أين نحن من أحلام الشباب يا صديقي؟ شئنا أن نفاجىء العالم، ففاجأنا. هكذا من حيث أدري أو لا أدري، وبعد كل هذه الأشواط التي قطعتها من حياتي وترسالي، أجد نفسي داخل مِفْصَلَةٍ من الكينونة، بين الموت والحياة وقد بلغتُ السادسة والخمسين، بين شمس تحتضر وأخرى ما زالت مصادرة، بين كوكبين وانسانيتين يدير كل مهما ظهره للآخر، بين وضعي كرجل ونصيبي من المرأة، بين ثقافتين تعيشان سوء تفاهم مستمر، بين لغتين تتداخلان في فمي الى حد إصابتي باللعثمة، بين جنون الأمل وشفرة اليأس الحادة، بين البلاد - الأصل التي تتلاشى ماديتها والبلاد التي آوتني والتي نادراً ما أشعر أنني موجود فيها، بين نزعة التأمل الطبيعية والحاجة التي لا تقاوم للفعل، بين الانتماء وعدم الانتماء، بين الترحال المحموم والتوق الواهم للاستقرار. ما أكثر الما بين! لكن كل ذلك يمثل إنساناً حياً، لا أقل ولا أكثر. لست أشعر بأي استلاب، على رغم هذا التمزق وتعدد حالات الوجود، انني احاول قدر المستطاع توزيع نفسي بين ضفاف الكينونة هذه وأحرص في ذلك على أن أكون عادلاً فيما بينها. ألقي مَرساتي الواحدة عندما أشعر أن الأخرى تهددني بالامتلاك وسلب الإرادة. ولا يَسَعُني إلا أن أمد جسوراً بينهما ولو أنني أعلم أن تلك الجسور تبقى هشة. ومن تلك الرقعة، من ذلك اللامكان الذي أعيش فيه، هَمِّي هو أن أبقى يقظاً، مصغياً لأي اشعار بالخطر ولكن أيضاً لأي اشارة بعودة الحنان للأفئدة، لأي وثبة للضمير. وإذا كنت ساهراً هكذا، فأنا لا أسلك الانتظار. فكوني داخل تلك المفصلة من الكينونة يجعلني أتوق لكافة المعضلات ويدفع بي الى طريقها. إذ ان العالم الذي نعيش فيه لا يقتصر على الشرق والغرب، فما أكثر القارات الإنسانية التي لم نَأخد بعد نصيبنا منها. صحيح أنه نظراً لقصر عمرنا الفظيع، ليس في مقدورنا أن نطأ كل هذه القارات أو حتى أن نقترب من شُطآن بعضها. السندباد الأكبر هو نفسه توقف عند سبع رحلات. أما بالنسبة لمستكشف متواضع مثلي، فالرحلة لا تنتهي عند استهلاكها. الأهم من ذلك هو الاحتفاظ بالحقيبة الخفيفة في متناول اليد، وتغذية الرغبة في المسير نحو ذلك المجهول الذي قد يُصبح غداً جزءاً مني ولو اقتضى الأمر أن أتخلص من المعروف والمعلوم الذي أصبح خانقاً وعقيماً. فإذا كان الإنسان بحكم قانون فولاذي للطبيعة لا يتوقف عن الموت فهو قادرٌ أيضاً باختيار حر وبرغبة متجددة على مناهضة ذلك القانون وتعديله ليصبحَ بذلك خالق نفسه، لا يتوقف عن الولادة. تلك هي طريقتي الخاصة في طرح مسألة الهوية التي تفاقمت خطورتها اليوم. ففي رأيي ان الهوية مشروع دائم أكثر مما هي مكتسب عند الولادة. ان ما يُمنح لنا في البداية الإسم، البلاد، اللغة، الدين، أواصر الانتماء المختلفة يؤدي بنا في غالب الأحيان الى نزعة الانغلاق عوض التفتح والقبول بالمُغاير. ان الممنوع يوضع بين أيدينا وعلى عاتقنا كعذراء، علينا طيلة حياتنا، أن نصون عفتها وشرفها. وإذا نحن تواهنّا في ذلك الدفاع، يُلقى بنا في معسكر الكفرة بالنعمة والخونة. نحن نعلم الآن الى أي زيغ ايديولوجي والى أي عمليات تطهير عرقية وثقافية أدى اليه هذا المنطق. فنزعة الهوية المتطرفة هي من أقدم أشكال الأصولية المتطرفة. وقد استغلت دائماً خوف الفرد من أن تنبذه عشيرته، تلك العشيرة التي بدونها يشعر وكأن لا وجود له. بهذا المنطق، يصبح الخنوع الطوعي هو ثمن الانتماء. لست في حاجة للتأكيد على أن ما يُمنح لنا في البداية قد يعرف مصيراً مغايراً. فإذا أخذنا على عاتقنا وقمنا بغربلته فإنه يضطلع بوظيفة مغايرة. وعندما نخضعه للتحليل النقدي ولامتحان الرغبة، فلا شيء يقنع بأن يصبح منبع غنى خارق وعماد انفتاح وحرية. ولكن، حتى في هذه الحالة، أعتقد أننا في حاجة الى امتلاك ما أسميه بمنهج الانفلات من أحادية المرجع. ذلك المنهج الذي يحثنا على السعي الذي تتكون هويتنا فيه بالاكتشاف المستمر وباكتساب اللامُنتظر والمختلف. بهذا المعنى لا تعرف هويّتنا التمام والكمال لأنها دائماً أمامنا، تخضع للتفكيك واعادة البناء، مثلها مثل المشروع الإبداعي في لا نهائيته. هذا ما أَلح عليّ وأنا أفكر في امر الشاعر اليوم. مع ذلك، لا أعتقد أنني كنت بعيداً منه. إذ كيف نفصل اللغة ومصير الحضارات عن الوعي الذي يتألف ضمنها وبواسطتها أو ينطفىء ويموت في طياتها؟ الشاعر يعبر فقط. وقافلة الحضارة قد تخطو في أثره أو تتبع طريقاً آخر. من هو الشاعر الذي يمكن أن يدعي فيقول: أنا أقود القافلة؟ * نص الكلمة التي ألقاها الشاعر عبداللطيف اللعبي في ندوة "بيت الشعر".