كيف يجري الكلام على اختراعات القرن الحادي والعشرين قبل أن ينتهي القرن العشرون؟ لعل هذه العبارة نفسها أغرب من الكلام على ما سيكون من اختراعات. ولكن رويدك، فالقرن الميلادي العشرون لم ينته بعد، إذ يجب أن ينتهي العام 2000 حتى ينتهي القرن، وتنتهي معه الألفية الميلادية الثانية. هذه حقيقة علمية بسيطة لا جدال فيها. إلا أن كثيرين روَّجوا لفكرة ابتداء القرن الحادي والعشرين والألفية الثالثة مع بداية العام 2000 عوضاً عن نهايته، لأسباب تجارية بحت. فقد كانوا يأملون بتحريك الاقتصاد من خلال بيع خدمات مختلفة ليلة رأس السنة. لكن النتيجة لم تكن كما أرادوا، بسبب الرعب الذي أصاب الناس من مشكلة العام 2000 الخاصة بالحاسوب، فجعل كثيرين يمضون ليلة رأس السنة في بيوتهم. وإذا انفك السر الأول، فلعل السر الثاني أسهل منه. فالاختراعات هي ما يأمل بنو البشر أن يصلوا اليه، وليس بالضرورة ما سيتحقق فعلاً. وهنا عرض لنتائج استطلاع للرأي قامت به احدى الجامعات الاميركية لمعرفة آمال الناس، وشمل 300 طالب يمثلون جيل الشباب، و300 من آبائهم أو أمهاتهم يمثلون جيل الكهول أو الشيوخ. وهدفت الدراسة الى تشجيع جيل الشباب على اقتحام مجالات العمل التي فيها ابداع واختراع من أجل استمرار مسيرة العمل العلمي والبحثي. وطلب الاستطلاع - في جزء منه - من كل مشارك ان يعطي رأيه في ما سيكون أهم اختراع في القرن الحادي والعشرين، على أن يختار واحداً من ستة أمور يعتقدرها الأهم. وتقاربت آراء الآباء والطلاب في هذا المجال. فقد رأى 40 في المئة من المشاركين ان أهم اختراعات القرن الحادي والعشرين هي التي ستساعد الانسان على تفادي أخطار الكوارث الطبيعية كالزلازل والأعاصير. وحل في المركز الثاني انتشار السيارة الكهربائية التي لا تسبب ضرراً على البىئة، وفي المركز الثالث اختراع آلات حية تنتج طعامها بنفسها من مواد غير عضوية، وفي المركز الرابع اختراع طرق للتحكم بالعقل البشري، وفي المرتبة الخامسة اختراع حاسوب يلبسه الانسان، وفي المرتبة الأخيرة اختراع أنظمة تسلية في الواقع المتخيل. أما في الجزء الأخير من الاستطلاع، فطلب من كل مشارك أن يعطي رأيه في أهم اختراعات القرن العشرين. وانحصر الاستطلاع في ستة مجالات من التي تهم البشرية، وهي: الطب والطاقة والبيئة، والاتصالات، والصناعة، والسلع الاستهلاكية، وأوقات الفراغ والتسلية. وكانت النتائج كالآتي: - في المجال الطبي، جاء اكتشاف المضادات الحيوية في المركز الأول، إذ نالت 57 في المئة من أصوات الآباء و46 في المئة من أصوات الطلاب. وفي المركز الثاني اختراع القلب الاصطناعي وغيره من الأطراف والأجزاء الاصطناعية لجسم الانسان، وفي المركز الثالث الجراحة بالليزر، وفي المركز الرابع معالجة شلل الأطفال، وفي المركز الخامس التشخيص بالأشعة السينية. - وفي مجال الطاقة والبيئة، حلت في المركز الأول إعادة تصنيع المخلفات، إذ نالت 24 في المئة من أصوات الآباء و39 في المئة من أصوات الطلاب. أما المركز الثاني فكان من نصيب استخدام الطاقة الشمسية، في حين آل المركز الثالث الى الطاقة الذرية، والمركز الرابع الى تكييف الهواء. وحل في المركز الخامس محول غازات عادم السيارة نواتج غير ضارة. - وفي مجال الاتصالات احتلت الانترنت أعلى نسبة إذ حصلت على 89 في المئة من أصوات الآباء و87 في المئة من أصوات الطلاب. الهاتف الخلوي جاء في المركز الثاني، وآلات الصرف الآلي في الثالث، وآلة الفاكس في الرابع، ثم آلة الرد على المكالمات الهاتفية. - وفي مجال الصناعة حصلت اللدائن أو المواد اللدنة البلاستيك على المركز الأول بنيلها 34 في المئة من أصوات الآباء و27 في المئة من أصوات الطلاب. ثم جاءت المراكز من الثاني الى الخامس بحسب التسلسل الآتي: رحلات الفضاء، خطوط الانتاج والتجميع، ترميز الأرقام بخطوط شريطية كالتي على البضائع في المحال التجارية، الطيران التجاري. - وفي مجال السلع الاستهلاكية نال الحاسوب الشخصي أعلى الأصوات من الآباء 79 في المئة، ومن الطلاب 69 في المئة. ثم تبعه فرن المايكرو ويف، فالعدسات اللاصقة، فمادة الفلكرو وهي قماش من نايلون يلتصق على نفسه Velcro، ثم جهاز البيجر Pager في المرتبة الخامسة. - وفي مجال اختراعات أوقات الفراغ والتسلية احتل التلفزيون المركز الأول بحصوله على 70 في المئة من أصوات الآباء و53 في المئة من أصوات الطلاب. في حين نالت الأقراص المدمجة CD المركز الثاني، وتبعتها ألعاب الحاسوب، فالبطاقات الائتمانية، وأخيراً أدوات التزلج التي حصلت من الآباء على أقل الأصوات، لكنها لم تحصل من الطلاب على أي صوت. وفي الجزء الأخير من الاستطلاع، طُلب من كل مشترك أن يختار اختراعاً واحداً فقط مما ذُكر أعلاه، يعتبره الأهم في القرن العشرين. فكانت النتائج كما يأتي: نال الحاسوب 27 في المئة من أصوات الآباء و34 في المئة من أصوات الطلاب، أما المضادات الحيوية فنالت 36 في المئة من أصوات الآباء و16 في المئة من أصوات الطلاب، وكانت الانترنت في المرتبة الثالثة إذ نالت أصوات 10 في المئة من الآباء و17 في المئة من الطلاب. واحتل التلفزيون المرتبة الرابعة فنال أصوات 6 في المئة من الآباء و12 في المئة من الطلاب. وتبعت ذلك المواد اللدنة البلاستيك في المرتبة الخامسة، ثم إعادة تصنيع المخلّفات في المرتبة السادسة، ثم الجراحة بالليزر في المرتبة السابعة، ثم باقي الاختراعات التي لم يبق لها مجتمعة سوى 8 في المئة من الأصوات. وإذا كان أحد الأهداف الأخرى للدراسة معرفة كيف ينظر كل من الفريقين الشباب والكهول الى أهمية الاختراعات الحديثة، أو ما يجب أن يصل اليه الانسان من اختراعات، فإن هذا تحقق. إذ يُلاحظ من النتائج ان الانسان الذي يشهد ولادة اختراع معين يدرك اهميته أكثر ممن جاء ووجده موجوداً أمامه. فالآباء مثلاً عاش كثر منهم مرحلة من عمرهم لم تكن فيها المضادات الحيوية موجودة، ما جعل هذه المضادات مهمة جداً لهم. أما الطلاب فجاؤوا الى الدنيا وليس هناك مشكلة من هذه الناحية. لذا فإن كثيرين منهم لم يدركوا اهميتها. ومن هنا نعرف لماذا حصلت الانترنت على أصوات عالية، إذ شهد ولادتها الجميع فأدركوا أهميتها. كذلك نلاحظ أن بعض الاختراعات ليست مما يهم الناس العاديين، لذا لم تحصل على أصوات عالية. ومن ذلك مثلاً موضوع ترميز الأرقام على شكل خطوط شريطية، أو اختراع خطوط الانتاج والتجميع. ويُلاحظ من النتائج أيضاً اتفاق آراء الآباء والطلاب على اختراعات القرن الحادي والعشرين. وسبب ذلك الثقافة المشتركة التي أخذها كلا الفريقين في ما يتعلق بالكوارث الطبيعية والمحافظة على البيئة. * أستاذ الهندسة في جامعة الملك عبدالعزيز.