي والروائي دانيلو كيش 1935 - 1989 الذي يتصدر الآن قائمة أفضل كتّاب يوغوسلافيا السابقة. وينتمي كيش الى جيل من الكتّاب ظهر في منتصف الستينات وطور أكثر الابداع القصصي والروائي لمن سبقوه وذلك بتناوله للمواضيع العامة الكونية واهتمامه بالشكل وعنايته الفائقة بالتعبير. وفي هذا الاطار يذكر لدانيلو كيش، الذي يعتبر الكاتب الرائد في الستينات، قوله "الشكل هو المشكلة الأزلية". ولفت كيش الانتباه اليه بقوة من خلال روايته "الحديقة والرماد" التي صدرت عام 1965 والتي لا تزال بحسب القائمة تعتبر من أفضل الأعمال الابداعية التي عرفتها يوغوسلافيا السابقة، ثم أصدر لاحقاً رواية "المرملة" عام 1972 ومجموعته القصصية "ضريح لبوريس دافيدوفيتش" في عام 1976 التي تصدرت الآن قائمة أفضل الأعمال الأدبية في يوغوسلافيا السابقة خلال القرن العشرين. دانيلو كيش : نصائح الى الكاتب الشاب * لا تكتب للنخبة لأنه لا وجود لنخبة، فالنخبة هي أنت. * لا تفكر في الموت ولا تنسى انك ستموت في يوم ما. * لا تؤمن بخلود الكاتب فهذه من فبركة الأساتذة. * لا تصبح جدياً الى حد تراجيدي لأن هذا يدعو الى السخرية. * لا تصبح كوميدياً لأن الارستقراطيين تعودوا على التسلية. * لا تصبح كراكوزاً. * لا تؤمن بأن الكتّاب هم "ضمير الانسانية" إذ يكفي ما رأيت بينهم. * لا تتركهم يقنعونك بأنك لا شيء، إذ انك اقتنعت حتى الآن بأن الارستقراطيين يحسبون حساباً للكتاب. * لا تنس ان للبطولة ثمناً مرتفعاً. * لا تكتب شيئاً عن الاحتفالات والمناسبات. * لا تمدح أحداً لأنك ستندم في المستقبل. * لا تكتب شيئاً في مدح عظماء لأنك ستندم في المستقبل. * إذا لم تستطع قول الحقيقة فاصمت. * احترس من انصاف الحقائق. * اذا وُجد احتفال عام فإن هذا لا يبرر ان تشارك فيه. * لا تجعل نفسك في خدمة الأمراء والارستقراطيين. * لا تطلب ان يخدمك الأمراء والارستقراطيون. * لا تتركهم يقنعونك بأننا متساوون في الحقوق ولذلك يجب الا تناقش قضية الذوق. * لا تتناقش مع الجهلاء في القضايا التي يسمعونها منك للمرة الأولى. * لا تؤمن ب"الفكر العلمي". * لا تعتمد على الأشياء العامة والاستشهادات الايديولوجية. * امتلك الجرأة لتقول ان قصيدة اراغون حول غيبه عبارة عن سخف. * لا تبحث عن ظروف مخففة لك. * لا تتركهم يقنعونك ان كامي وسارتر كانا على حق في السجال الذي دار بينهما. * لا تؤمن بالكتابة الاوتوماتيكية وب"الغموض الواعي" إذ ان هدفك هو الوضوح. * لا تقبل المدارس الأدبية التي تفرض عليك. * حين يُثار موضوع "الأدب الملتزم" اصمت كالسمك: اترك هذا الأمر للأسااتذة. ترجمة م. م. الأرناؤوط