الكتاب: إمارة بني صالح في بلاد النكور. المؤلف: الطاهري أحمد. الناشر: مطبعة النجاح الجديدة - الدار البيضاء. يعد أحمد الطاهري من الباحثين المغاربة القليلين الذين يشتغلون على تاريخ الغرب الاسلامي بصفة عامة، والأندلسي بصفة خاصة. وكتبه خير دليل على ذلك. منها على سبيل المثال: "عامة قرطبة في عصر الخلافة - دراسة في التاريخ الاجتماعي" الرباط، 1989، "دراسات ومباحث في تاريخ الأندلس - عصرا الخلافة والطوائف" الدار البيضاء، 1993، "الطب والفلاحة في الأندلس بين الحكمة والتجريب" المحمدية، 1997. والآن يأتي هذا الكتاب الذي في متناولنا لكي يملأ الفراغ الذي يعاني منها جانب مهم من تاريخ المغرب الوسيط خصوصاً وتاريخ الغرب الاسلامي عموماً. منذ الصفحات الأولى نجد ان الطاهري يحاول ان يضفي على منطقة النكور طابعاً تاريخياً خاصاً، فهو يؤكد مثلاً ان نكور تعتبر "اول وأقدم حاضرة اسلامية انشئت ببلاد المغرب" ص5، كما انه يقول: "ولا اخفي ان الحفريات التي باشرتها في متون جملة من أوثق المصادر العربية قد اسفرت عن مفاجآت، غير منتظرة في ما يتعلق بالبواكر المؤصلة لجذور الثقافة المغربية الأندلسية، اذ تبلورت بادئ ذي بدء بنكور في مجالات الفقه والاحكام والوثائق والشروط وفي اللغة والشعر والموسيقى والآداب وفي علوم الحساب والفرائض والفلاحة، فضلاً عن الترسيل السلطاني المرتبط بأول مدرسة لديوان الكتابة والانشاء بالغرب الاسلامي". ومن جانب آخر فهو يعمل على ابراز التهميش والصورة السلبية التي تقدمها المصادر العربية، خصوصاً التاريخية منها إبن حيان عند حديثها عن النكور وبالتحديد بعد استقرار الخلافة الأموية بقرطبة. يقسم الطاهري دراسته هذه الى بابين وستة فصول. ففي الباب الأول يدرس اشكالية نشأة إمارة نكور واتصالاتها الأولية بالاسلام بشمال افريقيا. ويؤكد، من جهة اخرى، واعتماداً على الكثير من الشهادات التاريخية، ان نكور ومنطقة الريف بصفة عامة لم تتعرض لأي فتح اسلامي عسكري خلال مرحلة الفتح. وبعد تأكيد الأصل البربري الصنهاجي النغزي لكل من مؤسس امارة نكور صالح بن منصور، وطارق بن زياد. ينتقل الى الحديث عن العلاقات السياسية بين هذه الامارة والفاتحين المسلمين، ونتائج السياسة الضرائبية التي طبقها الوالي الأموي، يزيد بن ابي مسلم في المنطقة، ومشاركة بربر نكور في الحركة الخارجية ضد السلطات الأموية في قرطبة. ويقدم المؤلف دراسة دقيقة للأعمال التي قام بها ابناء صالح بن منصور، خصوصاً ادريس بن صالح الذي تمكن من تأسيس احدى الامارات الأكثر أهمية في شمال المغرب، والتي ستفتح علاقات جد مهمة مع الخلافة الأموية في قرطبة. يخصص المؤلف الباب الثاني لدراسة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لإمارة نكور، فهو يحلل وضعية الأرض انطلاقاً من الفتح الاسلامي، والنشاط الفلاحي في المنطقة بما في ذلك تقنياته المتطورة خصوصاً سياسة السقي التي طبعت هذا النشاط. كل ذلك كانت له نتائج ايجابية على مستوى المنتوجات الفلاحية، وهذا بدوره ساعد في تطور المبادلات التجارية وعمل على تحويل بعض المدن في المنطقة مثل نكور تلمسان وبادس الى مراكز حضرية وتجارية ذات أهمية قصوى. وعملت هذه المراكز على ربط مناطق عدة من العالم الاسلامي، ومنها الأندلس بصفة خاصة، عن طريق دور الوساطة التجارية التي مارسته خلال هذه الحقبة. وتسبب الضعف الذي آلت اليه امارة نكور عند نهاية القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي وبداية القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، في تراجع المنطقة اقتصادياً لصالح الأندلس بصفة عامة وقرطبة بصفة خاصة، والتي ستصبح المركز الحضري الأكثر أهمية في الغرب الاسلامي بأجمعه. وينهي الدكتور الطاهري دراسته هذه بتحليل أهم مميزات منطقة نكور على مستوى النسيج الاجتماعي ومعطياتها الثقافية. ويجب الأخذ بعين الاعتبار ما يقوله الطاهري في هذا الجانب، اذ يؤكد: "ويبدو انه قد حان الأوان للتمييز بين حقل البحث الانتربولوجي وحدود الدراسة الاثنوغرافية من جهة، وبين الزمان والمكان المتلازمين في بعد تاريخي محدد المستويات والأعماق من جهة ثانية". وفي ما يتعلق بحياة نكور الثقافية، فان الطاهري يركز عى صعوبة، بل وعلى استحالة البحث في هذا المجال خلال القرون الثلاثة الأولى من تاريخ المغرب. ومع ذلك - يمكن، على حد قوله، "من خلال جملة من العناصر المتناثرة معاينة البصمات القليلة التي افلتت من يد الدهر واستمرت مطبوعة في وشم الذاكرة لأكثر من حقل معرفي. ولعل في ما امكن انتشاله من طي النسيان ما يفصح عن موقع بلاد نكور في وضع اللبنات المؤسسة للصرح الثقافي الذي تألق بالغرب الاسلامي". فعلى حد قول الطاهري: "يبدو ان ما تحقق في الأندلس من تطور شامل لمختلف فروع المعرفة خلال القرنين الرابع والخامس للهجرة، كان له أبلغ الأثر في حجب الأصول السابقة، وذوبان ثمرات العطاء الفكري التي تحققت بنكور في ما أصبح يعرف ضمن الدراسات المعاصرة بالفكر الأندلسي". ومما لا شك فيه ان هذا الرأي سيثير نقاشاً مهماً بين المتخصصين والمهتمين بهذا الموضوع. ويبرز الطاهري الدور الريادي الذي قام به بنو صالح، خصوصاً صالح بن منصور، في نشر الاسلام في المنطقة، بما في ذلك المذهب المالكي. كما انه يدرس الدور الذي قامت به نكور في منع تسرب التشيع الفاطمي الى المغرب والأندلس. وفي اطار الخط نفسه، يبرز الأصل النكوري للعديد من العلماء والفقهاء امثال ابن عبدالله وابن عيسى. ويعتمد الطاهري على بعض الشهادات للقول ان الجذور الحقيقية للثقافة والحضارة المغربية الأندلسية تبلورت بنكور "خلال ثلاثة قرون من العطاء، لتنتقل على إثر خرابها العمراني نحو الضفة الاخرى في الأندلس حيث بلغت ابتداء من القرن الرابع الهجري درجات غير معهودة". نجد انفسنا اذن امام قراءة جديدة للثقافة المغربية الأندلسية التي ستثير، من دون شك، ردود فعل ايجابية وسلبية، وهذا امر لا يمكن استبعاده نظراً الى خصوصية هذا البحث، خصوصاً ان الكاتب في كثير من صفحات الكتاب يعبر عن آرائه الشخصية، بالاضافة الى ان بعض الاستنتاجات التي توصل اليها تظل عالقة وتحتاج الى أدلة اكثر اقناعاً. ومع ذلك فان اهمية الكتاب تتجلى في عملية تقريب الآليات السياسية والاجتماعية والاقتصادية لإحدى المناطق المنسية او المهمشة، عمداً او بغير عمد، في المصادر العربية التي يشير اليها المؤلف. كما ان قلة البحوث التي انجزت حول منطقة نكور تزيد من اهمية هذا البحث، وهذه البادرة يمكن ان تتحول الى نقطة انطلاق لمجال واسع من النقاش ليس فقط حول التاريخ السياسي والحضاري الأندلسي والمغربي بل حول جوانب مهمة جداً للتاريخ الثقافي والمذهبي للغرب الاسلامي. وأخيرا أظن بأن أهمية هذا الكتاب كانت تتطلب من المؤلف ان يضيف مزيداً من الفهارس، خصوصاً فهرس اسماء الاشخاص وفهرس الأماكن وفهرس المصادر الواردة في الكتاب لكي يتأتى تسهيل مهمة القراء والباحثين المهتمين بهذا الجانب من تاريخ الغرب الاسلامي.