أصدرت وزارة الخارجية الأميركية تقريرها السنوي حول الاتجار بالبشر 2010، الذي تصنف فيه البلدان في فئات وفقاً لتعاطيها مع مشكلة المتاجرة بالأشخاص، بدءاً من سن التشريعات التي تحضر الاتجار بالأشخاص بأشكاله وصوره كافة وإنشاء الآليات، وحتى النتائج الملموسة على أرض الواقع، وهذه الفئات تُجمل في ثلاثٍ تصنف فيها البلدان على هذا النحو: الفئة الأولى: تدرج فيها البلدان التي التزمت بالمعايير الدولية لمواجهة الاتجار بالأشخاص وتسعى بجدية للقضاء عليه. الفئة الثانية: تتضمن البلدان التي تبدي التزاماً للقضاء على هذه المشكلة، لكنها لم تقم بعد بالتطبيق الكامل للمعايير الدولية في هذا الشأن، ويضع التقرير البلدان التي لا تتمثل بأدنى المعايير الهادفة للقضاء على المتاجرة بالأشخاص ضمن «الفئة الثالثة»، «وبالتالي يقود هذا التصنيف الحكومة الأميركية للتوقف عن تقديم أي مساعدات خارجية إلى تلك البلدان، عدا المساعدات الإنسانية وتلك التي ترتبط بالتجارة»، كما ذكرت مقدمة التقرير المُتاحة في موقع وزارة الخارجية الأميركية. وقد صنّف التقرير المملكة العربية السعودية ضمن بلدان الفئة الثالثة على اعتبار أنها لا تقوم بأدنى الإجراءات للقضاء على المتاجرة بالأشخاص، على رغم إشادته بالتطور الإيجابي الذي تشهده في هذا الصدد، الذي من أهم أوجهه سن نظام مكافحة الاتجار بالأشخاص، ونشر خطة وطنية تهدف إلى القضاء على المتاجرة بالأشخاص، وكان أبرز ملف أسهب فيه التقرير، وأعتبر أن الكثير من الممارسات التي تندرج في إطاره متاجرة بالأشخاص، ملف العمالة الوافدة. ما يعني هنا في نظري تجاوزاً لما قد يكون صحيحاً في هذا التقرير ولكل ما احتواه هو الحكم على النيات مادام معيار الترقية إلى الفئة الثانية - لن أقول الأولى - هو إبداء الالتزام بالمعايير الدولية الرامية إلى مكافحة المتاجرة بالأشخاص، فكيف إذن صنَّف التقرير المملكة ضمن بلدان الفئة الثالثة، وقد أبدت التزاماً واضحاً وصريحاً بتطبيق المعايير الدولية في هذا الشأن، وعلى سبيل الحصر لا الذكر مصادقتها على بروتوكول منع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص، خصوصاً النساء والأطفال المكمل لاتفاق الأممالمتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية، وإصدارها لنظام مكافحة الاتجار بالأشخاص، الذي يتضمن عقوبات سجن تصل إلى «15» عاماً، وغرامات مالية تصل إلى «مليون» ريال، وتشكيلها لجنة مكافحة الاتجار بالأشخاص التي تمثلها جهات استشارية وتنفيذية أُنيط بها إنفاذ هذا النظام على أرض الواقع، بُغية التصدي لأي ممارسة قد يُنظر إليها بشكل أو بآخر على أنها متاجرة بأشخاص، هذا البعض من الكثير يعكس نية المملكة الصادقة وسعيها الجاد لمحاربة هذه الظاهرة العالمية، فما الدافع الحقيقي لمعدي تقرير الخارجية الأميركية وراء إبقاء المملكة ضمن الفئة الثالثة؟! إذا تجاوزنا ذلك المعيار الذي أشرت إليه سلفاً، وقلنا بأن عملية الترقية بين الفئات مرهونة بالنتائج، فإن المملكة في مجال مكافحة الاتجار بالبشر على الأقل ليست أسوأ من بلدان يُمارس فيها الاتجار الممنهج بالأشخاص، كالمتاجرة بالنساء والفتيات والأطفال جنسياً. يبدو أن هناك صورة متأطرة مسبقاً في أذهان معدي التقرير عن البلدان بما فيها المملكة، ويبدو أنهم غير معتدين بأي تقدم محرز تحققه تلك البلدان في هذا الشأن، والدليل أنهم ذكروا في مواضع كثيرة من تقريرهم أن حكومة المملكة فعلت كذا وكذا في إطار محاربة المتاجرة بالأشخاص أثناء كتابة التقرير، فهم إذن لا يملكون وقتاً للتحقق من هذه الإجراءات ولا النتائج المترتبة عليها التي قد يكفل أحدها ترقية الدولة من فئة دنيا إلى فئة أعلى، وكأنهم يقولون لا مناص لكم عن الفئة الثالثة. السؤال الأوجه في نظري هنا: ما دافع الخارجية الأميركية من إصدار مثل هذه التقارير، وهي الجهة المناط بها مد جسور العلاقات بين الدول وتحسينها، هل هو فصل آخر من فصل الحرب الباردة أو القوة الناعمة «soft power»، أم هناك انقسام في الصف الأميركي في ما يتعلق بسياساتها الخارجية، لنضع كلتا الفرضيتين في الحسبان، ونحلل كل واحدةٍ منهما على حده، إذا كان ذلك يندرج ضمن وسائل الضغط التي تمارسها الحكومة الأميركية على الدول، فهذا يدل على أن أميركا بدأت تفقد شيئاً من حظوتها المشهودة في منظمة الأممالمتحدة، وبات وشيكاً أن يقال لها: «انقلب السحر على الساحر»، أما إذا كان هناك تباين في توجهات الساسة الأميركيين أدى إلى انقسام واضح، فيبدو أن اصطدام التوجهات قد تسنم ذروته، إذْ إننا اعتدنا أن نسمع دوي ذلك الاصطدام آتٍ من مبنى «الكابيتول»، ولكن منذ سنين قلائل بات يصدر من مبنى الخارجية الأميركية! ما يدل على أنه يتجه بقوة إلى البيت الأبيض، عندها سيطول الخطر بلداناً كثيرة بما فيها أميركا نفسها. الشعب الأميركي لا يزال يعض أصابع الندم على منحه «بوش» تأشيرة العبور إلى كرسي الرئاسة، ولكن المشكلة لا تكمن في ذلك الجسد الذي يُدعى «بوش»، بل تكمن فيمن دونه من «الأبواش»! وأعتقد أن هذه أغلى ضريبة من ضرائب الديموقراطية الحديثة، والسؤال هنا من سيدفعها؟! عوداً إلى لب المقال، يسجل للسعودية سياستها المتزنة التي أوصدت أذنيها عن كل الأصوات عدا صوت الحكمة، ولم تتأثر باختلاف التوجهات، واحترمت سيادة كل دولة، على رغم تدخل بعض الدول في شؤونها الخاصة، وعززت دورها الريادي في العالم...، ما جعل معدي ذلك التقرير يخسرون شيئاً من جهدهم ووقتهم بكتابتهم لما يقارب 2197 كلمة عن المملكة العربية السعودية في التقرير، ماداموا لم يقنعوا الرئيس الأميركي بفرض العقوبات التي تمارس ضد دول الفئة الثالثة في تصنيف التقرير على المملكة. لست أقول بعدم وجود ممارسات تصنف على أنها متاجرة بالأشخاص في المملكة، ولكنها ليست بأكثر سوءٍ من تلك التي تُمارس في الولاياتالمتحدة الأميركية ويغنيك عن البحث، فقط المرور بأحد شوارع الولايات الأميركية التي تصطف بها «المومسات» اللاتي يحملن، فوق ما يحملن من أوزار، بطاقات تصريح مزاولة مهنة! أي أن الاتجار باختصار ممنهج، والغريب في الأمر أن التقرير صنّف أميركا ضمن الفئة الأولى، أليست تلك قسمة ضيزى؟! نايف معلا – الرياض Naï[email protected]