أبت العاصمة المصرية أن تنحني أمام الظلاميين ودعاة التطرف وسفاكي الدماء، لتظل منارة للفنون والحضارة، إذ استكمل مهرجان القاهرة السينمائي فعالياته اليومية عقب الحادث الإرهابي الذي استهدف مسجداً في مدينة العريش في سيناء، الذي وقع الجمعة الماضية، إيماناً بأن الفن والتنوير والثقافة هي أبلغ رد في مواجهة طيور الظلام والتكفيرين، واستؤنفت عروض المهرجان ونشاطاته، فاستهلت رئيسة المهرجان الدكتورة ماجدة واصف التي فاجأت الجميع بتقديم استقالتها منذ أول أيامه، ندوة «مناهضة العنف ضد المرأة»، المقامة على هامش المهرجان، بالوقوف دقيقة حداداً وترحّماً على أرواح شهداء تلك المذبحة، وعبّرت عن إدانة المهرجان وشجبه تلك الجريمة الشنعاء. نشاطات شهدت الدورة التاسعة والثلاثين للمهرجان زخماً في الضيوف والأحداث والفعاليات، إذ أقيمت ندوة في سينما الزمالك مع المخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد عقب عرض فيلمه «الجبل بيننا»، حيث تحدث أبو أسعد حول رحلته للوصول إلى هوليوود، كما تطرق إلى الفيلم وآليات تصويره الصعبة. وفي إطار تكريم المخرج اللبناني الراحل جان شمعون، عرض فيلمه الروائي الطويل الوحيد «طيف المدينة» بحضور زوجته المخرجة المعروفة مي المصري، وأعقب العرض ندوة نوقش خلالها الفيلم وتناولت رصداً لمسيرة المخرج الذي عُرف بتبنّيه للقضية الفلسطينية. إلى ذلك، افتتح في قاعة آدم حنين في مركز الهناجر للفنون معرض «تفرّد وإنجاز»، الذي يوثق الحياة الشخصية والمسيرة العملية للناقد الراحل سمير فريد، كما يرصد علاقاته بأساتذته وتلاميذه، وقُدّم من خلال المعرض فيلم «منقوش على الجدران» الذي يسجل مشوار حياة الناقد الكبير الراحل. نظم مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عدداً من الندوات الرئيسة، إضافة إلى ندوة «مناهضة العنف ضد المرأة»، أقيمت تحت عنوان «نتفليكس... ومستقبل التوزيع السينمائي»، في حضور عدد من صنّاع السينما ونقّادها، إذ رصدت ظاهرة تنامي الاتجاه إلى عرض الأفلام منزلياً عبر الإنترنت، وتشغيل خدمات «نتفليكس» في مصر والعالم العربي. والانعكاسات الإيجابية والسلبية للظاهرة على تطورات الإنتاج والتوزيع والعرض العالمية، لا سيما صناعة السينما في المنطقة العربية، وما يُثار حول زيادة إيرادات الأفلام الأجنبية مقارنة بالأفلام العربية، إضافة إلى تأثيرها السلبي في عادة الذهاب إلى صالات العرض السينمائي. وكعادته، في إطار اهتمام المهرجان بواقع وهموم صناعة السينما المصرية، ودأبه على طرح مشكلاتها ومحاولة معالجتها عبر الحوار والجلسات النقاشية، شهدت هذه الدورة ندوة حول «تحديات السينما المصرية»، أولت عناية بالغة في بحث حاضر صناعة السينما المصرية ومستقبلها، كما ناقشت المستجدات التي طرأت على الساحة، وكانت لها تداعياتها السلبية على الصناعة، كالاحتكار والقرصنة والضرائب والمشكلات المتعلقة بالإنتاج والتوزيع في الداخل والخارج، وتناولت طرق تذليل معوقات الإنتاج المشترك مع دول العالم، وتطوير أداء الرقابة على المصنفات الفنية. كما شهد المهرجان زخماً ونشاطاً على مستوى الندوات الفيلمية، التي شهدتها صالات عروض المهرجان، وبينها ندوة فيلم المسابقة «بالخارج» (سلوفاكيا/ فرنسا/ المجر)، التي حضرها المخرج جورجي كريستوف، وأخرى حول الفيلم البرازيلي «الأختان»، الذي عُرض في إطار البانوراما الدولية، بحضور المخرج فابيو ماريا، والفيلم الهندي «دورغا المثيرة» وعرض ضمن تظاهرة «مهرجان المهرجانات»، وحضرت الندوة بطلة الفيلم راجشيري ديشباندي، وندوة أخرى حول فيلم «البجعة» The Swan (آيسلندا/ألمانيا /إستونيا)، الذي عُرض في مسابقة «أسبوع النقاد»، بحضور المنتج بيرجيتا غورنيستير. كما شهد عرض الفيلم السوري «مطر حمص» والندوة التي أعقبته حضوراً وإقبالاً جماهيرياً كثيفاً، وهو العمل الذي عُرض في إطار مسابقة «آفاق السينما العربية»، وحضرها المخرج جود سعيد. كما أقيمت ندوة حول فيلم «غير مرغوب فيه» (كوسوفو/ هولندا)، الذي عُرض في تظاهرة «مهرجان المهرجانات»، بحضور المنتج دانييل برمير. واستضاف مركز الإبداع ندوة فيلم «الرجال لا يبكون» (البوسنة/ دولة التشيك/ سلوفاكيا/ ألمانيا/ كرواتيا)، الذي عُرض في «القسم الرسمي خارج المسابقة»، وحضرها المخرج إلين درلجيفك، واختتمت ندوات الأفلام الزخم بالفيلم الأرجنتيني «سيمفونية من أجل آنا». المكرّمون كما شهدت ندوة تكريم الفنان سمير غانم إقبالاً جماهيرياً، وكان المهرجان كرَّم الفنان القدير بإهدائه جائزة فاتن حمامة التقديرية، وتحدث خلال اللقاء عن مشواره السينمائي الذي بلغ نحو 145 فيلماً سينمائياً، ورصيده الكوميدي الذي بدأ مع فرقة «ثلاثي أضواء المسرح» مع الضيف أحمد وجورج سيدهم. كما أقيمت ندوة لتكريم الفنانة التونسية هند صبري، التي توجت بجائزة فاتن حمامة للتميز وتسلمتها في حفل الافتتاح. فيما ألغيت ندوة ماجد الكدواني الذي توج بالجائزة ذاتها لاعتذاره عنها بسبب ظروف سفره إلى الخارج. استقالة مسربة وبينما تتواصل أنشطة المهرجان في أيامه الأخيرة، تناقلت بعض الأوساط الصحافية المصرية والفنية خبر إعلان رئيسة المهرجان ماجدة واصف استقالتها من منصبها، ما تسبب في حالة من الارتباك واللغط، وسرعان ما زال الالتباس بعدما أعلنت واصف أن القرار جاء قبل أسابيع من انعقاد المهرجان لتكون الدورة الحالية الأخيرة لها، مؤكدة مواصلتها العمل والوقوف على كل تفاصيل المهرجان حتى انتهاء هذه الدورة ومن ثم تسوية كل الأمور المادية والإدارية ذات الصلة، إذ ترى أنها آن لها أن تخلد للراحة والانسحاب من الأنشطة العامة، أما الذي لم تُشر إليه واصف فهو أن الاحتمال الأكثر صدقية هو أن تحلّ مكانها في العام المقبل الفنانة إسعاد يونس، مع أن ثمة من يتداول اسم الفنان حسين فهمي ليعود إلى الرئاسة بعد غيابه عنها سنوات... بيد أن هذا كله لا يزال في حكم التكهنات. وكشفت مصادر في مهرجان القاهرة السينمائي ل «الحياة» أن واصف واجهت عقبات وعثرات بالغة خلال السنوات الماضية في إدارة المهرجان، إذ عانت صعوبات مادية وعدم التزام بعض مؤسسات الدولة تعهداتها المالية تجاه المهرجان، ما اضطُر واصف أحياناً إلى سداد بعض رواتب العاملين من أموالها الخاصة عبر شهور، ولم تبخل بجهدها كي يخرج المهرجان في صورة مشرّفة لائقة بمهرجان يحمل اسم مصر. نيكولاس كايدج للختام بقي أن نذكر أن مساء أمس الخميس كان من المفترض أن يشهد الحفل الختامي وتوزيع الجوائز، علماً أن نجم حفل ختام المهرجان هو النجم الأميركي العالمي نيكولاس كايدج، إضافة إلى النجمين الأميركيين الآخرين هيلاري سوانك وأدريان برودي، ونخبة من النجوم المصريين والعرب.