تنطبع ملامح التقاضي في المحاكم الشرعية على وجوه مراجعيها لإنهاء معاملاتهم. جموح المتخاصمين يبدو واضحاً أثناء عبورهم الطريق إلى المحكمة، والنزعات المسالمة والمشاكسة تتجسد أمام مدخلها، قبل الوصول إلى القاضي. وكمثل الحكمة التي تقول إن «الجزاء من جنس العمل»، تكتسي ملامح وجوه المراجعين من الرجال والنساء للمحاكم الشرعية جنس القضية التي تخص كل واحد منهم، معبرة عن موقفه إن كان مظلوماً أو ظالماً، ومظهرة صلابة الشخصيات وضعفها أمام هيبة العدل. وباختلاف القضايا، كذلك تختلف الوجوه؛ من شخص «مدعٍ» إلى آخر «مدعى عليه»، ويؤكد القضاة أن هذه الاختلافات تمثل علامات ودلائل قد تكون قرائن إدانة غير ظاهرة، إلا أنهم يقرأون هذه العلامات ويربطونها مع ما يقدم من أدلة وقرائن ولوائح سواء كانت جوابية أو لوائح ادعاء. ولا بد لمن يزور مقر محكمتي جدة العامة والجزئية لقضاء حاجة ما، أن تلفته صفوف المتقاضين والخصوم من الجنسين، خصوصاً في قسم الدعاوى، حيث تشمير السواعد لتقديم أو متابعة قضايا، تغلب عليها شؤون الزواج والطلاق أو النفقة والحضانة أو المطالبات المالية وقضايا الاعتداء، بينما ملامح الوجوه تسجل كل شاردة وواردة، وكل بادرة انتصار وعلامة خيبة. ومن أبرز ما لحظته «الحياة» خلال جولة لها على محاكم جدة، الصمت الذي يخيم على استراحات المكاتب القضائية حيث تجري جلسات محاكمات، فلا مكان إلا للهمسات أو النظرات ذات الدلالات المختلفة، في أن يتحول هذا الصمت إلى نقاشات حادة وأصوات عالية تخالطها الدموع أحياناً في أروقة قاعات المحاكمة. وعلى رغم ظهور رجال الأمن الموجودين في قاعات المحكمة بمظهر الرابح دائماً والأكثر سعادة بالنظر إلى مظهرهم الخارجي، إلا أنهم يتأثرون كثيراً خلال مرافقتهم وحراستهم للمتهمين منذ خروجهم من السجن وحتى وصولهم إلى مقر المحكمة، من خلال ما يسمعونه منهم سواء كانوا ظالمين أو مظلومين. ويبقى التغير الأكبر والأكثر قوة في الملامح، هو التغير الأخير بعد الخروج من المحكمة، فتتلون الملامح بلون إيجاباً وسلباً بحسب الحكم الصادر، فتتجلى قدرة العدالة على منح الإنسان شعوراً بالعز، وإشاعة الحب بين الناس، والعكس كذلك، ما يكون نقطة تحول جذري في حياة الإنسان بعد خروجه من مقر المحكمة.