لم تذهب سدى أربعون سنة أمضتها السيدة اللبنانية منيرة الصلح في خدمة المعوقين، وهي وإن عملت في صمت تمكنت من خلال مثابرتها وعملها الدؤوب على جعل المعوق عضواً فاعلاً في مجتمعه لا عالة عليه. وحصدت في ال79 من عمرها، عدداً من جوائز التكريم والدروع أبرزها جائزة "روز فيتز جيرالد كيندي" العالمية للأمومة ك"أفضل أم لمعوق" في العالم. والسيدة الصلح تستحق اللقب والتكريم عن جدارة لأنها أم لمعوق. ولم تخجل في ذلك الوقت من حال وليدها في حين كان الناس يخفون حالات أطفالهم بعضهم عن بعض ولا يظهرون ان أحد اطفالهم معوق، بل كانت الاعاقة او التخلف الذهني مصدر خجل وحياء. لكن السيدة الصلح لم تتوانَ حين كانت تقوم بجولة انتخابية في الخمسينات عن تسجيل كل الحالات التي واجهتها، او بالأحرى راحت تبحث عنها وتقوم بجمع المعلومات التي كشفت لها وجود حالات كثيرة حدت بها الى تأسيس مؤسسة "الأمل" للمعوقين في العام 1959 في برمانا، ولا تزال على رأسها. وراحت منذ ذلك الحين تناضل في العمل الانساني والاجتماعي من أجل قضية المعوقين لدمجهم في المجتمع وعدم اعتبارهم عالة عليه. وعندما بدأت مسيرتها بعد اغتيال زوجها وحيد الصلح، "لم تفكر بابنها سليم فقط بل كانت تلمس حاجة المجتمع الى مثل هذه الخدمات خصوصاً انها أحصت عدداً كبيراً من العائلات التي لديها ابناء متخلفون ذهنياً". وأولى انجازات السيدة في اثبات حق المعوقين بالرعاية والتأهيل، تجاوب الدولة اللبنانية مع هذا الحق، فأنشأت في عام 1961 مديرية الصحة العقلية في الانعاش الاجتماعي. ولم تقف السيدة الصلح خلال الحرب اللبنانية عن اطلاق النشاطات للمعوقين بل باشرت فكرة "المعوقون طاقة انتاجية مندمجة في المجتمع" وأسست مخبزاً آلياً عمل فيه المعوقون والمرضى العقليون الى جانب العاديين، أعطى خبزاً نحو ثلاث سنوات لتسع قرى في "أخطر الظروف". لكن القذائف التي اصابته أوقفته عن العمل مما حدا بالسيدة الصلح الى اطلاق برنامج آخر هو "كنزة الشتاء". وهذا البرنامج الذي انطلق في العام 1989 لا يزال قائماً الى اليوم وهو يعطي من "معوق الى من هو في حاجة" كنزة في الشتاء. وأوضح المدير العام لمؤسسة "الأمل" نسيب الصلح ان "المعوقين ينتجون 1200 كنزة شهرياً "لكننا لا نبيعها بل نعطيها للمحتاجين في مقابل تبرعات". وقال "ان كل 25 ألف ليرة تأتي تبرعاً تسهم في تشغيل معوق وتدفئ من هو في حاجة عبر 56 جمعية أهلية منتشرة في كل المناطق اللبنانية مسؤولة عن 12382 يتيماً و2442 عاجزاً و1772 معوقاً و150 سجيناً حدثاً، اضافة الى مساهمتها في تدفئة المعتقلين اللبنانيين في السجون الاسرائيلية". ولمناسبة نيلها جائزة "روز فيتز جيرالد كيندي" أقامت "اللجنة الوطنية اللبنانية لتكريم السيدة منيرة الصلح" احتفالاً تكريمياً لها في قصر ال"أونسكو" ونالت السيدة منيرة الصلح فيه أربعة دروع تقديرية سلمها اياها ممثلا رئيس الجمهورية وزير الشؤون الإجتماعية ميشال موسى، ورئيس الحكومة الوزير حسن شلق. والدروع من نادي دبي للمعوقين ووزارة الشؤون الاجتماعية في الكويت ومعهد الجودة، والمجلس النسائي اللبناني. أما جائزة "روز فيتز جيرالد كيندي" التي تمنح كل خمس سنوات تقديراً لأشخاص قدموا خدمات انسانية وضحّوا في مساعدة الاشخاص المتخلفين عقلياً، فمنحت الى السيدة الصلح تقديراً ل"تضحياتها في مساعدة المعوقين والمتخلفين عقلياً" وهي جائزة معنوية ومادية قيمتها 10 آلاف دولار اضافة الى نيلها ميدالية ذهبية تحمل اسم "روز كيندي". والجائزة هذه لم تعطَ منذ أسست في العام 1962 لأي امرأة في الشرق الأوسط. وكانت الصلح أول من ينالها في احتفال أقيم في آب أغسطس الماضي في سياتل في الولاياتالمتحدة الأميركية حيث انتخبها النادي اللبناني الأميركي رئيسة فخرية له مدى الحياة، على ما أوضح السيد نسيب الصلح ل"الحياة". وأشار أن مؤسسة كندي "اختارت والدته بعدما بحثوا في كل الشرق الأوسط ولم يجدوا مثيلاً لها في العمل من أجل المعوقين". وأوضح أن آل كندي قالوا فيها: "إنها أول من أسس مركزاً لرعاية المعوقين في الشرق الأوسط".