ادخلت على البناء الأساسي للمسجد النبوي الشريف توسيعات وتطويرات كثيرة منذ بناه الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد ضاقت مساحة المسجد الأمامية 60x70 ذراعاً عن استيعاب الاعداد المتزايدة من المسلمين، فرأى النبي بعد عودته من غزوة خيبر إضافة الأرض المجاورة للمسجد والعائدة لأحد الأنصار، ووصلت مساحة المسجد بعد التوسعة إلى الضعفين تقريباً. لم يتغير أي من أجزاء المسجد ولم يمر عليه تعديل أو توسيع أيام ابي بكر رضي الله عنه سوى استبدال الاساطين التي أصابها النخر. لكن الأمر تبدل في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فمع أنه لم يغير في هيئة المسجد، إلا أنه زاد في مساحته التي بلغت 1100 متر مربع بمقاييس اليوم. استمر العمل في توسعة عثمان رضي الله عنه 10 أشهر وحملت تغييرات في هيئة المسجد ومواد البناء، وبلغت مساحة توسعته 496 متراً مربعاً. وكانت المقصورة أحد المعالم المعمارية الجديدة فيها وهي أشبه بالغرفة المقامة في الموضع الذي يصلي فيه الإمام ولم يكن ذلك معروفاً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. أما التوسعة الرئيسية في العهد الأموي فقد تمت في زمن الوليد بن عبدالملك بين 706 و709م. وتلبية لطلبه بعث قيصر الروم بعمال من الروم والقبط للمشاركة في أعمال التوسعة، وكان الأقباط وهم العمال المصريون يبنون في مقدمة المسجد، والروم وهم من بلاد الشام يعملون في الجانبين والمؤخرة. وبعث القيصر 40 ألف مثقال من الذهب وأحمالاً من الفسيفساء وسلاسل القناديل، وبلغت مساحة الزيادة 2768 متراً مربعاً ومن عناصرها المعمارية المحراب الذي هو الحنية التي في صدر المسجد. انجزت توسعات كثيرة للمسجد وتعديلات وإضافات في العصر العباسي أهمها توسعة المهدي بين عامي 777-781م والتي بلغ من ضخامتها أن أصبح للمسجد 24 باباً. وبعد توسعات الرشيد والمتوكل والمعتضد والمقتفي والمستضيء والناصر بدين الله، بلغ بناء المسجد مستوى رفيعاً من حيث متانة هندسته وجمال معماره وتزيينه ودقته. واستمر الأمر كذلك في العصر المملوكي حيث تولى السلاطين المتعاقبون أعمال الصيانة والتوسيع برز منهم الظاهر بيبرس الذي تمثلت توسعته بإضافة المقصورة المحيطة بالحجرة الشريفة وبيت السيدة فاطمة. كما اقيمت القبة على القبر الشريف للمرة الأولى في عهد الناصر محمد بن قلاوون وتم تجديدها في عهد ابنه حسن، ثم في عهد شعبان بن حسين بن قلاوون. على أن التعمير الأهم حدث في عهد السلطان قايتباي على اثر الحريق الكبير 1481م الذي أتى على كل محتويات المسجد، وبلغت كلفة التوسعة وإعادة البناء آنذاك 120 ألف دينار والمساحة المضافة 120 متراً مربعاً، وشكلت الأعمدة التي بلغ عددها 305 أعمدة معلمها الرئيسي إضافة إلى القناديل التي بلغت 290 قنديلاً. ويعتبر المنبر الرخامي البديع الصنع 1580م إحدى الإضافات البارزة من الفترة العثمانية عدا تغيير بعض القباب والجدران وتبليط أرضيات وأعمال رخام متنوعة ووضع ستائر وتذهيبات وزخارف ووحدات موازيين وغيرها. ومثلت أعمال السلطان عبدالمجيد الأول أكبر عمارة تمت في المسجد في تلك الفترة، إذ شملت المسجد كله عدا الحجرة النبوية الشريفة والمحاريب الثلاثة والمنبر والمنارة الرئيسية واستغرقت 12 عاماً. وبعد انجازها أهدى السلطان شمعدانين من الذهب وهما مرصعان بالألماس ويضاءان بالشمع الكافوري، كذلك أهدى مئة قنديل بسلاسل ذهبية فضلاً عن شمعدانين من الفضة لبيت السيدة الزهراء مع أربعين قنديلاً معلقة بسلاسل ذهبية. وبلغت مساحة المسجد بعد اصلاحات عبدالمجيد 10342 متراً مربعاً. وفي العام 1951، وبتوجيه من الملك عبدالعزيز بدأت عملية توسعة المسجد التي اعتمدت هياكل خرسانية مسلحة مرتكزة على أعمدة تحمل عقوداً مدببة. واستمرت عامين ونصف العام وتضمنت 232 عموداً مستديراً و474 عموداً مربعاً و689 عقداً و44 نافذة، واستحدثت مكتبة للمصحف ضمت مجموعة نادرة من مخطوطات المصاحف المنوعة بلغ عددها 1774 مخطوطاً يعود بعضها إلى القرن السادس الهجري، إضافة لمكتبة الحرم التي ضمت 12 ألف كتاب مطبوع و600 مخطوطة وعدداً كبيراً من المصورات والدوريات. وبلغت مساحة التوسعة الجديدة 6024 متراً مربعاً وبذلك أصبحت المساحة الكلية للمسجد 16327 متراً مربعاً. أما التوسعة السعودية الثانية فقد انجزت في عهد الملك فيصل بن عبدالعزيز وشملت الجهة الغربية من الحرم وبضمنها سوق القماش وشارع العينية والمياضئ التي كانت أمام الحرم من الجهة الغربية، إضافة إلى المساكن والشوارع التي كانت في هذا الاتجاه، وبلغت مساحتها 94000 متر مربع، أي ما يعادل 6 أمثال مساحة الحرم تقريباً، واقيمت فيها انشاءات مؤثثة بهيئة مظلات وجهزت بتراكيب الإنارة اللازمة والمراوح الكبيرة ومكبرات الصوت وبلطت أرضها بالرخام وغطي الرخام بالسجاد العجمي. ويقدم الكتاب الذي بين أيدينا "المدينةالمنورة ومسجدها النبوي الشريف" الصادر باللغة الانكليزية صورة واضحة وشاملة للتوسعة الجديدة الأخيرة التي لم تكن أبنية واهراءات ومجمعات عملاقة فقط تستهدف المنفعة المادية المباشرة في ايواء الأعداد الكبيرة من المصلين، وإنما جمعت إلى ذلك ذوقاً فنياً رفيعاً وقدمت تحفة معمارية نادرة المثال. وتكفي الصور الفوتوغرافية والمخططات الهندسية والأرقام لتصور الجهد الهائل الذي بُذل لتحقيقها والامكانات الاستثنائية التي أمنها خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز. بلغت التوسعة الجديدة من الضخامة حداً يراد له استيعاب 250 ألف مصل إضافي ضمن مساحة 11 هكتاراً بما فيها مساحة سطح المبنى التي تستوعب 90000 مصلٍ اخرين، وذلك عدا الساحات الخارجية المفتوحة المحيطة بالمسجد والتي تستوعب 350 ألف مصلٍ. وإذا اضفنا إلى ذلك طاقة استيعاب المبنى الأصلي، فإن عدد المصلين يصل إلى مليون. وبذلك أمكن تحقيق معجزة من معجزات الفن المعماري والانشائي والميكانيك والكهرباء وسائر فنون التقنية الحديثة، وفيها جوانب لم يسبق تنفيذها أو تجربتها في أي بقعة أخرى في العالم. اتخذ البناء الجديد شكلاً مستطيلاً يحيط بالمسجد القديم القائم من جهاته الثلاث: الشمال والشرق والغرب، شاغلاً مساحة قدرها 82000 متر مربع ممتدة على ثلاثة طوابق هي السرداب والأرضي والسطح الذي يتوقع تحويله إلى طابق عند الحاجة. ويحتل المبنى عموم مساحة التوسعة وفق منظومة بنائية هيكلية مكونة من وحدات متكررة متماثلة شكلاً وأبعاداً، ويضم سبعة وعشرين فناءً مفتوحاً ترتفع فوق كل منها قباب متحركة. والقباب مستقاة شكلاً ووظيفة من قباب المساجد التي سبق تضمينها في المسجد في فترات مختلفة من تاريخه. وقد وظفت التقنيات الحديثة المستندة على التقنيات التقليدية لحرفة القباب الخشبية المستمرة بتواصل وتطور والمتسمة بالاتقان والتميز حيث مكنت هذه من تحريك القباب لتأمين الحركة المطلوبة لها وانزلاقها السلس لتغطية الفناءات وقتما يكون التغليف مطلوباً، كذلك إعادتها وسحبها إلى مواضعها محققة الانفتاح نحو السماء. وتذكر محررة الكتاب سلمى سمر دملوجي ان مشروع التوسعة الجديدة في المسجد النبوي في المدينةالمنورة يركز على التزاوج بين تقاليد العمارة الإسلامية الكلاسيكية المقابلة لتلك الطرز المحلية للعمارة في شبه الجزيرة العربية، كما أنه يؤكد في الوقت ذاته على استخدام مواد البناء المحلية المميزة للمشهد الطبيعي التاريخي في السعودية مثل الغرانيت والمرمر والحجر، وادخلت كذلك المواد الانشائية المصنعة وطرق الانتاج وتقنياته للاستفادة من الامكانات التي توفرها هذه التقنيات المتقدمة عالمياً وتضمينها في تصميم المبنى وفي انشائه وتشغيله على حد سواء. ومن الحقائق المعمارية والتقنية نورد أمثلة تساعد في تقريب صورة الإضافة الجديدة حجماً ونوعاً. فقد زينت المبنى ست مآذن إضافة للأربع الاصلية، وبلغ ارتفاع كل منها 104 أمتار، وهو ارتفاع شاهق تطلب وضع أسس بعمق 40 متراً. وتضمن المستوى الأرضي، بالإضافة للمكونات المعمارية الأخرى، 27 فناء مفتوحاً و27 قبة منزلقة وبلغ عدد السلالم الثابتة 18 والمتحركة 12 وعدد أعمدة التوسعة 2104 غلفت جميعها بالرخام الايطالي الأبيض وتيجانها من النحاس المحفور والمنقوش تم تضمينها مكبرات الصوت بشكل غير مرئي وبلغ مجموع أبواب الطابق الأرضي 65 باباً وجهز المبنى بتراكيب إنارة مؤلفة من 7330 وحدة من النحاس المحلي وزود ب9128 تركيب إنارة دائرياً و4000 وحدة إنارة بسيطة و64 ثريا ضخمة و111 ثريا اصغر منها. وذلك عدا عن مشاريع التهوية وإطفاء الحرائق والتبريد وتصريف المياه، فمياه الشرب مثلاً توفرها 550 نافورة و24 نقطة املاء وتوجد 6 مكائن تبريد لانتاج الماء المثلج تدفع كل واحدة منها 3400 غالون في الدقيقة ويستوعب موقف السيارات 4163 سيارة دفعة واحدة. The Architecture of the Prophet's Holy Mosque: ALMADINA Edited by: Salma Samar Damluji HAZAR Publishing Ltd., London 1998 ISBN 1-874371-33-4