اعتنى العلماء بدراسة الأحاديث النبوية، عناية بالغة، تعليلاً ونقداً، وتصحيحاً وتضعيفاً، وكلاماً في الرواة جرحاً وتعديلاً، واختلفت أنظارهم باختلاف سعة اطلاعهم وإحاطتهم بالمرويات وطرقها. وبرز علماء كثر في علم الحديث في المشرق والمغرب، لكن لم يبرز في علم العلل ونقد الروايات إلا الجهابذة الأفذاذ الذين خلَّفوا لنا تراثاً مهماً من المؤلفات التي عنيت بهذه الروايات واختبارها؛ لبيان ما صحَّ منها وما ثبتت علَّتُه. وتتمثل أهمية أطروحة الدكتوراه «منهج التعليل والنقد في الحديث» للباحث المغربي مراد تدغوت (معهد المخطوطات العربية- القاهرة) في أنها تقوم على دراسة علل الأحاديث النبوية، التي هي ذروة سنام هذا العلم، دراسة تصنيفية، تطبيقية، حيث تظهر مهارات المحدثين، ومقدرتهم على النقد، من خلال التفتيش في اختلاف الروايات، والمعارضة بينها، والموازنة بين طرقها، إسناداً ومتناً. توضيح هذه الرؤية النقدية، وإبراز النواحي التطبيقية، التي رعاها المحدثون في تعليل الأحاديث ونقدها، وبيان أصنافها، وأنواع الأحاديث، التي انفردت هذه الكتب (كتب العلل) بذِكْر عللها؛ من شأنه أن يجعل هذا الموضوع من أهم الموضوعات التي تجعل الدارس يؤسس لنظرية شاملة لعلم علل الحديث، لا سيما وقد قام الباحث بقراءة استقرائية لأهم الكتب المرجعية المعتمدة في التخصص، وتمكَّن من استخراج جل العلل الواردة فيها، وتصنيفها بحسب موضع العلة إلى متن وسند. ذلك أن التصنيف قد يكون أحد الملامح الجادة في توثيق النماذج ودراستها، وربما كان مجدياً للتغلب على أزمة المثال والنموذج، التي ظلَّت كتب مصطلح الحديث تعاني منها، بتكرار الأمثلة نفسها. وتنطلق الدراسة من إشكالية؛ مفادُها بأن منهج علماء الحديث في تعليل الأحاديث النبوية حفه غموض كبير، لدرجة أن عده بعضهم كهانة، لاستغلاقه عليهم، وصعوبة تحديد معالمه. كما اتهمه فريق آخر بالقصور الكبير لاقتصاره على نقد السند من دون المتن بزعمهم، وهو زعمٌ استشراقي قديم. يهدف هذا الموضوع إلى أمور عدة؛ أهمها: تأصيل التوجه الحديثي النقدي بالوقوف على مظاهر الجدة والاجتهاد فيه، من خلال مسالك النقد والتعليل وطرق التصحيح والتضعيف؛ بيان قيمة هذا المنهج في فن الحديث من خلال دراسة كلام أهله من صيارفة الحديث في النقد والتعليل، لا سيما وقد كانوا من أهل الحفظ والاستحضار للطرق وكلام العلماء في الرجال؛ بيان الجوانب المبتكرة في قواعد النقد والتعليل، بيان مدى وجاهة تنقيد الحفاظ تصحيحاً وتضعيفاً، وصوابها في ميزان النقد العلمي في علم الحديث النبوي؛ التوصل إلى تصنيف مبتكر ومنضبط لعلل الحديث النبوي. واتبع الباحث منهج استقراء العلل الواردة في 12 كتاباً؛ منها «العلل» لعلي بن المديني؛ «العلل ومعرفة الرجال» لأحمد بن حنبل، «التاريخ الكبير» للبخاري. ومن النتائج التي توصّل إليها؛ إطلاق مصطلح العلة على كل قادح في الحديث، سواء كان ظاهراً أو خفياً، في السند أو في المتن، خلافاً لمن زعمه من علماء المصطلح، انقسام القرائن التي اعتمد عليها المحدثون إلى قرائن تعليل وقرائن ترجيح، وقد تعددت وكثرت واختلفت باختلاف النماذج والحالات النقدية، ارتباط نقد الأسانيد عند النقاد بالمتن ارتباطاً وثيقاً على عكس ما يزعمه المستشرقون. ولاحظ الباحث أنه لا تلازم بين صحة السند وصحة المتن، وبالعكس فلا تلازم بين ضعف السند وضعف المتن، لا تلازم بين ترجيح سند أو متن وصحته، لكن هناك تلازماً بين أرجحية سند أو متن وضعفه، ذلك أن العلماء يبينون الأسانيد والمتون كما ثبت ورودها، بغض النظر عن صحتها، لكن الأسانيد والمتون، التي لم يثبت ورودها، ضعيفة حتماً. وبحسب الباحث فإن الأطروحة تفتح آفاقاً علمية مهمة في مجال الدرس النقدي الحديثي، بالإضافة إلى التفكير في مشاريع بحثية طموحة تهم تطوير أدوات هذا العلم منها: إعادة تحقيق مجموعة من كتب العلل، التي لم تحظ بتحقيق علمي متقن، وتحقيق ونشر المخطوط منها، وتأليف موسوعة في العلل بحسب أصنافها وأنواعها، وليس بحسب الأبواب الفقهية كما صنع بعض المعاصرين، لأن هذا الترتيب الأخير مستخدم في كتب العلل، ولا جديد فيه، غير الجمع والاستيعاب، وهي فائدة لا تخفىٰ أهميتها، وتأليف موسوعة في أقوال علماء العلل مصنفة بحسب الأسانيد والمتون، كذلك تحرير المصطلح النقدي المستخدم في كتب العلل، وملاءمته بما جاء في كتب المصطلح الحديثي، وضرورة إعادة النظر في البناء المنهجي لكتب المصطلح الحديثي، وإعادة ترتيبها بحسب السند والمتن.