أسئلة فلسفية واجتماعية وحقوقية عدة يواجهها التقدم الطبي في القرن المقبل. ذكر ذلك تقرير "مستقبلات العلاج الطبي" الذي أشرفت على إعداده "الجمعية الطبية البريطانية". وأشار التقرير الى تراث الطب العربي والأغريقي الذي كان يعتبر وضع المريض الفرد أهم عامل في تحديد المرض، وتساءل عن فرص احياء تلك التقاليد، وهل يمكن تحويل المؤسسة الطبية من وزارات للمرض الى وزارات للصحة؟ وهل تزول في القرن المقبل الفجوة بين علوم الطب التي يدرسها الأطباء والعلاج الطبي الذي ينتظره الجمهور منهم؟ وهل يشهد القرن المقبل التحول من اعتبار المرض علة الى اعتباره سيرة ذاتية؟ وهل يعامل المرض ليس كمجرد حدث بيولوجي بل بالأحرى كتعبير عن الذات نفسها؟ الطبيب والطب ينتظر اساتذة الطب أن يحقق علم الجينات أهم إنجازاته حين يزيل الفجوة القائمة بين علم الطب وبين ما يشكو منه المريض. يذكر ذلك الدكتور مارشال مارينكر استاذ الطب العام في جامعة لندن الذي ينبه الى حقيقة أن المرضى لا يعرضون مشاكلهم باعتبارها أمراضاً تامة، بل كأوليّات مرضية فقط غير مكتملة وغير منظمة. مقابل ذلك يقوم علم الطب على قاعدة براهين مستخرجة من عدد كبير جداً من الدراسات والمعطيات الحسابية. وغالباً ما تلقى التوجيهات والبروتوكولات العلاجية المستخلصة من ذلك مقاومة الأطباء المعالجين. سبب ذلك ليس قلة احترام الطبيب لعلم الطب، بل لإدراكه الغريزي أن هناك علاقة شديدة التعقيد بين نتائج البحوث الطبية والمعطيات الاجمالية والأحكام السريرية. وتعرض التكنولوجيا الجينية الآن بعداً جديداً مختلفاً تماماً ومرموقاً في التشخيص والعلاج. فهي تنطلق من واقع عدم وجود شخص يمثل المريض العام، وتسلّم بعدم وجود دواء عام للمرض. ما هو متوفر من دواء الآن هو أفضل علاج الآن. هذا الواقع سيتغير كلية مع تكنولوجيا "الصيدلة الجينية" التي ستجعل من الممكن مزج كوكتيل أدوية مضبوط يناسب مواصفات مريض بعينه. وتتحدى الثورة العلاجية المقبلة صناعات الأدوية وتفرض عليها التحول من الأسواق الدولية العامة الحالية الى أنماط من أسواق علاجية صغرى. وسيؤدي الاهتمام بفحص التركيب الجيني للأصحاء الى توقع الأمراض التي يمكن أن يصابوا بها. وبهذا ستختفي الحدود بين أن يكون الشخص فرداً وأن يكون مريضاً. وسيتم التخلي عن الاتجاه المغلوط المتزايد نحو الرعاية الصحية الاستهلاكية الخاصة التي قامت على حساب أجندة أكثر انتاجية للصحة العامة. "الطب السِيَري" ويتوقع أن يتحول الطب في القرن 21 من اعتبار المرض علة الى اعتباره سيرة ذاتية. مصطلح "الطب السيري" يركز حالياً على سيرة المرض وتأثيره على حياة المريض. لكن المرض ليس مجرد حدث بيولوجي، بل هو بالأحرى تعبير عن الذات نفسها. وعلى خلاف التصور السائد تتوقع الدكتورة كاثرين بيكهام استاذة طب الأطفال في كلية لندن الجامعة أن يبتعد البحث الجيني عن النظرة الحتمية للمرض ويكشف عن خطل ثنائية الطبيعة والتطبع. ويركز الطب الجديد على البيئة الاجتماعية التي تزيد خطر أمراض القلب بين الأشخاص الذين لا يتيح عملهم سوى قدر قليل من حرية الاختيار والمرونة. فهناك علاقة وثيقة بين الشعور والمرض تكشف عنها ظاهرة استمرار المعدلات المرتفعة للمرض والوفيات بين الفقراء. والفوارق بين الطبقات أعمق من الحرمان من المنتجات المادية، وتتحمل الظروف المختلفة للناس مسؤولية التوتر، ويُعتبر الاحساس بالجدارة الشخصية ومستوى العلاقات الاجتماعية من أهم العوامل المؤثرة على الصحة. ويؤكد علماء الطب على أن السعي الى صحة أفضل يستدعي شيئاَ أكثر من تصحيح آلتنا البيولوجية. فالحاجة قوية الى خدمات رعاية صحية تفوق في حديتها وسعتها ما حققته التكنولوجيا الحيوية في القرن العشرين. وينبغي على السياسات الهادفة الى الصحة أن تكتشف طرقاً جديدة للملائمة بين الأهداف المفارقة للحرية الفردية والعدل الاجتماعي، وأن تنشأ وزارات للصحة بدل وزارات المرض الحالية التي يطلق عليها جزافاً اسم الصحة. يعني ذلك أن تشمل مسؤوليات الرعاية الصحية قضايا السكن والتعليم والجريمة والضمان الاجتماعي وما الى ذلك.