دعوا الله، فاستجاب دعاءهم وأجلت سحابة مطر ايلول سبتمبر هطولها الى المساء. لكنها لم تمرّ عصراً من دون ان تخيف معدي الاحتفال الموسيقي في مستشفى دار العجزة الاسلامي للمسنّين في اول احتفال لهم باليوم العالمي لكبار السن. قبل نصف ساعة من بدء الاحتفال، هطل مطر قليل كان كافياً ليبلل الكراسي وأرض الفسحة التي همّ العاملون في المستشفى بإعادة تنظيفها ومسحها بعدما فتحوا قاعة مجاورة لاستقبال ضيوف مسنين من مؤسستي "العمر المديد" و"بيت القديس جاورجيوس"، في حين كانت ممرضات الاقسام يلبّسن المشاركين في الاحتفال وبلغ عددهم 350 هم الاحسن حالاً بين الموجودين في المستشفى نحو 850 مسناً وعجوزاً ومريضاً نفسياً وعصبياً، على ما قالت ل "الحياة" احدى المسؤولات في المستشفى. وأشارت الى ان "المرضى هم من المسنين الذين لا معيل لهم، أو هم عاجزون عن القيام بحاجات انفسهم، ومن مرضى الاعصاب والنفس. ووزارة الصحة العامة تنفق عليهم ما عدا 16 سريراً خاصاً بالمستشفى". وأوضحت ان "الزائرين من أهالي المرضى قلة ربما لان الاهل يشعرون بانزعاج أو ألم حيال ذويهم الذين يطلبون الخروج من هنا"، مؤكدة انهم "يتلقون العلاج وبعضهم يترك المستشفى اذا تحسّنت حاله". وتقطع الحديث فجأة جلبة العجائز النازلات لتوّهن، مجموعات، مع ممرضات من غرفهن الى الباحة التي يسمونها "حديقة" وهي متواضعة جداً، في وسطها بضع شجيرات وبركة صغيرة، قد تكون بالنسبة الى الواعين من المسنين روضة كبيرة لانها متنفسهم وفسحتهم الوحيدة. جئن في غير ثياب المرضى، لبسن عباءات مختلفة الالوان، وارتدى الرجال لباسهم العادي ايضاً. وأجلس المرضى النفسيون منهم في زاوية خصصت لهم وبقي الممرضون والممرضات حراساً عليهم، في حين اصطفّ الضيوف من المؤسستين الاخيرتين، كل على حدة، يتقدمهم مسؤولون عنهما واصدقاء. لم يكن القيام من الامكنة مسموحاً لهم، لكن مسناً بينهم تنطح قائماً من مكانه ليقرأ لافتة علقت في صدر الباحة خطّ عليها "اليوم العالمي لكبار السن: أسرة مترابطة، خدمات مؤمنة، شيخوخة لائقة". يقرأها، يطأطئ رأسه ويعود الى كرسيه. اما كبيرة المسنّات في المستشفى، وعمرها مئة وعامان، فجيء بها على كرسي نقال ولم تكن تريد البقاء. وقالت على مضض وبصوت خفيض: "اسمي فاطمة مسرّة من بعلبك... بدي نام". اما "بنت حمادة" وهي عجوز أحنى الزمن ظهرها وأوكأها الى عصا، فتقول: "أنا سعاد بنت حمادة من صيدا. عندي صبيان وبنت مسافرون في ألمانيا، ولكل منهم ولدان". كم عمرك يا حجة؟ "كتير". تسعون عاماً؟ "أكثر، عندما جاء الطليان الى بيروت كانت امي في النفاس". عمرِك مئة؟ لم تجب بل أغمضت عينيها بالايجاب وباسمة ليبدو سنان قديمان بقيا في فمها. ويقول ميلي زكريا 72 عاماً انه من عين المريسة بيروت جاء بواسطة الى المستشفى قبل اربع سنوات أو خمس: "ولداي متزوجان وكنت حداداً فوقع الحديد على رجليّ فجئت الى هنا كي لا أزعجهما، وهما يزورانني كل شهر وأنا سعيد هنا ونذهب كل ثلثاء رحلة الى جون". تبدأ مراسم الاحتفال بالنشيد الوطني اللبناني فيقفون مع الواقفين ويصفقون لبداية النشيد وخاتمته ولمدير المستشفى عزام حوري الذي استهل كلمته بتلاوة الآية الكريمة: "وقضى ربّك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً إما يبلغنّ عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أفٍ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل ربّ ارحمهما كما ربياني صغيراً". صدق الله العظيم. يصفّق له المسنّون إما محبة بالتصفيق وإما لان الآية تأمر باكرامهم، وهذا ما يفتقدونه من ذويهم، ما أجبرهم على الإقامة هناك. ثم يهيمون على وجوههم في صمت عميق عندما يعرض حوري تقريراً دولياً يصف حال سكان العالم في العام 1998 ومدى الاهتمام بالمسنين، ويؤكد "ان الاهداف هي ابقاء المسن في بيته وضمن عائلته، في اسرة مترابطة، يساند القوي فيها الضعيف ويقف الى جانبه في الملمات المالية والصحية والاجتماعية وغيرها، وتنمية مؤسسات المسنين في تنويع خدماتها للنزلاء فيها، رعائياً وصحياً وترفيهياً وخدماتياً وغيرها، والوصول الى قانون حماية المسنين، لكل مسن في المطلق، والوصول الى نصوص قانونية تطبيقية خصوصاً ان المتقاعدين والمتوقفين عن اعمالهم والمحتاجين هم في حاجة يومية الى الكثير من الخدمات". ثم يختم كلامه بأكثر من شكر وترحيب. وبعد كل شكر سيل من التصفيق الذي يتوقف مع بدء الموسيقى الا من قلة كانوا في شبابهم يحبون الرقص والترفيه، فراحوا يصفقون ويرقصون على غير تناسق مع موسيقى لم يسمعوها من قبل اذ أدّى عازف الارغن وهي الآلة الوحيدة أغنية "ماغاباي" اليونانية واغنية "دي دي" الجزائرية بادئاً بالتحية "بونسوار" وخاتماً بپ"تانكيو". ثم جاء المغني ربيع شاكر فغنى لهم وجال بينهم وظلّ الراقصون من المسنين انفسهم يرقصون من دون تناسق الى ان طرب الممرضون فدبكوا على ايقاع منظّم بفرح بادٍ نم عن شوقهم الى الخروج، ولو قليلاً، من حياة الغم والحزن التي نذروا انفسهم لها ويعيشونها في مستشفى للعجزة في صبرا، احدى مناطق حزام البؤس... اما المرضى العصبيون الذين بقوا في غرفهم فتنادوا الى النوافذ المسيّجة، ومثلهم المقيمون في شقق سكنية مطلة على الباحة، يراقبون ويصفقون فدبّت الغيرة في بعضهم وتراءى له ان يرشّ ماء على الحاضرين... ليظن المنظمون بأن سحابة ايلول عادت.