15 مليار ريال لمشروعات البناء والتشييد المرساة خلال شهر    هندسة التعافي السعودية تستعيد كامل طاقة ضخ خط شرق غرب ومنيفة    أمير الجوف يطمئن على صحة العتيبي    استعراض تقرير «جوازات جازان» أمام محمد بن عبدالعزيز    «الديدحان» تستقطب الزوار وهواة التصوير    فوز مستحق للاتفاق    وصافة الدرعية في اختبار الزلفي.. وتطلعات الجبلين أمام تواضع الجبيل    سعود بن نايف: توحيد الجهود وتكامل الأدوار ركيزة لتطوير العمل الخيري    عسير تتصدر كمية الأمطار وخطة تشغيلية لمعالجة تجمعات مياه الرياض    ختام ملتقى قراءة النص بتسع توصيات    جائزة الملك فيصل والمركز يدعوان إلى محاضرة عن البلاغة العربية    «دورايمون».. مغامرات في عمق البحار    جلوي بن عبدالعزيز يتابع سير أعمال مدينة نجران الصحية    3 أهداف لإطلاق السعودية 5 خطوط لوجستية جديدة للسكك الحديدية    توافد الأندية المشاركة في دور ال16 من دوري أبطال آسيا للنخبة إلى جدة    حصة المدفوعات الإلكترونية تسجل 85% من إجمالي عمليات الدفع للأفراد في عام 2025م    أمير منطقة جازان يضع حجر الأساس لمشروع منتجع الحريد    أمير جازان يتسلّم التقرير السنوي لجوازات المنطقة    منتدى العمرة والزيارة يبرز العمرة الخضراء ويطلق منصة «إي جيرني»    وزارة الخارجية تستدعي سفيرة جمهورية العراق لدى المملكة    بعيداً عن صراع اللقب.. "زلزال" الاستبعاد يبعثر أوراق السوبر السعودي ويفتح باب "المعجزات" للاتحاد والتعاون    تحرك عربي لايقاف قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين    استخدام الرموز التعبيرية يغير تقييم مهنيتك    اتهام ChatGPT بالتخطيط لجريمة    بطاطا مقرمشة بزيت أقل    مواعيد النوم تحمي القلب    تشكيل الأهلي المتوقع أمام الدحيل    *أمانة الباحة تعزز جودة الحياة بإنجازات نوعية في أعمال الصيانة والتشغيل خلال الربع الأول من 2026*    هيئة التراث ترصد 20 مخالفة طالت مواقع التراث الثقافي خلال شهر مارس 2026    المياه الوطنية تنهي تنفيذ مشروع شبكات مياه بالحجرة في الباحة لخدمة 3,500 مستفيد    الولايات المتحدة وإيران تعقدان جولة مفاوضات جديدة في وقت لاحق بناء على مقترح باكستاني    آل فلمبان يتلقون التعازي في برهان    «المنافذ الجمركية» تسجل 900 حالة ضبط    ضمن اتفاقية الدفاع الإستراتيجي المشترك.. وصول قوة عسكرية باكستانية إلى السعودية    تغريم محمد رمضان بتهمة إهانة «مهندس»    بحثا تأثير تهديدات الملاحة على الاقتصاد العالمي.. ولي العهد والرئيس الفرنسي يستعرضان تطورات المنطقة    ابن جلوي يكرم الفائزين في ذروة سنام 2026    طموح «كومو» ببلوغ دوري الأبطال يصطدم ب«الإنتر»    أكدت نشر ثقافة التسامح والمساواة.. السعودية تهتم بمبادئ التعليم من أجل السلام    طلاب الشرقية يحققون جوائز الرياضيات    فسح وتصنيف 45 محتوى سينمائياً    رئيس جمهورية المالديف يُغادر جدة    8.9 % ارتفاع الإنتاج الصناعي    7 ملفات خلافية في مفاوضات واشنطن وطهران    زفاف أمريكي يتحول إلى مأساة    الكركم والزنجبيل يكافحان سرطان العظام    ظاهرة تربك العلماء.. طائر ينام 10 آلاف مرة يومياً    إمام المسجد النبوي: أشد الناس حبًا لله أعرفهم بأسمائه وصفاته    مهرجان الحريد.. إرث تاريخي وسياحة اقتصادية    أمير القصيم يوجه بإزالة تعديات على أراضٍ حكومية.. ويكرم الفائزين بجائزة "منافس"    محافظ حفر الباطن يتسلم تقرير "منارة للعناية بالمساجد"    أمير الجوف يعزّي مدير الدفاع المدني في طبرجل    خطيب المسجد الحرام: لا تغرنّكم الحياة الدُنيا فنعيمها لا يدوم    العالم يترقب نتائج مفاوضات باكستان بهرمز والمجمدة.. واشنطن وطهران تختبران حدود التهدئة    آمنون يا وطن    انطلاق أعمال الصيانة الدورية للكعبة    ضيوف من كندا وماليزيا يحضرون موسم صيد الحريد في فرسان وسط أجواء تراثية فريدة    تفعيل معرض "ولاء" بهيئة الأمر بالمعروف بجازان لتعزيز الوسطية والأمن الفكري بالكلية التقنية بأبو عريش    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



العراقي علي جبار رسام المرئيات السرية
نشر في الحياة يوم 24 - 01 - 2011

ينتمي على جبار (يقيم الآن معرضاً جديداً لأعماله في لندن) الى قلة نادرة من الرسامين ممن لا يجدون في تكرار المشاهد البصرية دليلاً على إثبات هويتهم الأسلوبية. فهذا الرسام ومنذ أن ظهر بقوة منتصف ثمانينات القرن الماضي (نال جائزة الواسطي وهي كانت كبرى جوائز الفن في العراق يومها) يصر على أن يجد سعة اسلوبية في تنوع المشاهد التي يلتقطها بصرياً. وهي مشاهد تفارق دلالاتها العامة ما أن تمتد يد هذا الرسام إليها. ذلك لان الرسام إنما يقرر ان تكون تلك المشاهد وهو يرسمها ملكاً شخصياً له، لا ينازعه عليها أحد. قد يقال ان كل الرسامين يفكرون بالطريقة نفسها. وهو قول صحيح، غير أن نزعة هذا الرسام في الاستيلاء على مرئياته تمتزج بقدرته الايحائية على احالة ما يراه إلى مواقع في التعبير، يكون فيها الجانب الشخصي هو الاكثر إلهاماً.
نحن في الحقيقة نرى ما رسمه الرسام لكننا لا نقوى على رؤية ما تخيله إلا بعد مشاركة عميقة في التعرف على المصدر الغامض الذي تنبعث منه تجليات الصور. يكمن ذلك المصدر في الكوابيس التي صارت جزء من ليل المنفى الذي يخترقه الرسام من بلد إلى آخر. تشفق رسومه علينا من شقاء تلك المشاركة، فتتقدم منا بحذر، مبدية الجانب الأقل ايذاء من خبرتها في الألم. ولذلك يخيل إلينا أحياناً ان الرسام يغلِّب الوصف على إبداء الرغبة في خوض غمار التجربة. وكما أرى، فإن الرسام من خلال سلوكه هذا إنما يحفر نفقاً خفياً يصل ما بين فتنة الرسم الخارجية وبين لوعة التجربة الانسانية. شيء يتعلق بوظيفة الرسم حين لا يكتفي بالمراجعة القاسية، بل ويضيف إليها رغبته في أن يرى العالم أجمل. لذلك، فإن هذه الرسوم لا تتضمن، إلا في ما ندر، مشاهد تحيل إلى سلوك مؤذٍ، غير أنها في الوقت نفسه لا تتخلى عن نزعتها في اعادة تركيب الجسد البشري، باعتباره ملهمها، بعيداً من أي اعتبار ثقافي يلصق بصنميته نوعاً من القداسة.
ينقب علي جبار في مناطق بصرية يمكنها أن تتآخى لكن بعسر شديد. فالعري يمكنه أن يكون حاضراً في أكثر حالات الستر عتمة. يركب للكرسي الأحمر ثديين فيما الجسد عبارة عن قشرة. غطاء ليس إلا. يقنعنا الرسام أن هناك في الجسد مناطق قابلة للاشتعال في كل لحظة. حتى سلطة الجسد، فإنها لا تقال من خلاله إلا بعد مرورها بالمناطق المحذوفة ثقافياً منه. وكما أرى، فان كل محاولات التخفيف من الشعور بالصدمة التي بذلها الرسام اشفاقاً منه على المتلقي لا يمكنها أن تخفي عنا عالماً هو قيد التداول لا يمكنه أن يكتسب هويته الانسانية ما لم يقف على الأعراف بين جحيم الجسد وجنته. لذلك تحضر النقائض بقوة في رسوم علي جبار. النقائض التي تتوزع بين الحب والسلطة، بين الشر والرغبة في العيش الباذخ، بين الانوثة وخيال الشرق المأسور بحريمه. جرت العادة أن نصف أي علاقة وهذا الرسام لا يخالف تلك العادة بل يستثمرها رغبة منه في الوصول إلى اللحظة التي تتداعى الأشياء كلها، حينها تعم الفوضى ويكون التساؤل مجدياً.
في هذا الوقت بالذات، فإن رسوم علي جبار تكتسب اهمية خاصة. مزيج الجسد الذي يقدمه، وهو نوع من الشراب، يشعر المرء المخدوع بوجوده العصري إزاءه بالاضطراب، هو في حقيقته وصفة سحرية لما يمكن أن يكون عليه الجسد لو تُرك حرا لخياله التركيبي. رسوم علي جبار تقول لنا: «الجسد ليس قطعة متماسكة واحدة يمكننا التهامها كالحلوى». ولأن الفنون الجديدة تخلت عن الجسد بعد أن أن توهمت أنها استباحت كل مناطقه، فإن رسوم مثل هذه تعيدنا إلى لحظة الثقة. وهي لحظة تكاد تكون مفقودة في كل الفنون المعاصرة. من حيث المبدأ صار الفن ينمي الشك في كل الظواهر، بضمنها ظاهرة الإنسان. لا يعيدنا هذا الرسام إلى الميزان الأصلي، لكنه يباغتنا بفكرة تقول بالحب باعتباره اساس كل شيء. في حالته، الحب هو الذي ينقذ الجسد من هلاكه. بهذه الفكرة وبتجسيداتها الخيالية يمكننا أن نحكم بأن علي جبار هو السوريالي الأخير (في الرسم العربي على الأقل). فمشاهده المستلهمة من وقائع جرى تركيبها فنياً، هي في حقيقتها نتاج تجربة روحية عميقة لا يشكل نشاط الحواس المباشرة إلا جزءاً منها، اما الاجزاء الأخرى، فيعمل العقل والخيال مجتمعين على تلمس الطريق إليها.
ومثلما تحرر علي جبار من عاداته التقليدية في النظر إلى الجسد، فان رسومه هي الأخرى قد تحررت من ارتباطها بزمن بعينه. هي رسوم حديثة، غير أنها لا تلتزم بعادات الرسوم الحديثة. هنا نرى السطح أملس، ناعماً لا يخفي شيئاً تحته وهو ما صار بالنسبة للرسامين الحداثويين واقعة مجازية يمكن تفاديها بيسر. ذلك لأن الكثير من رسومهم انما صار ينشأ بسبب ما تمليه خبرة السطح من علاقات تقنية. لدى علي جبار ما يشغله عن السطح كما خبره الحداثويون. هناك البعد الميتافزيقي لتجربة الحب وهو يمتحن الجسد. وهو اختبار يدفع بالرسام إلى أن يجعل من رسومه مقدمات هي أشبه بالسطوح التي تتستر على وقائع سرية لم تقع إلا لكي تكون مادة لحكاية قد لا تقع أبداً.
رسوم تحدثنا بما لم يقع. هي خديعة أخرى إذن. غير أننا حين نجد أنفسنا في قلب تلك الرسوم، نتذكر من غير أن نكون متأكدين أن تلك الرسوم انما تعيدنا إلى وقائع هي جزء من ذكرياتنا الغامضة. شيء من الفن يتسلل إلينا. من قدرته على أن يصنع واقعاً مجاوراً، واقعاً يستخرج منه علي جبار مفردات غربته. نحن نقيس غربتنا بميزان تلك الرسوم.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.