الكتاب: "ورد الحناء" شعر الكاتب: هاشم شفيق الناشر: دار المسار 1999 - بيروت يتقمص هاشم شفيق في قصائد ورد الحناء، روح الطفل وعينه في رؤيته لما حوله، فإذا كل شيء مدهش وملوّن ويستحق النظر والوقوف، كل شيء منسوج بالشعر الكامن فيه. وهو ينحو بذلك الى غزارة التفاصيل واكتظاظ المشهد، وتعدديته، بلغة ملموسة تخاطب الحواس وتبتعد عن كل ما هو ذهني، كأنه يقول بحكمة المرئي وحقيقته، الا ان تلك المشهدية المفرطة احياناً، تسقط في نمط الوصفية فلا تنفذ الى الاعماق. لا تجد للقارئ السبيل بل عليه اكتشافه عبر روح الشاعر نفسه، ونحن في زخم القلاع والظلال وزحف الحلزونات والسفن والموانئ، حيث يتحول كل ما هو مرئي الى كلمات تصوغ حالات شعرية تفتقد الى المفارقة او الفلسفة الكامنة خلفها. المشهد لا يعني الا تفاصيله، والكلمات ترتدي حجوم المسميات. كما لو كانت القصيدة لوحة زيتية، صبت الوانها عدسة مفتوحة على الكائنات وتنوعها. كل ذلك بإيقاعات موزونة لا ينساها هاشم الا في فترات متباعدة، هو المفتون بجرس الكلمات وموسيقاها، ثم يدوزن عبر ذلك الايقاع، ايقاع كون آخر، يروم صناعته والعيش فيه. يغترف هاشم شفيق مادته من الطفولة، والتجربة، والمدن البعيدة التي عاش فيها او مرّ بها مثل عين كاوة وأربيل العراقيتين وأصقاع جبل لبنان التي شرب من عيونها، والمدن البريطانية والشوارع اكتون تاون مثلاً والأنفاق الأرضية والساحات، التي يراها بعين المندهش، او الشرقي الساكن في محيط لا ينتمي اليه. يهرب من صور الذهن والحكمة الجاهزة والانشاء المتوارث عبر عصور الشعر العربي، منظفاً لغته من زياداتها ومترادفاتها غير الضرورية. لكن يظل الماضي، والطفولة منه خاصة، حجراً مغناطيسياً يجذب بصيرته. الماضي، ذلك العالم الموؤود، النائي، المختزن في لاشعور عميق، الذي غاب خلف السفر والمنفى والنضوج. انه واحة المخيلة حين يوهنها تعب الحاضر او فظاظاته. ففي قصيدة "بيت جدي" تحضر الحصران والقصب وريش التم والقيظ مفردات كونت اعماق الذاكرة، ونحتت منها حياة بكرا لا يمكن مغادرتها. وكذلك قصيدة النار، وهي تشتعل في زمان بعيد، وتظل مشتعلة من دون توقف، لأنها فنار لسفن متعبة من الابحار. هذا الانشداد الى عالم طفولي ثرّ، يخاطبه الشاعر بلسان يؤنسن الشجرة والعنكبوت وذرذرات الضوء وعشب الحديقة وقبعة التمثال ودودة العنكبوت. يؤنسن العالم حوله بروح حلولية تنتمي الى الطبيعي والبكر والطازج، في توحد مطلق بين الانسان ومحيطه. لا يهوى هاشم شفيق اللعبة اللغوية في تكوين القصيدة، ولا الحدس المنبثق عن الذهن، انما يقص على القارئ بضمير الأنا عادة، وعن ذلك العالم الذي عاشه، وغذى مخيلته، عالم السفر والتأمل والمعاناة من الغربة وضيق الحركة والضباب. لا يشذ عن هذا سوى قصيدته "نصب في المدينة" حيث يتقمص هذه المرة روح التمثال الواقف في ركن من اركان مدينة نزرة الضوء، ذات رائحة مغايرة، ومذاق آخر، فيسرد لنا ما يراه ذلك التمثال حول العشاق المتعانقين تحت رخامه، والزحام والطيور التي تحط عليه وترحل، يقص حلمه بالذهاب الى حافة البحر كي يتمتع، هو الآخر، بالعزلة، بعيداً عن ضوضاء البشر. انه حلم الشاعر ايضاً في السكون، في التأمل المطلق مع الذات، في مغادرة الشرنقة الحجرية الملفوفة حول جسده بقدرية لا فكاك منها. وهذه القصيدة تكشف عن روح كامنة لدى شفيق في التوغل في الأشياء اكثر من وصفها، سبر العالم الداخلي اكثر من الخارجي، وهي الرؤية التي حكمت قصائد معظم الديوان واستطاع الشاعر الخلاص منها لاحقاً، اذ ان معظم قصائد "ورد الحناء" مكتوبة قبل 1995، لذلك يمكن القول انها كانت مفصلاً لتطور الشاعر وتوغله الى الاعماق. وهذا ما لوحظ لاحقاً عند هاشم، بعدما اصبحت كتاباته تهتم بومضة الشعر وجوانية الرؤية اكثر مما تهتم بكتابة قصيدة مشهدية بمفومها القديم. وقد يكون هذا ناتج عن نضج الحكمة واكتمال الرؤية لديه، الأمر الذي جعل منه حاملاً متفرداً محسوساً وأسلوباً يشير اليه من خلال ما يكتب. ان ميل الشاعر الى تحويل كل ما يحسه ويراه ويسمعه الى شعر، اودى به احياناً الى الاستسهال في رصد الاشياء، وبالتالي تحويلها الى كلمات وجمل وقصائد، مما خلق لديه كثيراً من القصائد الفوتوغرافية، السردية، المفتقرة للّقطة الضاربة والومضة الشعرية الخارقة، وانعدام مركز الثقل داخل القصيدة. فإذا هي افقية السرد توصل الى القارئ صورة شعرية سرعان ما تُنسى. لكن على رغم ذلك، يخلق لغة ملونة، لغة طازجة وثرية ومتنوعة، يقود عبرها القارئ الى رؤية ما دق من اشياء وما خفي، كما في قصيدته "عنكبوت يبتسم". ان تعامل هاشم شفيق مع الأشياء بحساسية مفرطة، حساسية شاعر رقيق، ممتلئ بالخيالات والهواجس والرؤى، مكنه من ان يرسم العالم الخارجي ببراعة. وهو يقول في هذا الصدد "هكذا يمضي بعضهم الى الحياة، يلعب بها ويلهو، وبعضهم يرسب في فيئها ويضأل في اسفل الظل، لذلك اني مولع بنحت الظلال وزرعها في الحدائق، لا بد ان يزهر الظل حتى وان لم يصدقني البستاني". والبستاني هنا هو القارئ، او الآخر المراقب لتجربة الشاعر، لكنه على أي حال، بقي في هذا الديوان، في حدود الرسم، وفي حدود المزاج الطفولي البريء، البعيد عن فلسفة الأشياء او فلسفة الرسم ذاتها. لم يستولد الشاعر افقاً آخر هو الأفق الفني المنفتح على الاستشراف، ولم يتوغل الى الحكمة الكامنة خلف العالم، بقيت قدماه على الأرض ولمّ السطح من بين يديه، دون ان يغامر باكتشاف جنون عالمه، وجوانيته الساحرة.