ما ان تجتاز المنحدر المفضي الى صخور وادي جرش في الاردن، حتى يواجهك المهرجان يسري بطيئاً بين تجمعات الشباب، وينتقل بين الاعمدة الرومانية التي صفت على جانبي الطريق صوت مارسيل خليفة يأتيك متباعداً تدفعه ريح خفيفة في ذلك المساء الجاف الذي لا يشبه مساءات الفاكهاني البيروتي، لكنك تكتشف عند الاوبة، ان هذا الصوت ما زال قادراً على استبدال جمهور الماضي بجيل من الشباب المفتون باغنيات الثورة، فمارسيل خليفة لا يستطيع حتى اليوم تجاوز اسباب نجاحه الاول التي تشكلت تحت الظلال الوارفة للمفردة الثورية والرومانس المؤدلج، ان تغير هو فلن يتغير جمهوره الذي اورث الابناء محبته وسر الاعجاب به. على ملعب روماني مهيب، يتلقف الالعبان كراته ويتقافز تحت دائرة الضوء من دون ان يثير حماس جمهوره الصامت او ذاك الذي يتبادل احاديثه اليومية او يأكل او يتمازح بملل. وعندما تنعطف مخلفاً وراءك بهجة ناقصة لهذا المهرجان، تتكشف جرش امام ناظريك بطرقها واعمدتها واقواسها وبقايا كنائسها ومسارحها وملاعبها، انها تقدم اليك تاريخها بتواضع يشبه ملامح وسلوك سكانها الحاليين، بسيطة لا تجيد الاعلان عن نفسها كما ينبغي له التاريخ ان يكتب مجداً سياحياً هي الأجدر به بين المدن. بقيت المدينة في ظمائها الى الاكتمال، كأن بها حاجة الى زمان آخر يأخذ بيدها نحو غايتها المؤجلة، فكان الطريق الموصوف بحجارة عتيقة يشهد على بقايا ملاذات الامبراطورية الرومانية التي مرت مجتازة اليونان وقسطنطينة، متتبعة خطوات المسيح وحواريه وهم يعبرون نهر الاردن ليقيموا مملكة الرب. اين هي كنيسة القديس جورج وحنا المعمدان واديرة الرسل والمبعوثين؟ سنجد بقايا المعمار البيزنطي في الاروقة المهجورة، وسنعثر على هياكل الصلوات متآكلة تقاوم الزمن ببسالة منذ القرن الخامس او السادس حتى يومنا هذا. تقف جرش او جرسيا منبثقة من تلك البيئة الصخرية، كوردة الثلج تنغلق على سرها المكين، فهي تكتنز تلك التواريخ التي لم يكتشف الاثاريون الا بعضها، ولكن المدينة وهي بعد في وقفتها الناقصة، تقدم جسدها بكرم ومهابة. في كل مرة تكشف عن وجه جديد لها: مصاطب ومسارح وملاعب واروقة وهياكل وباحات واطواق تمر من تحتها المواكب، انها تكمل مشهد كينونتها في تلك اللقى الثمينة التي تجعل منها، موقعاً يتناسل امكنته، فتلك الكنوز التي تتكشف امام الناظر هي الجزء الذي يخفي تحته وجواره اسراراً متوارية تحت الصخور والمرتفعات والانصبة، وسيمر وقت طويل لكي تنضو المدينة عن وجهها الحقيقي مكتملا ببهائه. *** صوت عود شجي يتبعني في منعطف احد الاقواس الجانبية، ومغن عراقي شاب اعادني الى مقهى بغدادي مررت به في زمن عتيق. نبرة الصوت دافئة وأليفة والاغنية المهملة تتسمعها متفرجتان اوروبيتان تلف احداهن عمامة انيقة على رأسها. كنت اتتبع بقايا نقوش واحرف وكلمات رومانية، وكان ركب الاصدقاء يمضي وهم ينادون علي، وأنا اصغي مطرقة الى الصوت بكل جوارحي، اخاف ان التفت كي لا يكتشف الصحب توهج العاطفة الذي اجتاح رأسي. ها هو العراق على مقربة مني يتناثر في هواء جرش وعلى طريق المهرجان المرصوف بحجارة القرون الغابرة، التقطه حين تنادي الأم على طفلها او في حوار متقطع بين الجماعات التي تمرق الى جانبي، ولكن تلك النبرة الهادئة الحنون لصوت المغني جعل الحزن العراقي يبدو هنا، في هذا الموقع، وحيداً مهجوراً يتمتم قصته مع نفسه. كان علي ان اجتاز المسافة قافزة الصخور على عجل لأختصر الوقت الذي خلفته ورائي يوماً ما، مثلما خلفت صوت مغن من بلدي من دون ان ازيد جمهوره القليل مصغياً جديداً. *** في المساء الذي يسبق يوم الحلقات الدراسية للمهرجان، اجتمع الكتاب العرب في بهو الفندق للتعارف، اعلاميون ونقاد وشعراء ومن اختصاصات اخرى، كان حسب الشيخ جعفر يسير الهوينا في استقامة قامته التي لم يطلها الوهن، منذ ان شاهدته قبل ازيد من عشرين سنة، يلفه هدوء يضمر قلقاً وتشتتاً هو التعبير الانسب عن توازن الاضداد التي تلتقي عنده الشخصية الشعرية. اخذ الكحول من صحته مأخذاً، هذا المآل المبارك للشعراء العراقيين الذين يموتون من الحب او الكراهية او منهما معاً، لا خيارات تضعهم بين الحد الوسط وكأن لعنة القدر التي لاحقت الروسي هي ذاتها تلاحق العراقي، سوى ان هذا الاخير يقف عارياً من دون مفكرين وعلماء اجتماع ومحللين، ومن دون روائيين حان وقتهم لكي يقولوا كلمتهم بلا خوف مسجلين تلك الحقب والاطوار الغريبة التي صادفت العراقي او التقاها بارادته. ما الذي حل بپالممسوسين من مثقفي المراحل الخطيرة، اولئك الذين ما زالوا يجادلون فيما اذا كان الرأس بعد قطعه يعرف لثانية واحدة انه قطع أم لا. يا لها من فكرة عظيمة! على حد تعبير عبقري الرواية الروسية دستيوفيسكي. ذهب جان دمو ليشتري حذاء، فهو يخجل ان يقابل امرأة بحذائه البالي، ولكنه نسي الامر فسكر بالمبلغ البسيط الذي استدانه من الاصدقاء، انها الوسيلة الوحيدة التي يستطيع فيها ان يتجاهل تلك الاستذكارات التي تنبثق في رأسه ساعات الصحو، فيصخب كما ينبغي له ان يكون: امثولة وطنية تليق بوضعنا بالضبط. نعبر الخط الذي ضاع منا، الاردن هذا الجسر الذي يلقينا على حوافي الوطن، عمانالمدينة البيضاء تفاجئ زائرها بترف ونظافة غير مألوفة في عواصمنا، وكما ان علينا ان نتذكر اشياء كثيرة، فان الصيف الاردني يضعنا من العراق قاب قوسين، تتعامد الشمس على الرأس ويضيق الصدر بزفرة حر الشوارع المزدحمة، تأتي النسائم من المرتفعات ويطيب الهواء ليلاً، ولكن درجات الحرارة في العراق تقول انها وصلت الخمسين هذا العام، فكيف لنا المقارنة. عدنا لكي نتعارف ونعيد ما اضعناه منذ زمن طويل، ها نحن وجهاً لوجه مع الاصدقاء من مثقفي الداخل، الوجوه المتعبة المشدودة، الاسماء الجديدة اللامعة، القوة الروحية الكامنة في هذه الثقافة التي لم يستطيع القهر دحرها، فترعرعت ونمت بين حربين وضجيج اعلامي يصم الأذان، بين تهاون ووشاية، وفي قلب المخاوف والتواطؤات، حيث تجترح الطمأنينة والبحث عن الامان بطولتها الناقصة، او فعلها الذي لا يسمى او يصعب ان يدركه من لم يعشه. ماجد السامرائي يدعو العرب سراً الى المربد ويذكّر الادباء العراقيين ان السلطة كالاخطبوط تلاحقهم بظلها الثقيل الى ابعد الاماكن. غسان زقطان كما هو بعد عودة الى فلسطين، كان يحمل روايته التي تتحدث عن البنت التي جاء الاولاد للتفرج عليها وهي نائمة ثم فروا خائفين. انها قصيدته الجديدة. لعل اجمل ما في قصيدة غسان خيالها الصبياني، تكوين البراءة فيها، الذكاء الذي لا يمسرح ما فوق طاقته ليحول القول الى شعر معقلن، او لغة قاموسية يسطو عليها الشاعر المزيف لكي يقنعنا بجديته. غير انه يبقى يصر على ان لا يغادر مواقعه، لا يغادر عمره حتى، مرحاً يختلق النكتة من اي شيء. لعلني لم اشاهده لوحده، او هكذا ركّبه خيالي لصيقاً بأمجد ناصر، فهما يتبادلان المواقع ابداعياً ومكانياً: الفلسطينيالاردني والاردني الفلسطيني. وان خالفه امجد في توهجه وحماسه الذي لا يكل، ولا اعرف متى انطفأ الحماس لدى غسان، فهو هكذا منذ ايام الفاكهاني التي لم اتخيله فيها حاملاً بندقية او مستيقظاً في ساعة مبكرة على ايما صوت حتى على صوت غارة طيران. من هو المحظوظ في عالمنا الشعري، صاحب القضية ام صاحب الوقت الذي توقته القضية؟ كُرّم سميح القاسم في هذا المهرجان باستضافته في فندق خاص كي لا يختلط مع بقية الادباء القادمين الى المهرجان، واقيم له مؤتمر صحافي، وحفل جماهيري خاص. وكاد من فرط خصوصيته ان يذكرنا بالكافيار يتصدر مائدة النخبة لتعرف الجماهير قيمة الطعام الذي لا يطال. *** عبدالله الغذامي اول من التقيته من الادباء العرب، فمن هو اجدر منه في حلقة دراسية عن شعر المرأة يقيمها المهرجان: استاذ النقد والنظرية الذي كرّس الكثير من درسه الى المرأة وأدبها، انه الكاتب الظاهرة الذي يبدو وكأن منطقه الادبي حيال المرأة سواء اتفقت معه ام خالفته، يمثل خلاصة الطفرات الجينية في المجتمعات، او ان موقفه اذا شئنا التثبت، خلاصة ذلك التوتر او الحراك الاجتماعي التي تمر به المجتمعات العربية. بعد حوار قصير وجدنا مشتركات بين ورقتينا، فطالبنا ادارة المهرجان بأن نكون معاً في ندوة واحدة. ورقة الغذامي المعنونة الشعر اذا لم يكن خطاباً في التأنيث تصل التراث بمنتصف هذا القرن، كذلك تفعل ورقة كاتبة السطور التي كانت بعنوان مرجعية شعر المرأة، او الموروث الشعري للنساء وهي تتتبع زمن الخنساء الى زمن نازك الملائكة وفدوى طوقان. شعرية الجسد في تجربة وفاء العمراني كان عنوان الورقة التي تقدمت بها رشيدة بنمسعود من المغرب ورأت في شعر وفاء العمراني وهي بدأت في الثمانينات، النموذج الذي تبحث عنه في تطبيق تصورها عن الكيفية التي تكتب فيها المرأة عن جسدها. ومن تونس قدم محمد لطفي اليوسفي ورقة عن الجسد المسكوت عنه في خطاب المرأة او عنها. كما قدم نزيه ابو نضال تجليات الانثى المتمردة في القصيدة النسوية العربية، ومن بين الاوراق قدمت زليخا ابو ريشة سيرتها الشخصية ورحلة الوعي لديها من التصور المجرد حول استقلالية الصوت حتى الانفصال عن البيئة الاولى وتبلور الوعي بفعل الكتابة كعامل حاسم في التعبير عن ذاتها الانثوية. خطاب الذكورة والانوثة كخندقين متعارضين احتدم في بعض الاوراق ومنصات النقاشات، وكاد ان يخرج عن مبحثه العلمي الى صيغ الجدل البيزنطي المتوتر. غير ان الحماسات تخفت في ساعة الخروج من القاعة، لتحقق الاوراق التي تنتظر ان تطبع في كتاب جانباً اساسياً من فائدتها عبر الكتاب المنتظر الذي ستتولى ادارة المهرجان طبعه وتوزيعه. حلقة النقاش الثانية كانت تحت عنوان ظاهرة المهجرية الجديدة في الادب العربي. قدم صبري حافظ مادة تحدث فيها عن الجانب السياسي في الهجرة الجديدة التي يرى انها من تأثير اغواء القوى الاستعمارية ومنابر النفط التي تشتري المثقفين وتلفهم تحت غرضها السياسي، محاولاً تجاوز اسباب الهجرات الحقيقية للمثقفين التي يقف قمع الانظمة العربية من بين اهم الدواعي لمغادرتهم ارض الوطن. وناقش حاتم الصكر في مادته الاختلاف بين المهجرية القديمة والجديدة متخذاً من مجموعة من الشعراء ومنهم بلند الحيدري وفاضل العزاوي ونوري الجراح ولينا الطيبي وامجد ناصر وسركون بولص، نماذج للحديث عن الصيغة التي تعامل بها شعراء المهجر الجديد مع موضوعة الوطن والغربة. واياً كانت التقديرات التي تحدثت عن هذا الموضوع الذي يعتبر بين اهم مباحث الثقافة المعاصرة، بقيت النقاشات بصدده سواء في المهرجان او بين الكواليس تحتاج الى اشباع نظري يضعها بمواجهة كل التباساته وفي المقدمة منها اللبس السياسي، ولعل تجربة الادباء الفلسطينيين، سواء الذين بقوا في الداخل او الذين عادوا ليواجهوا استحقاقات الماضي ومنها صلتهم مع المكان وترددهم بين الغربة عنه والاحساس بشعور الانتماء اليه، والتوتر الذي شاب العلاقة بين ادب الخارج والداخل، كانت هذه التجربة بحق هي التجربة الغائبة التي تستحق لقاءات ونقاشات مستفيضة، تكملها التجربة العراقية التي تشابهت معها واختلفت بأوجه متعددة. فالحديث عن الواقعة الملموسة يدلنا على مفاتيح مبحثها النظري من دون ان نبتعد عنها باستقراء الماضي، ومحاولة تكبيل الحاضر باشتراطات ازمنته. بقي المهرجان في كل الاحوال مهرجانين، الاول الذي يستقطب الناس بنجوم الطرب والغناء والثاني الثقافي الذي لا يجلب الا الجمهور الاقل لامسياته، وترددت المسرحيات التي قدمت بين هاتين الحالتين، وكانت مسرحية الفريد فرج الطيب والشرير الاكثر اقبالاً لقرب موضوعها الذي اخذ من ألف ليلة وليلة من المزاج الشعبي، وكانت مسرحية جواد الاسدي طلقة في بيت برنارد البا تملك سمات مسرحيات النخبة ولم تتح لنا الفرصة ان نشاهد مسرحية العباءة التي ألفها يوسف الصائع. كانت ايام المهرجان تمضي والاردن مشغولة بمرض ملكها، ولكن فرصة الفرح والفائدة لم تُحجب عن الناس خلال تلك الايام