ليس هناك دولة عربية واحدة لا تمر اليوم بضائقة اقتصادية، أو على الأقل بصعوبات لا تدعو للارتياح. والدول النفطية التي مرت بفترات من "الطفرة" والرخاء والبحبوحة والاستقرار والازدهار الاقتصادي بدأت تعاني وتشعر بالقلق لسير واتجاه أسعار النفط نحو الأدنى والأدنى! فعلى رغم ان دول أوبك اتخذت كل الاجراءات الكفيلة بكبح جماح هبوط الأسعار المتواصل وإعادتها الى الحدود المعقولة فإن مؤشرات الهبوط ما زالت مستمرة، وهناك من يتوقع هبوطاً أكبر رغم تخفيض الانتاج مما يوحي بوجود "خطة مبيتة" بعد الضربة التي تلقتها النمور الآسيوية بحيث "تحلب" الدول الغنية الحليب كله... وتستغل انخفاض الأسعار لتعزيز نمو اقتصادها، وترفع أسعار السلع الاستهلاكية، بدلاً من أن تخفضها، لتشفي الشعوب المستهلكة وتدفع الثمن مضاعفاً بعد أن حوّلتها الآلة الإعلامية والسياسية الرهيبة الى "وحوش استهلاكية"! وانخفاض أسعار النفط يعني هبوط واردات الخزينة، وبالتالي صعود مؤشرات العجز في الموازنة مما ينجم عنه إما تضاعف حدة الأزمة أو تخفيض الانفاق ووقف مشاريع التنمية وحدوث انكماش... وكساد وأزمة سيولة. وهذا ما حدث فعلاً حيث أعلنت عدة دول خفض الانفاق في موازناتها المعلنة بنسبة تتراوح بين 40 و25 في المئة. ونتابع كل يوم حوارات وتصريحات وردود فعل حول وسائل مواجهة هذه المعضلة وأساليب المعالجة ووضع الحلول والاقتراحات وبينها وجوب فرض ضرائب ورسوم اضافية على الخدمات وبينها الكهرباء والهاتف والماء والسلع الاستهلاكية ولا سيما الدخان والكماليات. والغريب بالأمر، كما قرأنا عن التطورات في الكويت أن هناك معارضة لفرض رسوم أو ضرائب، كما حدث في لبنان من قبل، مع أن هذا الحل يعتبر بمثابة آخر الدواء ولا مهرب منه لأنه الحل المتاح في ظل غياب الموارد الأخرى ووفق مبدأ الغرم مقابل الغنم والمشاركة في تحمل مسؤولية انقاذ الأوطان وتصحيح التوازن منعاً لأي مسبب لاختلاله مما يؤدي الى اهتزاز صورة المستقبل. ودول الخليج بالذات بالغت في "تدليل" المواطنين ومنح تسهيلات واعفاءات كانت مبررة من قبل، ولكنها تحولت اليوم، في ظل الأزمة الراهنة، الى استنزاف لموارد البلاد وتعريض مستقبل الأجيال للخطر. فالضرائب والرسوم، إذا كانت عادلة ومنصفة وطالت الغني والقادر قبل الفقير ومحدود الدخل، هي أساس المواطنية في العالم المتحضر، بل ان الجنسية لا تمنح لطالبها الا إذا أثبت أنه سدد ضرائبه كاملة وبانتظام، كما أن التهرب من الضريبة يعتبر جريمة شرف لا يمكن التساهل فيها وتفوق في خطورتها الجرائم الأخرى. لقد ولى عهد الرخاء والدلال والترف الى غير رجعة، والعاقل هو من يتعظ لأن المرحلة المقبلة هي مرحلة الحكمة والعقل والاعتدال في الانفاق حتى للموسرين. ولهذا يجب ان يشارك الجميع، ولو برسوم رمزية في اصلاح الموازين ودفع ضريبة الانتماء والاستقرار والأمن والمواطنية والبعد عن التبذير والإسفاف، وأختم بالحديث الشريف لسيد الخلق صلى الله عليه وسلم: "اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم" لعلنا نأخذ منه العبرة والدرس والحكمة.
لقطة من نابوليون بونابرت: إذا علمت رجلاً فأنت تعلم فرداً وإذا علمت امرأة فأنت تعلم أسرة